أدب فن: (الخريــف)... الذي (الخريــف)... الذي ================================================================================ هادي ياسين on 25/ 10/ 2009 كمعظم الرسامين، في بداياتهم، كان رسم المناظر الطبيعية أكثر ما يســــتهويني. ومن بينها، كانت مناظر (الخريف) هي الأثيرة لدي. وغالباً ما كان منظر الغروب عندي ( كفصل من فصول النهار ) رديفاً للخريف ( كفصل من فصول السنة ) . لذلك فأن معظم الرسومات التي كنت أشارك بها، من خلال المعارض المدرسية ، تتوزع بين ( الغـــروب ) و ( الخـــريــف ) . وأحسب أن هذين الفصلين قد تشابكا ، فيما بعد ، مع كتاباتي الشعرية والنثرية ، وتركا ظـلاً كثيفاً عليها ، منذ بداياتي الأدبية .. وحتى اليوم . وأعتقد أن المرء لا يخطىء كثيراً حين يقرن الغروب أو الخريف بفصل ما قبل نهاية المطاف ، أو المرحلة ، أو المشهد ، أو ... العمر . بل لا يخطىء حين يقرن فصول النهار أو فصول السنة برحلة حياة الإنسان أو حيوات الكائنات . وأحسب أن الغروب ، كفصل من اليوم ، والخريف ، كفصل من السنة ، هما الفصلان الأكثر إيثاراً لدى الإنســـــان المتأمل والمفكر والمبدع الخلاق . صحيح أن ثمة اختلافات في هذا الموضوع ، من جهة : النظر والرؤية والرؤيا والتفسير والتفكير ولتأمل، حسب الإنسان ووعيه وظرفه الزماني المكاني ، إلا أن المشـــهد واحد ، والنتيجة واحدة : الخريف هو مرحلة النضج النهائي ، وهو مرحلة ما قبل النهاية للولوج إلى الشتــــاء ، أو إلى ... السبات الأبدي . على أن اُمـّـنا ( الطبيعة ) تذكـّـرنا ـ دائماً ـ بهذه الحكمة . وهي ماضية في التذكير مــنذ الأزل إلى الأبد . . ونحن نمر بأعمارنا في جنباتها . فيما القليل القليل جداً منا من يدركها ، والكثير الكثير الكثير جداً من هو غافل ، بل ويصر على إيثار الغفلة حتى تدركه لحظة النهاية الأبدية، وهنا يتذكر المرء العبارة الحكيمة التي تقول: ( الناس نيام ، حتى إذا ما ماتوا انتبهوا ) . ********* في ( الشرق )، تعودنا ـ من خلال كتبنا المدرسية على معرفة أن فصول السنة هي أربعة : الصيف ، الربيع ، الخريف ، الشتاء . ولكننا ، في الشرق إياه ، ما تعودنا إلا على عيش فصلين إثنين فقط في السنة ، هما : الصيف والشتاء . أما الربيع والخريف فيعبران كطيف ، ولا تبقى منهما غير ذكرى مرورهما العابر. هذا إنْ مرّا . فحياتنا في ( الشرق ) فصلان سنويان : صيف يلهب الأعصاب والخواطر وما يتبعهما أو ما ينتج عنهما ، وشتاء يدفعنا إلى السـبات بلا ذخيرة ولا مؤونة روحية أو نفسية . وفي النتيجة : فأن حياتنا هي إنتقالات سريعة ، واشتباكات متسارعة ، واضطرابات روحية ونتائج قلقة لا يخرج عليها إلا القلة القليلة جداً منا، لتتأمل وتفكر وتبدع باسترخاء رسوخ . ولكن هذه القلة تظل مسكونة ، دائماً ، بهاجس أن هذا ( الشرق ) ليس مكانها وأنها قــــد ظـُـلمت حين ولدت فيه . فحياتنا في الشــرق ، هي صيف لاهــب يمثل فورانَ وجودنا .. وشـــتاء يعــلــن إنطــفــاءات وخســـارات وخيبات .. هي جل أرصدتنا . في حين غاب عنا زمان الزهـــو والإبتهاج