ضد اليوميات - 17 / 2009
عدنان المبارك
أجد الخريف أشد قسوة من الشتاء في حياة الإثنين : الإنسان والطبيعة. لولا بضع عادات متجذرة في مدارات من حياتي ل( إنسحبت ُ ) ورفعت الراية البيضاء. يغور فيّ الشعور بأن الطبيعة صارت محض ديكور بالألوان الخريفية - الشتائية الرمادية الكامدة. لا أعرف لم مثل هذا التلقي الحسّي بالضبط ؟ ربما العلة في تكرارها ، في إحساسها الغليظ بل لامبالاتها ، وهي تستحق الرجم ، بأن الزمن يخطفنا منها ، ربما العلة في هيمنتها هذه والتي تصل الى النخاع في العظام.
جون أشبيري يشبّه في قصيدته ( شارع موتسارت ) خطَّ صفٍّ من الأشجار ب( موديل التقدم الذي أبصرناه مرة ً في سني الصبا ). أما أنا فكنت أشاهد التقدم على شاشة سينما الوطني وواجهات مخازن ( سوق الهنود ) ! عن ذلك الزمن الذي كان قد بدأ يفقد قشرته الصلبة فكرت ، ولأكثر من مرة ، في أن أكتب أكثر، لكن بالطريقة الأفضل: إطلاق سراح الحواس كي أنبش في الذاكرة كما لو أني ألصق صورا من دون ترو، وفق تيار الوعي الجويسي ، كي ألصق منها صورة أكبر للزمن الذي لا يمهل كالعادة...
القديس أوغسطين وجد أن الزمن أعقب كينونة الرب ، وجاء سوية مع خلق العالم. أكيد أن في هذا منطقا ، لكنه ، وللأسف ، شكلي بحت. قال أيضا إن الزمن باق طالما أن العالم باق. هناك ذاك الإمتياز للرب : هو باق خارج الزمن أما مسكين مثلي فباق في داخله ، ولأن الزمن مرتبة مطلقة ، مستقلة تماما عني ، عن الإنسان. لكن العزاء في أن للزمن طبيعة ذاتوية : إنه فيّ. من هنا مقولة عمانوئيل كانت عن أن للزمكان تلك العمومية التي تميّز المخيلة / التصورات أي ماتأتي به الحواس التي هي نعمتنا الكبرى حين تعيينا في التفرقة بين الأشياء مثلا...
اليونانيون آمنوا بأن الهدف كان خلق عالم نموذجي من كل النواحي. وكانت الأفكار النموذج َللخلق ، أي أن الخالق كان قوة الخلق، والأفكار نموذجا للعالم الذي تقرر خلقه حيّا نفخت الروح فيه وذا عقل ، عالما واحدا ومتجانسا ، أعطاه خالقه شكلا نموذجيا : دائريا. أما الزمن فجيء به كي نقارن العالم بالأبدية. المسيحية لاتنقض اليونان كثيرا. توماس الإكويني يجد أن العالم خلق من لاشيء ، والخالق هو الله ، وجاء الخلق من دون وسطاء على طريقة ( إخدم نفسك بنفسك) ! ، كما أنه يمكن العثورعلى تفسيرعقلاني للخلق : العالم من أعمال الرب ، إذن هو عمل عقلي وهادف...
