1 - ضد اليوميات / 2010
عدنان المبارك
أنا متأخر لا يرجى صلاحه إذا خص الأمر ما يترجم الى العربية ( أردت أن أعرف هل ُترجم المانفست السوريالي من عام 1924 أم لا ). هناك كسلي أيضا. لا ، ليس كسلا بل أنا بخيل بالوقت الذي لا أريد تبذيره بالبحث عن تراجم هنا وهناك. كما لا حاجة الى إضافة نعت المفلس كي أبررعجزي عن المتابعة وشراء الجديد الجيد في الأدب العراقي وغيره.
نص بريتون هذا ليس هو مانفست بالمعنى الشائع بل إعترافات متوالية قريبة من النص المفتوح. أعترف بأني لا أملك مقاومة ذات وزن أمام هذا الصنف من الكتابة. فلأفكار بريتون مفعول المغناطيس في رأسي ، وبشكل خاص تفرّغه لقضية (الأوتوماتيكية النفسية) وسعيه بمعونة (التدوين الأوتوماتيكي) كي يعيد خلق ما أسماه ( المجرى الفعلي للفكرة ). كان بريتون ذا فضول خارق ولا أظنه همد طيلة العقود السبعة التي عاشها على الأرض (1896 - 1966 ) .
شكّل سوية مع المشتركين في حركة دادا ومنظّر الفكاهة السوداء جاك فاشJ. Vache الذي إنتحر في مطلع شبابه، جماعة متحلقة حول مجلة ( Litterature ) الدادائية. ومن هذه الجماعة خرج أول نص سوريالي لمؤلفيه بريتون وفيليب سوبو: ( الحقول المغناطيسية Les Champs magnetques ) . بعدها جاءنا بريتون بثلاثة مانفستات سوريالية - في أعوام 1924 ، 1930 ، 1952. أول ما أمر لفت نظري فيها وغيرها من بيانات ومؤلفات سوريالية هو تلك الدعوة الى رفع الحواجز بين الحلم وما أُصطُلِح على تسميته بالواقع ، والإحالة الى قدرات الإنسان اللاعقلانية التي تسمح بتلقي الخطابات من العالم المنتمي، بصورة متزامنة، الى الواقعين الذاتي والموضوعي، أي الى ما فوق الواقع surrrealite .
كان بريتون شديد الإيمان بإمكانية القيام بتحول جذري سواء للفن، الأدب والتشكيل خاصة، والحياة. إقترح هنا فلسفة حياتية قرنت في البدء بفكرة الثورة الإجتماعية. معلوم أنه كان في أعوام 1925 - 1933 عضوا في الحزب الشيوعي الفرنسي، وكان على السوريالية أن تصبح وسيلة للتحريرالنفسي وفضح لامعقوليات ( النظام القديم - الرأسمالي ) وخلق الشروط للمخيلة الحرّة والتعبيرالأكمل عند التصرف الكامل بقيم ٍ كالحرية والمخيلة والحب.
السوريالية أعطت الأولولية للفن كمنطقة لوجود الإنسان توسّع حدود التعرف ، أما قطبها فكان تداعيات غير إعتيادية ، ومراتبا جديدة للجمال مثل العبثية أو الخارق.
كانت جماعة بريتون قد أسست مكتبا للأبحاث السوريالية (Bureau de Recherches Surealistes ) له لسانه الناطق: مجلة ( الثورة السورياليةLa Revolution Surealiste ).
واضح أن مانفست عام 1924 أصبح كلاسيا أو بالأحرى جعله التأريخ كلاسيا ومبسَّطا أيضا. ومهما قيل عنه ذما أو مدحا فسوريالية بريتون ضخت دماء جديدة في عروق الثقافة خاصة.
كان محقا من قال بأن بريتون لم يتخط أبدا حدودا معينة. بالفعل ، فنصوصه تربط بين إندفاعة المجنون وجلال الكلاسي...
صار مانفست عام 1924 إنعطافا خطيرا في تأريخ الثقافة. فكل الأعمال الكبيرة التي جاءت بعد المانفست هي خارجة من معطفه... وأنا لا أبالغ إذا قلت بأن لا أحد من كتاب اليوم إستثنى تماما العنصر السوريالي من عمله وأخضع كل شيء لسيطرة العقل.
غيوم أبولينير الذي إبتكر مصطلح السوريالية في عام 1917 قال مرة إنه حين أراد الإنسان محاكاة المشي إخترع العجلة التي لا تذكّر أبدا بالسيقان. بهذه الصورة يكون قد خلق السوريالية ومن دون أن يدري.