بالحـــياة : (الربيع) ، مثلما غاب زمان التأمل والتفكر والتقدير والتهيؤ للرحيل : ( الخريف ) . عليه فأن حياة الإنسان في الشرق هي قفزتا ( كنغر ) ، قفزتان فقط : واحدة الى الحياة فقط ، وواحدة إلى الموت فقط، من دون أن يتوسطهما فعل صحيح ومعنى عميق وتأمل جاد في دلالة وفلســــــفة ( الحياة ) و ( الموت ) . وكأننا نولد في الشرق من أجل أن نموت.. فقط . ليس لي أن أزعم بأنني قد استبقت عمري ، حين أخترت ـ منذ بداياتي ـ مرحـــــلة الحكــــــمة ( الخريف ) ، كموضوع أثير لدي في الرسم ( حتى و أنا أشتغل الآن في التجريد ) أو في كتاباتي الشعرية والنثرية ( حتى في حداثتي ) ، فليس في ما أنجزت ما يبيح لي الزعم . ولكني لابد أن أصر على أنني ـ في كل حال ـ كنت وما زلت وفياً أميناً لموضوعي الأثير، وبدافع لا إرادي .. يكاد أن يكون غريزياً . ********* هنا في ( كندا ) ، حيث أعيش ، صار لدي حس غريزي تجاه المتغيرات اليومية في فصول الطبيعة. هنا ، حيث تمثل ( كندا ) النموذج الأمثل لمعايشة فصول السنة الأربعة حقاً ، يجد الإنسان (المعنيُّ بالطبيعة وبالانسان وبالإبداع ) فرصته في المراقبة والتأمل وتسجيل ملاحظاته الروحية والتفكر في ثنايا الحياة وفي منحنياتها وانحداراتها وارتفاعاتها وهضابها . أول ما وصلتُ إلى ( كندا ) ، كان الوقت غروباً ، وكان يوماً من أواخـــر شهر كانـــون الثاني (يناير) ، حيث يبلغ الشــــــتاء أقصى درجات سطوته. وأول ( منظر) سطا على ناظــــري هو منظر الـــــثلج الذي يلف بردائـــــــــــه الأبـــــيض كل شــــــىء . صحــــــــيح أنني سعــــــيت إلى (تثـــــــــقيف) نفـــــــــــسي بمعــــــــــــــــــلومات عـــــــن البــــــــــــــــــلاد التي سأهــــاجــر إليها ، ولكنني اكتشفت جهلي بها ، بمجرد أن حللت فيها... كنت ملتحفاً بمعطف أسود ثقيل ، ولكنني لم أتحسب لما ينبغي أن أحتذيه، إذ جئتها محتذياً حذاء خفيفاً ، بنعله الصقيل . حتى أنني ما أن نزلت من السيارة التي أقلتنا من المطار ووضعت قدمي على الأرض الثلجية ـ التي كنت غافلاً عن طبيعتها ـ حتى انزلقت بالكامل وارتطم جسدي كله بالأرض ( ربما ، في إشارة إلى التحــول فــي حياتي ) فقلت في نفسي: أن في ذلك تعبيراً عن الصدمة ( صدمة الطبيعة.. أ و صدمة الحضارة ) . الأيام والشهور مرت ، ومرت الفصول . لكن بقدر ما كان ( الربيع ) بهيجاً ، فردوسياً ، وأخاذاً في تفتح الحياة من خلال البشر والشجر والطير والحيوانات والأشياء ، إلا أن ( الخريف ) كان ساحراً ، حقاً ، في لفت العين والفكر والروح إلى تحولاته . الخريف هو وحده الساحر الذي يريك ما لا تتوقــــــع من تحولات الطبيـــــعة والإنســـان ، ويهذب حســــاسـية العــين تجاه الألوان و الأشياء.. هنا. فالشجرة، التي تتأملها اليوم ، عليك أن تتحسب أنك ستراها بثياب شبه مختلفة بعد أسبوع ، فقد تكون مختلفة اللون في مكان ما من ثوبها الورقي، إنْ لم يكن في الثوب كله . هذا عدا لون جذعها بطيء التحول . وما نقوله عن الأشجار ، أو نصفه بها ، على أنها ( كائنات ) إنما هو صحيح