أدب فن: 16 - ضد اليوميات / 2009 16 - ضد اليوميات / 2009 ================================================================================ عدنان المبارك on 16/ 11/ 2009 كلما يزداد البعد عن العالم الخارجي تصبح الرؤية أكثر دقة ووضوحا بل وموضوعية. يبدو الأمر، لكن ظاهريا حسب، من المفارقات. إنه شبيه برؤية أحد مناظر الطبيعة من على مبعدة: كل شيء جميل في هذه الكتل والخطوط والهيئات الساحرة في رهافة ألوانها وتداخلاتها و تباعداتها إلخ، لكن كلما اقتربتُ منه شوّشت تفاصيل - وهي متزايدة بإستمرار - تلك الإنطباعات الحسّية المسّرة. وفي الأخير حين أقف وسط تلك الكتل والهيئات أكتشف التربة بوحلها وديدانها والنفايات التي تركها وراءهم مرتادو تلك البقعة من الطبيعة التي لا تعرف بنفسها الغاية من وجودها وتكبيل الإنسان بقوانينها ! أنا لا أضيف شيئا جديدا هنا ، فليس بالقليل عدد الفلاسفة و المفكرين والكتاب والفنانين أوالآخرين الذين يتميزون بسبرهم العميق لهذالامر وذاك : يحصل بكل بساطة إكتشاف لاغائية الحياة وبمعزل عن أماني الساعين الى تحسين أوضاع الإنسان في أثناء حياته الأرضية... الغريب هنا إن هذه اللاغائية تمضي سوية مع تأريخنا - تأريخ صعود وزوال الدول والإمبراطوريات. إنها دورية الزمن التأريخي التي شخّصها بتلك التحليلات المدهشة جيامباتسيتا فيكو G. Vico في كتابه الإنعطافي ( العلم الجديد Scienza Nouva ) من عام 1725 . فيكو أسهم في خلق التأريخية historism : التعامل مع العلوم الإنسية من خلال عمليات النشوء والتطور والفناء على خلفية العملية التاريخية العامة. مفهوم أنه أكد على وجود الله كعناية إلهية providence أي بالإقتراب من القديس أوغسطين ورسالته المعروفة ( عن الدولة الربانية ). إلا أن الفارق بين الإثنين تفرغ فيكو لفحص الآليات الداخلية للعملية التأريخية، بدءا بفحص اللغة: منحدر الكلمات والشعر والأساطير التاريخية خاصة. برأيه أن تاريخ البشرية مرّ بثلاث دورات corso : 1- عصر الآلهة الذي ساد الدين فيه، والقوانين فيه شديدة الصرامة في حين أن اللغة كانت صورية ( هيروغليفات ). 2- عصر الأبطال. وعاداته وتقاليده صارمة ، وفي اللغة يسيطر الشعر. 3- عصر البشر: الإنسان حقق كامل المعرفة الذاتية وصار يثق بقابلياته وظهرت اللغة النثرية وتدوين التأريخ historiography . في التطور التالي تحصل عودة الى الحالة القديمة ricorso ، ومن جديد تبدأ العملية التأريخية. ويعني تكرار الفترت الثلاث تكرارا لأدوات للمعرفة / التعرف. الأدوات هي الإيمان والمخيلة المتكشفة في الشعر ثم العقل. بهذه الصورة كان فيكو يقف على طرفي نقيض من الديكارتية ، بالطبع كان الجديد الذي جاء به هذا المفكر الإيطالي معاملة المخيلة كسلطة تعرفية. فالشعر عنده هو تعرف ميتافيزيقي وخزين للمعرفة - جيمس جويس تكلم أيضا عن فلسفة التأريخ الفيكوية في روايته الأخيرة " سهر فينيغان ". * صارت الضجة الكبرى الهجمات من إسلامية وغيرها على أوربا وصروحها المعروفة. الأوربي العادي ، التقليدي ، يزداد غيظه عند تصوّره الأمر وكأنه إقتحام يقوم به كاليبان ، ذاك الوحش الشكسبيري ، لبيته الذي بناه بمثل هذا الدأب والمثابرة والعقلانية عبر قرون طويلة ، وها أن هذا البربري يهشم بهراوته تلك الأواني الثمينة ويدنس محرابه البيتي بل يريد أن يستعبد عقله وطقوسه اليومية. أكيد أن في الأمر سوء فهم وكالعادة