لسورين كييركيغورد رأي متميز في الزمن عند كلامه عن الإنتقال من ( اللاوجود) - ويُقصد به شيء آخر غير العدم بالمعنى التقليدي - الى الوجود وفق ميتافيزيقا أفلاطون. يكون الوجود هنا وجودا خاصا : وجود في ذاته ولذاته حسب المصطلح الهيغلي. وهذا الوجود يعني كييركيغورد به الروح المتوجهة الى الله ، الى الأبدية. ولفيلسوفنا تعريفه للروح أيضا. تعني هي الحرية التي تكون بدورها الخيرالمطلق من ناحية ، وتجربة ما هو أبدي من ناحية أخرى. أما الإنتقال من اللاوجود الى الوجود ( هذا الوجود يوائم إنتقالا آخر هو للوجود في الزمن الذي يُفهم كتعاقب بحت للحظات الزائلة واحدة بعد أخرى ) في حاضر أبدي : إذن الزمن تعاقب ٌ لا ينتهي ، والحياة القائمة في الزمن والتي لاتقود إلا الى الزمن ، لا تملك أيّ حاضر. كييركيغورد يرى الوجود الحسي في الحاضر محض محاكاة مضحكة لما هو أبدي. إنها تجريد لاغير. فالحاضر لا يعني إلا ماهو أبدي. وفي كتابه الأصعب ( مفهوم الخوف ) يستشهد بالرومان الذين قالوا عن الآلوهية بأنها الحاضرة. في الحقيقة يختلف الفيلسوف الدنماركي عن غيره من مفكري المسيحية وفلاسفتها خاصة ، حين يؤكد بشكل خاص على تغلغل الزمن بالأبدية وهذه بالأول ، والحال نفسها مع الحضور واللاحضورفي ( اللحظة ) ، في ما أسماه بالذرّة الحقيقية للأبدية ، بإنعكاسها الأول للأبدية في الزمن. وإذا فهمنا الزمن كتعاقب للحظات فأن بعضها يظهر ممتلئا بحضور ذاك ( الحاضر الأبدي )...
الزمن من أكبر الألغاز أمام الفلسفة. لذا كثرت مفاهيمه. الإتفاق يخص هنا أن الزمن مرتبة تشمل بصورة مركبة مختلف أبعاد بقاء وزوال كل شيء ( عدا الله ، أي بصورة أوسع : المطلق ) ، بعبارة أخرى يكون الزمن أهم وسيلة لفهم الوجود. تبقى هناك قضايا لم تلق الحل : ولادة الزمن ونهايته أو لانهائيته ثم إتجاه جريانه أو نكوصه المسمى ب( سهم الزمن ). بحكم جهلنا يبقى الزمن عبثا. أول الفلاسفة الذين تفرغوا لهذا اللغز كان آناكسيماندر. كتب عن الزمن أو بالأحرى إنعدامه : كانت بداية العالم والمادة بلا حدود ، بلا زمن ، مجرد تعليق في الفضاء حيث الزمن لم يتصرف بأي قانون. وفي هذا اللامحدود إمتزج كل شيء كما لو أنه صهريج للمادة ، لللامحدود ، للا زمن المستمر لغاية يومنا هذا... والتبدل الوحيد هنا فقدانه لما يحدد هويته.
المعضلة اليونانية التالية : كيف ينبغي التعامل مع الزمن : كإستمرارية continuum أم لحظات متعاقبة - نقاط في محور الزمن؟ وهنا تنشأ تلك المفارقة المعروفة عن السهم الذي أُطلِق ويصّور أفضل من غيره ذلك السباق بين آخيل والسلحفاة. فآخيل لم يلحق أبدا بالسلحفاة التي بدأت قبله السباق كما جرى الإتفاق. فحين بدأ آخيل الركض كانت السلحفاة قد قامت بالخطوة التالية رغم أن المسافة بين الإثنين قد تقلصت لكنها لا زالت قائمة. أما هيراكليت فإعتبر الزمن إستمرارية دورية ، والمفارقة هنا أن لوجود الإنسان طبيعة ثنائية : إنه خالد وفان في الوقت نفسه ، فالأول يحيا بموت الثاني والعكس صحيح. وفي نطاق ما أسماه ب( السنة الكبيرة ) نحن فانون لكن حين نراعي حقيقة لانهائية الحركة الدورية للزمن يتبين أننا خالدون رغم أن حالات وجودنا التالية لا تملك أيّ شيء جديد ، ومن هنا قحولتها. إذن كل شيء جار وليس هناك من شيء باق. وهذا هو مفهوم الفيثاغورسيين من القرن الخامس قبل الميلاد أيضا. فللزمن صلة وثيقة بالحركة والتبدل اللذين هما معياره. ثم جاء أفلاطون : الزمن الجاري بإستمرار وذو الوتيرة الواحدة يدين بوجوده لنَفْس العالم