جداً . ولكني ـ من كثر ما أتأملها وأراقبها أصورها ـ يتولد لدي ، دائماً ، سؤال حولها : فيما إذا ما كانت الشجرة ( إنساناً جامداً ) أم لا ؟! و عليه فأن لدي إحساساً بأن الأشجار ـ وهي مستقرة ثابتة ـ تراقبنا برويـّـة، ونحن نمر بها أو نمرق من أمامها .. إنْ لم أقل إنها تتأملنا . كل شىء، هو مثار مراقبة وتفكير وتأمل الإنسان ( الكائن الأعظم ـ أو هكــــذا يزعم ) . ولكن من أين لهذا ( الكائن ) الحق في أن يغـمط حق الكائــــنات الأخرى في ما هو يفعل: الشجر ، الطـــــير، الحـيوان .... ؟ . غــير أني أولــي إهتمامي ـ هنا ـ بالشــجر، وتهمني تحديداً تحــولات ( الخريف ) من خلال التنويع والإيقاع اللوني الذي يحدث على الأشجار... وقــــد وجدت نفسي أمام تجربة للفنان الفرنسي الإنطباعي الشهير ( كلود مونيه ) الذي كان يرســـــــم التحولات عشرات المرات ، كما هو حاله مع كاتدرائية ( روان ) ، مثلاً ، أو بناية البرلــمان فــــي لندن، أو تلك الأماكن التي راح يرسمها عن ظهر قلب ، كما هو الحال مع مدينة البندقية ، أو ما دأب عليه من رسم الزنابق المائية وشجيرات الصفصاف والنرجس والنباتات الأخرى المحيطة ببركة حديقته. فآثرت أن أحمل الكاميرا معي دائماً ، أينما ذهبت ، لتصوير ما أكتشف من تحولات يومية علـــى الأشجار، أثناء نزهاتي اليومية مشياً، أو تجولي بدراجتي الهوائية، أو في سيارتي . فرحت ألتقط مئات الصور، يومياً ، بهوس بات يتغلغل في كل ساعات النهار لدي، ثم يدفعني في الليل إلى التأمل في ما صورت من أشجار، بعد أن أكون قد شاهدت الصور وأمعنت في قراءتها على شاشة الكومبيوتر . لا شىء يعيقني . فلدي كاميرا لا تحتاج إلى فيلم . إ نها تخزن ما أصوره ، والكومبيوتر هو الذي يتولى كل المهام حتى تبرز الصورة على الشاشة ، حيث أتولى بعد ذلك ، بيسر، تكبيرها أو تصغيرها أو حذف الشوائب منها ، ومن ثم حفظ مئات الصور على الأقراص. على أن النقطة الأساسية والجوهرية ، في كل هذا ، تتمثل في تفعـــــيل حساسيتي ، وخبرتي ، عبر مشاهــداتي وأقتناصي لما يستحق التصوير وكذلك الزاوية التي ينبغي أن أكون فيها ، أو تكون فيها الكاميرا . ********* يبدأ الخريف هنا ، في كندا ، بتصلب أوراق الأشجار أولاً . هذا التصلب يقترن بعتمة تعتلي الإخضرار الذي كان ، من قبلُ ، فاتحَ اللون . و مع العتمة و التصلب ، تعتلي أوراقَ بعض الأشجار بقعٌ سوداء ، تكون أحياناً محاطة بحواف بيضاء ، أو بيضاء مائلة إلى الإصفرار . و عادة ما تكون الأوراق التي من هذا النوع مرتبطة بأغصان خشنة ، غالباً ما تكون صلبة ، ذات تعرجات ، حتى لتبدو وكأنها ذات دمامل ، أو يكون لونها قاتماً ميالاً إلى السواد . على أن الأوراق الرقيقة ، التي تتحول ألوانها بسرعة ، إنما هي تلك التي تنتمي إلى الأشجار ذات الأغصان الطويلة الرشيقة و التي غالباً ما تكون ألوانها فاتحة و يميل بعضها إلى البياض حتى و إنْ كانت ذات تعرجات و دمامل . و عادة ما تكون هذه الأشجار هي أول من تظهر عليها امارات الخريف . في مدينة ( كيتشنر ) التي أعيش فيها ، ذات الأشجار الكثيفة و