تذكرتُ كلمة أخرى لأبولينير: لا أحد يكتشف الواقع مرة واحدة والى الأبد. الحقيقة ستكون دائما جديدة وإلا لكانت مجرد نظام أشد بؤسا من الطبيعة.
وجدنا في محراب السورياليين تصوير هيرونيموس بوش، وتجارب الدادائية. فيما يخص التأثيرات الأدبية كان معلما كبيرا لهم كونت دي لوتريمون وكتابه من عامي 1868 - 1869( أناشيد مالدورور Les Chants de Maldoror ) . في عام 1938 سمى بريتون شعر لوتريمون ب( قفص من الأزبست يسجن القلب المحمّي حتى البياض ). وكما إستقبلوا بحماس بالغ شعر لوتريمون أيدوا بذات الحماس هذا الشاعر حين تبرأ من آرائه التي جاءت في ( الأناشيد ) ...
أشعار رامبو كانت في إنجيل السورياليين أيضا.
رغم أن أن فرويد كان معبود السورياليين فهوقد أعلن بعد لقاء له مع سلفادور دالي: لا أزال أميل الى إعتبار السورياليين مجانين مائة بالمائة ...
كتب السورياليون رسائل مفتوحة الى شتى الجهات ، بينها الدالاي لاما والبابا وعمداء الجامعات الأوربية. كلها كانت نوعا من الإستفزاز الفكري.
شأن كل تجمع حصلت إنشقاقات وحالات طرد في جماعة السورياليين التي شكلها بريتون. مثلا في عام 1926 طُرد روجير فيتراك وفيليب سوبو، وفي عام 1929 أنتونين آرتو وجورج باتايي وماكس موريس، وفي عام 1930 ُطرد ريمون كينو (في العام نفسه ترك جاك بريفير الجماعة أيضا ) ، وفي عام 1932 طرد لويس أراغون ومكسيم الكسندر، و في العام التالي بول إيلوار، وسلفادور دالي في عام 1939 ، وروبرتو ماتا في عام 1948 ، وماكس أرنست في عام 1954 .
في بدء السوريالية كانت الكلمة. سأل بريتون عن معناها ومكانها في الجملة التي إنتزعها من السياق المنطقي ومنحها معنى جديدا. ومن دون فهم الثورة السوريالية في اللغة يكون غامضا تعامل أنصارها في الفنون التشكيلية مثلا. بالطبع هناك مواد سوريالية. مكواة مان ري التي غرز في سطحها المسامير، أو فنجان ميريت أوبيهايم المغطى بالفراء ، أو نظارات مارسيل ماريين ذات العدسة الواحدة الضخمة. في النظام المنطقي لا تعني هذه كلها أي شيء عدا كونها حماقات أو نزوات في أحسن الأحوال. لكن يكفي تحريك المخيلة وفصل هذا الشيء عن بقية الأشياء التي تشبهه ثم التفكير كيف ستكون هي عند الإستعمال وأيّ أفكار ومشاعر ستثيرها أنذاك. وكان للسوريالي أراغون هوسه بالمواد وسحرها. في رواية ( قروي باريس ) من عام 1926 كتب : ( طرأ التحول على الأشياء أمام ناظري ومن دون أن تكتسب أشكالَ المجاز أو طبيعة ً مركزية. لم تكن هي ظهورا للفكرة بل كانت هي الفكرة نفسها ).
قال بريتون مرة: في المجتمع المعاصر يعمل مبدأ غير مدوَّن لكنه ملزم: وجوب أن يكون كل شيء مفهوما وموصوفا ومنشورا بشكل مطبوع . في مثل هذا المجتمع لا مكان لي، ولأني أقبل بوجود أشياء غير مفهومة وغير مسمّاة تكون تحديا للعقل السليم والأخلاقيات المدينية.
تيوفيل جوتيه قال مرة: ( هذا العقل الذي يكتب مذكرات الجنون بإملاء من الثاني ). أظنها تصلح كثيرا لوصف أفعال شعراء السوريالية الذين واصلوا تقاليد ( الشعراء الملعونين ) من القرن التاسع عشر وبالدرجة الرئيسية رامبو ولوتريمون. الغريب أن هذين الشاعرين العبقريين كتبا الشعرالتنبؤي أثناء كومونة باريس وحرب عام 1978 ، تماما كما كتب الدادائيون ، وبعدهم السورياليون، أشعارهم أثناء الحرب الأولى 1914 - 1918 ، والثورة البلشفية، أشعارَ التمرد الشامل: ضد المجتمع المُرسى على قواعد النظام والعقل والتقاليد لكنه في واقع الحال قاد العالم الى كارثة الحرب، ومن هنا قيام الشعراء برفع راية اللاعقلانية والفوضى و... الجِدّة. أما سلاحهم فكان الفضائح والفكاهة. وبهذه الصورة أقلق الدادئيون والسورياليون باريسَ ما بعد الحرب كثيرا وطويلا...