من الصنف المقصود. فهذه القارة ، أو بالأحرى شبه القارة ، فالقارة هنا آسيوية - أوربية ، هي جزء من العالم يعلن عن أنه لايريد تسويرنفسه عن بقيته وعزلها ، وما كتبٌ مثل ( الجهاد وعالم مكدونالد ) لبنجامين باربير أو ( صدام الحضارات ) لصموئيل هنتنغن إلا إطلاق أنذارات زائفة. قبل كل شيء متى كانت أوربا تلك السيدة المصون التي سوّرت نفسها جيدا ولم تقم برحلاتها الرجيمة والطويلة الأمد هنا وهناك وراء ذلك السور ( قائمة الذنوب طويلة جدا في كلى العالمين - القديم والجديد). معرفتي السوسيولوجية متواضعة لكن هذا لايعني بأني أريد تبرير كل المساويء الراهنة على خط الأوربي - غير الأوربي في هذه القارة. عموما يكون من الأفضل للطرفين إستثناء الإثارات الإعلامية التي صارمن السهل في عالم اليوم تحويلها الى دعوات حربية. إن هذه الرؤى الكارثية عن صدام محتوم بين حضارات متعادية فيما بينها لم تولد بالصدفة . أكيد أن فيها أوهاما جاءت بها تلك العبادة المهووسة للعلم ، و ليس حقائق خرجت من واقع كونكريتي رغم أن ما حصل في ذلك الحادي عشر من أيلول ليس إلا فصلا من حرب أهلية على صعيد ( قريتنا الألكترونية المعولمة ) أو بالأحرى ( أدغالنا الألكترونية المعولمة ) على حد تعبير أحد كتاب هذه القارة. إنها حرب أهلية ليس طرفاها حضارات أو رؤى شمولية تخص العالم ، بل قتال ناشب بين الأسواق والمصالح التي تؤجج أحوال التطرف وتفتعل الضجيج حول المحاسبات والذنوب والقصاصات و لهواجس والتوترات الديموغرافية إلخ. فوسائل ( الإعلام ؟) الجمعي - وهي تذكرني هنا بتلك المهنة الأقدم - لهذا الطرف من الحرب الأهلية يرفع وثائق إتهام ، والطرف الثاني يدافع بكل إصرار دبلوماسي وغيره عن ديمومة عقد ته ، عقدة التفوق. قرأت عند أدموند هوسيرل عن ذلك الزمن حين كان ممكنا حشر أوربا كلها ، أوربا المستقبل آنذاك ، في بستان أكاديموس - البطل من أتيكا الذي أخبر الديوسكويون أين سجنَ تيسيوس شقيقتهم هيلين. وسكان أثينا قدّسوا هذا المكان بغرس بستان جميل على نهر كيفيسوس. ومن كلمة أكاديموس تنحدر كلمة أكاديميا ، وفي البستان الذي يوجد فيه قبر هذا البطل الأسطوري أنشأ أفلاطون أكاديميته الشهيرة. وهوسيرل محق. فأوربا كانت ذلك البستان ، أي أوربا الباحثة عن الحقيقة ، وذات التنبؤ بأن الحقيقة يمكن فحصها وأن هذا الفحص يمكن تجربته وتعلمه وأن يشارك الآخرون فيه. هكذا فعل سقراط وبعده أكاديميا أفلاطون وحديقة أبيقور وأروقة تلامذة أرسطو، وهذه كلها أعطت البداية لطرز الحياة الأوربية ، لسبل التفكير. إلا أن ( محورالزمن Achsenzeit ) الهوسيرلي دار كي يجذب إليه أيضا الشرق الأوسط وإيران والهند والصين. بعدها ببضعة قرون جاءت المسيحية كي تلعب دورا مخالفا في الأساس ، ومن بين الأسباب هنا هوية هذا الدين : كان وافدا إلا أن جواز مروره كانت الشمولية : جوهره كان يعني رسالة غرضها ، شأن كل رسالة ، خلاص العالم ، وهذه المرة ، بعمل الخير والأخذ بثقافة المشاعر وليس التفكير. ولهذا السبب كانت العلاقات بين أثينا ، وبعدها روما ، ومركز الديانة الجديدة - أورشليم ، متباينة ، في صعود وهبوط ( في عام 529 صفى الأمبراطور جوستينيان أكاديمية أفلاطون ، أي بعد قيامها بألف سنة...). إلا أن جين العقلانية اليوناني القديم نشر مفعوله، وها أن أوربا إبتكرت ثنائية السلطة - دينية وعلمانية. وبين السلطتين تأسس مكان لذلك الكائن الخارج من