المتــــــــنزهات و الحدائق الكثيرة والغابات ، تمتلىء عين المرء بثراء اللون و تنوعه في الربيع ، ولكنه لا يتحسس أشكال الأشجار و جمالياتها ( من كثرة توفرها ) إلا في فصل ( الخريف ) ، حيث تبدأ التحولات ، و يبدأ الفصل بالكشـف عن خزائن الألوان التي ينطوي عليها الشجر : من الأخضر ، إلى البنفسجي القاتم ، إلى الأحمر ، فالقاني ، فالزهري ، إلى البرتقالي ، إلى الأصفر ، فالأصفر المبيض ..... حتى يسقط الورق جميعاً على الأرض ، فتبدأ مرحلة أخرى من تحولات اللون لدى هذا الورق الذي فقد صلته بالشجر . ولكن ـ هذه المرة ـ في ظل تدرجـــات من ألوان معـتمة ، غالباً ما تنتهي إلى الســــواد . و تتمثل هذه المرحلة بتراكم الورق تحت الشجر ، لتكنسه الريح الخفيفة ، شيئاً فشيئاً ، نحو حواف الأرصفة أو أطراف الطرقات . و إذاك ، يتحول إلى ما يشبه التبغ الخشن ، المهمل و المتروك ، غير أنه دائماً يوجد ثمة من يرفعه ، أما المتروك منه فسينتظر حتى ينزل عليه رذاذ المطر ليتحول إلى نفاية سوداء ذابلة .. تذوب مع الأيام . ********* الأغصان الجرداء هي إعلان صريح بنهاية فصل ( الخريف ) و ببداية فصل ( الشتاء ) ، و في بلد مثل كندا يبدأ الشتاء بإرسال رسائله مبكراً ، من خلل الخريف ، حتى و إنْ كان الخريف لم يعلن عن نفسه كاملاً . ففي فترة الرسائل هذه ، تبدأ خيانات مناخية بالإعلان عن نفسها و هي تربك الناس و الكائنات ، فلا يمكن معرفة طبيعة المناخ الذي يتقلب ، أحياناً ، عدة مرات في اليوم الواحد : بين النسائم المنعشة و اللفحات الساخنة ، في مزاج يشبه مزاج النساء ، بل حتى أن المطر نفسه ليجد لذة في خرق المواعيد ، حين يبدأ بالتحرش ، و هو يبلل الشوارع و الأماكن برذاذه ـ على غير موعد ، و بصورة مفاجئة ـ و أحياناً بهطوله الكثيف المربـِـك . حين تتعرى الأشجار من أوراقها ، تمامــــاً ، و تعلن الأغصـــــان عن أنها ( تجريد ) ، يكــــون ( الخريف ) قد ركب عربته النحيلة الشاحبة ... و راح . .. إذذاك ، يكون الشتاء قد أكمل حلوله ، محذراً جميع الكائنات ( و في مقدمتها الإنسان ) أن تتحسب لسيادته . و بقدر ما تذكرني تحولات ( الخريـــف ) بنتائج الرسم لدى ( مونيـــه ) ، فإن الشتاء لـَـيـُحيـلـُـني ، حالاً ، إلى ( بيتْ موندريان ) الذي جرد الشجرة من كثافتها ليحيلها إلى أغصان عارية ، ثم ليدخلها في تحولات أنتهــــت به إلى ( التجريــــد ) الهندسي في الفن . و بين تجربته و تجربة ( مونيه ) تشخص تجربــة ( فاسيلي كاندنسكي ) الذي خبط كل ( الفصـــول ) و كل اتجاهات الرسم ... في ( تجريد ) روحي . ********* كلما تمعـّـنتُ في الخريف ، تراء َتْ أمامي غابة من المبدعين الخلاقين : موسيقيين و شعراء و رسامين و روائيين و نحاتين و مفكرين و فلاسفة .. صناع الفكر و صاغة جـَـماله .. القناديل في ليل العالم .. أولئك الذين ينز الدمع من عيوننا كلما تذكرناهم .. الذين تمور في نفوسهم الحكمة ، و يقودهم العقل الحزين .. الحزين من أجل المصير.. المصير الذي نحن نيام عنه ، و الذي ( فقط ) إذا ما مُـتنا ..... إنتبهنا إليه .