أزاح السورياليون الكثير من الأقانيم القديمة وجاءوا بأخرى. دفعوا الحلم الى الموقع الأول ومعه الشهوات وإملاء اللاوعي في تلك الكتابة الأوتوماتيكية ثم البحث عن الخارق والأخذ بالجانب المسحور من الحب. بريتون حين إلتقى بجاك فاش في عام 1916 في نانت، كان سحرهما المشترك ألفريد جار ومسرحيته الفضائحية - الطلائعية ( الملك أوبو ).
محقٌّ القائل إن بريتون أراد إزالة التباعد بين الحلم والفعل، وقاد الرومانسية الهيغوية الى أقصاها ، بل بالدرجة الأولى رومانسية نيرفال المغرم بالخارق والذي واصل بريتون حلمه في صيرورة المخيلة من دون سيطرة وتحكم كي تنبثق الإثتنان منها: الكلمة والصورة. وفعل بريتون هذا الشيء: ( السوريالية تجهد وستجهد دائما في أن تعيد بصورة مصطنعة خلق تلك اللحظة المثالية حين يكون الإنسان تحت رحمة إنفعال معين هو في الوقت نفسه ممسوك بشيء أقوى منه ويرميه ، رغم مقاومته ، في الخلود )...
تكلم بريتون من حين الى آخر عن الجمال. أذكر كلمته تلك: ( على الجمال أن يكون تشنجيا convulsive وإلا لن يكون ) . بالطبع لم يتكلم هو عن حدود هذا التشنج. مفهوم أني إذا أزلت الحدود هنا أكون كمن أزاح القلق الميتافيزيقي عن الفن...
درس بريتون طويلا مختلف أبعاد إشكالية تطابق الحلم مع الواقع وإنمحاء الحدود بينهما والتي كان نرفال قد أسماها بحلم ما فوق الواقع. بعده إستخدم بودلير هذه التسمية أي حين يسلب الفن واقعية الأشياء. وفي عام 1908 بعث هذه التسمية أبو لينير في نثره الشعري الذي رفع فكرة الحلم الى مستوى الموضوع العلمي. وحاكى هنا ( كتاب الأحلام ) لليوناني آرتيميدور. السورياليون، بريتون بالضبط ، لم يأخذوا من أبولينير أسمهم فقط بل نهج تلك الصور اللاواقعية التي تتعاقب بصورة حرة وخالية من الترابطات. في ا لواقع كل شيء أبو لينيري هوغير معقول تماما كما في أحلامنا. إنها الغربة نغل الحضارة أيضا ! ألم يقل بريتون إن بين الإنسان والطبيعة ينتصب حاجز يعيقني عن التعرف عليها وفهمها ومن ثم الإقتراب من جوهر الواقع...؟ أنا معه حين صاح: التقاليد والعادات الإجتماعية حوّلتنا الى عبيد أفعال وأفكار وتصرفات نكرس لها كامل وجودنا. وما الغرض من كل هذا؟ صحيح أني أتصرف وفق ما ينبغي وحسب القواعد السارية لكني عاجز عن إزاحة الهاجس الذي يهمس لي بأن كل هذا محض عبث في الجوهر...
كتبتُ مرة أن السوريالية قد جمعت بين الأحساس بالفجيعة ولا معنى الوجود الإنساني في شروط العالم الفعلية، وبين حمى الحرية.
أنا ما زلت على يقيني من أن وضع الإنسان هذا لم يطرأ عليه أيّ تبدل...
باند هولم - شباط / فبراير 2010
خاص "أدب فن"


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):
البيانات مشوشة و هي أشبه بخريطة من الكلمات المليئة بالجمل المعترضة الطويلة. و كنت تناولت الموضوع مع الأستاذ وليد إخلاصي و قال هذا ليس خطأ المترجم و لكنه بسبب النص الأصلي الذي يعبر عن فوضى ذهنية و خيال يعيش ورطته الخاصة.
شكرا
أضف تعليقك