رحم طبيعي وغير طبيعي : المثقف المستقل ( الإسم بالفرنسية كليرك clerc ومنحدره من اللاتينية المتأخرة : cloricus ، والأصل يوناني : klerikos وهو لا يحمل أبدا ذلك المدلول الديني الشائع ) الذي كان يجوب الأديرة بحثا عن المعرفة ولم يرد الإلتزام بمساعي أي طرف. كانت تكفيه قضاياه ومشاكله. لم يكن فنانا بل صديقه ، كان حريصا ، كما اليوم ، على ذلك البون. من المفارقات الأوربية هناك هاجس ( في إنتظار البرابرة ). ومنذ أولى قرون المسيحية. مثلا في مطلع القرن الخامس كان هناك قانون ثيودوسيوس الثاني ، البيزنطي الذي حرم لبس البناطيل وإطلاق الشعر الطويل ، ولأن هذه عادات جرمانية ، والجرمان برابرة. بعدها قدم برابرة جدد قاموا بأسلمة الشرق. معلوم أن مركز الثقافة في العالم آنذاك كانت توليدو العربية وفيها تلقى الدروس مجددو حضارة أوربا ، وفي مقدمتهم البابا سلفستر الثاني الذي جاء لهم بالأرقام العربية ، وهناك بدأ الحساب وترجمة أرسطو رغم أن تأثير الفن الإسلامي لم يكن بالحاسم ، وليس كما حصل في القرن التاسع حين إكتشفت أوربا فنون اليابان والهند وجاء الإنسحار بزرادشت ، وعموما ُكتِب البقاء ل( محور الزمن ) الهوسيرلي لألفين وخمسمائة سنة. هناك هروب غوغان والإنسحار بالفنون الأفريقية المصاغة بتلك التكعيبية . وفي واقع الحال طال إنتظار البرابرة الحقيقيين. ومتاريس طلبة آيار الباريسية زادت من البعد عن أشباح البرابرة المفترضين. والآن ماذا ؟ صرنا مواطني العولمة بموجتها الصاعدة والتي لاتعني اليوم أن أوربا تفرض على العالم حضارتها بل ها أن عالم ما بعد الكولونيالية يخلق للغرب المشكلة الكبرى لكنها لا تعني أبدا أنه حان زمن المواجهة والصدام الذي يراد له أن يكون بعثا لهاجس أوزفالد شبنغلر عن الخطر القادم من الشرق... طيب ، عليّ العودة الى موضوع ذلك البون القائم بيني والعالم والأخذ بمثال الكليرك مرة أخرى. ثمة صنفان للمثقفين/ الكليركيين. الأول يسمى بالمثقفين الملتزمين ( نخبة العمل المباشر ) والثاني هو أولئك الكليركيون الحقيقيون ( نخبة المعرفة والتعرف ). الأول يدخل طرفا في العراك السياسي الراهن بإسم التقدم ومخطط تحرير الجماهير الشعبية ، كما هناك ذلك الوعي بأن للملتزمين رسالة القيادة - أن يقودوا ، أن يكونوا في الخط الأول من القتال. أماالفئة الثانية فلها برنامجها اللاإلتزامي ، لها فكرها البارد، وموضوعيتها ثم هناك ذلك البون القائم بينها والتوصيف المبسَّط للواقع الإجتماعي. في الحقيقة يكون الكليركيون ملتزمين أيضا ، وليس بالصحيح أن لاشيء يعنيهم. فالبوصلة هنا هي حقيقة أني غير قادر على رؤية العالم من الأفق الداخلي لأحدهم. ومن ناحية هناك مشاكل العالم ومعاناته وعذاباته وسفالاته ، وهذه كلها أكثر من كثيرة. ومن ناحية أخرى يفلت الواقع المعاصر من الخضوع لمساطر وتقسيمات مبسّطة وطوطمية. وغالبما يخال إلي أن هناك هاجسا ثابتا لدى مثقفينا في أنهم لم يصقلوا تماما لغتهم الإلتزامية. الهاجس الآخر هو أنهم حين يبصرون الواقع كما هو يكون عليهم مراجعة هذا الخط أو ذاك من إلتزاميتهم. لا أبتعد عن الصواب إذا قلت بأنهم يدورون في حلقة مفرغة ، وكل محاولة للخروج منها لاتعني إلا ( الخيانة ). وفي الأخير فكل حل نهائي لكل مشكلة إجتماعية أو سياسية يعني في المحصلة خيبة أمل للمثقف الإ لتزامي الذي بحكم قناعاته يفضل المزاج القتالي... باندهولم - تشرين الثاني 2009