والتي هي أساس كل شيء وبضمن ذلك حركات السيّارات والتي هي مصدر التعرف على الزمن. تكلم عن الزمن كصورة متحركة. لم ينف فعليته إلا أنه آمن بمملكة الوجودات فوق الزمنية ، والتي تلقي بظلها على الأمكنة التي تدور تحته. فيلسوفنا يحيل فكرة الأشياء فوق الزمنية والأبدية الى الرياضيات ، الى خلق التعارض بينها وبين الأشياء ذات الإستمرارية ، والأعداد. مثلا : منضدتي تستمر الى الأبد لكنها باقية في الزمن وتخضع فيه للتغيرات. إلا أنه إذا كان عدد إثنين موجودا فهو موجود خارج الزمن وليس فيه. مرور الزمن لا يؤثر في هذا العدد. فجميع صفاته باقية والى الأبد. منهج أفلاطون محاولة لحل المعضلة الناتجة من كلمة ( الوجود) ، والوجود فهمه اليونانيون وفق مراتب مطلقة : أخذوا منذ فلسفة بارمينيديس بفكرة أن هنالك شيئا كائنا حقا وينبغي أن يكون دائما ومن دون تغير: ( الوجود قائم ، وليس هناك اللاوجود - بارمينيديس) ، أي لابد من أن يكون الأمر هكذا وإلا لكان هذا الوجود وجودا منتحلا - pseudo ومهددا بالتغير والزوال. وجاء الدورلأرسطو الذي كانت لديه بضعة مفاهيم عن الزمن كما نفهمه عموما. صحيح أن الزمن في الجوهر غير منته ، أما ( عدد الحركات ) فهي مجرد عاهة من عاهات الزمن. وحساب عدد أحوال ( الآن ) المدركة وفق مراتب مثل ( قبلها ) و( بعدها ) إنما تخلق بعدا ماديا للزمن حسب. لا يمكن التفكير بالزمن من دون إدراكه ، وهذا بدوره أمر غير ممكن من دون إدراك الحركة. ويقول أرسطو إن جزءا واحدا من الزمن قد مرّ ولاوجود له الآن في حين أن آخرسيكون لكنه غير موجود بعد. من هذه الأجزاء يتكون كل زمن سواء غير المنتهي أو كل واحد أخذ ناه لا على التعيين ، لكن قد يبدو بأن ما يتكون من الأجزاء غير الموجودة ليس بمقدوره الإسهام في الوجود. وهذا يعني أنه إذا أردنا أن نستثني من الزمن كل أجزائه غير الموجودة لايبقى هناك إلا اللحظة الراهنة وحتى هذه ليست كاملة ولأنها ها قد مرّت فورا....
أتذكر دائما كلمات القديس أوغسطين : ( أيّ شيء هو الزمن ؟ أنا أعرف الجواب إذا لم يسألني أحد. لكني لا أعرفه إذا أردت أن أجيب السائل ). تردده مفهوم : كان يعرف أنه ليس الزمن بالجاري بل تجري الأشياء فيه.
هناك توماس الإكويني الذي أخذ من أرسطو وأضاف أيضا. جاء بتعريف آخر للزمن : إنه وفق الزعم السائد موجود في التغيرات ، وشكلياً يوجد في العقل الذي هو وحده قادر على إدراك العلاقة بين ( قبل) و( بعد ). والزمن ليس باللانهائي لكنه موجود منذ لحظة خلق العالم ...
الحقيقة الوحيدة التي تطرق رأسي بلا أنقطاع ، هي أن ( غرقي ) في الوجود لايعني أمرا آخر غير الغرق في الزمن...
و في لحظات معينة كانت ( قبلها ) سجلت مثل هذه الأقوال :
- الزمن معلم كبير لكنه يقتل تلامذته. هكتور برليوز
- الزمن أفضل معلم لكنه لايملك دائما تلامذة نجباء. فرانسوا مورياك
- الزمن يعمل ما لم نلحق بعمله. مثل سويسري
- بكل نقود العالم لايمكن شراء الزمن. مثل صيني
- العالم لم ولن يملك نهاية. الحركة خالدة ، وكما الزمن الذي تقيسه ، ومفهوم الحاضريحوي مفهوم الماضي والمستقبل. أرسطو
- لن توفر الزمن إذا كنت تمضغ أثناء النوم وتنام أثناء الطعام. فولتير
- الزمن نحّات للبشرلا يعرف الرحمة. أوديساس أيليتس
- الزمن أب الحقيقة. فرانسوا رابيليه
- الحقيقة هي بنت الزمن دائما. ليوناردو دا فنتشي
- الكلمات تعود الى الزمن ، والصمت الى الأبدية. توماس كارليل
- باندهولم ، كانون أول 2009


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك