15 – ضد اليوميات 2009
عدنان المبارك
كل يوم أفكر بلا إيمان ، وهو صلب بما فيه الكفاية ، بأقانيم وطقوس ما يسمى بالثوابت والفرضيات التي تحولت ، وفي معظم الأحيان لايعرف كيف ولماذا ، الى بديهيات ومسلمات تسود الحياة عامة والفن في منطقة الثقافة العربية خاصة. طبيعي أني لا أتبرأ من تواريخ معينة لما إتفقوا على تسميته ب( الجنون ) ، أي الآلية الكبرى للفن ، بدءا بعمالقته من قديم الأزمنة عبر شهدائه العرب والشرق أوسطيين الآخرين وغيرهم وإنتهاءا بالأزمنة الحديثة التي جاءت بنوعيات جديدة ، أصيلة ، لهذه الظاهرة البشرية التي يراد لها أن تكون حكرا على العلم / الطب وحده . كما أجدني على إتفاق تام مع تلك الحكمة التي أطلقها فرانسوا دي لا روشيفوكو في أن منح المعنى للحياة قد يقود الى الجنون إلا أن الحياة الفارغة من المعنى هي محض تعذيب للقلق والرغبات الخاوية ، هي قارب يريد البحر ويخافه في الوقت نفسه. وأنا لا أدعي بأني لا أخاف البحر لكن ها أني في عرضه ! أهو جنون ؟ نعم ، فأنا على إقتناع تام بحكمة هنري ميشو : من يستر جنونه يموت أخرس. ومرة أخرى روشيفوكو : من يحيا من دون جنون يكون عاقلا الى درجة أقل مما يدعي.وليس في منطقتنا العربية وحدها يكون الإنسان مدفوعا بسبب سوء معظم الأحوال صوب هذه المتاهة وتلك ، صوب أكثر من هاوية. نيتشه يفيدنا هنا بنصيحة عملية للغاية كي نفك طوق مثل هذا الحصار: ( هناك خياريان : أما الضحك وإما الجنون لكن زمننا الباهر يوفرلنا الإمكانية الثالثة : أن نرقص ). في الحقيقة أنا أعرف الرقص رغم أني لست من الماهرين فيه. بعبارة أخرى : المعرفة أولا ثم المهارة. مارسيل بروست يفيدنا بأن على الجميع أن يبقوا لديهم بضع حالات جنون صغيرة إذا أرادوا أن يكون الواقع ممكنا حمله. إلا أن كل ذلك لابد من أن يكون تلقيه ذاتيا / فرديا وليس نمطيا. واضح أن الواقع الخارجي غريب ، في الجوهر ، على الذات ومفترس ، ومن هنا فزع الكاتب / الفنان من خلق معادلة معقولة بينه والآخر الذاتي / الداخلي. في معظم الأحوال يكون الموجود محض معادلات يرسمها الخوف من أن تأتي الفنان تهمة ( الشذوذ ) والغرق في ( الفن للفن ) أو في هواجس العدم ولامعنى كل شيء ، أو التشبه بالقردة الثلاثة التي لا ترى ولا تسمع ولا تنطق. هناك أيضا ذلك الخوف الغرزي من مجتمع الأكثرية و( حرامها ) و( عيبها ). وكل هذا يكشف عن جبن رغم أن واجهة الفنان توميء الى كل الفضائل وعلى رأسها الإقدام الزائف وتلك المواجهة العنيدة المزعومة للواقع الخارجي. وبالمناسبة صدق من قال إن الجنون هو سلطة الأكثرية ...
المفروض ، والمتوقع أيضا ، أن يكون كتاب العربية أول من سلم من البارانويا الإجتماعية وهذا التخلف الروحي خاصة. لكن ماذا يحصل ؟ بدل ذلك تأتي مناورة التسامح بل التمجيد. وعدد الأمثلة هنا يثير الفزع حقا ، بل يبدو كتابنا كأن رؤوسهم قد نقعت بحكمة تشارلز ديكنزعن أن الحياة هي إنتقال من جنون الى آخر! لكن علينا أن نستدرك هنا ونضع كلمة الجنون هذه بين قوسين. فجنونهم ليسوا ذاك الحقيقي والمقدس بل بالمعنى الشارعي للجنون. لاأظن بأني أبالغ حين أستشهد في معرض الدفاع عن النفس و( الهجوم ) على الأكثرية ، بحكمة الآخرين الذين أدركوا العبث كله في الأخذ الخنوع بأصول اللعبتين البشرية والربانية. أستدرك مرة أخرى : ليس قصدي إفتعال مواجهة بين الوعي المباشر ( البرغسوني ) واللاوعي ، أو بين الجنون الذي نعته بالمقدس ، وبين العقل أو بين هذا واللاعقل وفق تخريجات ميشيل فوكو ، بل القصد إستثناء كل الخرافات التي ألصقت بكل الظواهر بدءا بالإنسان ، عبر مجتمعه ، وأنتهاء بربّه. أوليست هي خرافة حمقاء حين يجد الإنسان المتعة في جهله ولايرى الجنون في إيمانه الموهوم بأنه صارحكيما. ثمة تعريف جاء به الطرفان اللذان يتظاهران حسب بالبغضاء : العلم والكتب المقدسة ، وهو أن أعراض الجنون هي قبل كل شيء في السلوك المناقض للعقل السليم. ولذلك يحكم على الجنون سلبا. وفي الأدب قد تكون الرومانسية الإستثناء الوحيد أي السلطة البديلة حين جوبه العقل آنذاك بسلطة التعرف والحكم على الواقع ( هذه السلطة غالبما ما أسموها بسلطة القلب ). وبهذه الصورة إكتسب الجنون أهمية أخرى : التجاوز بإتجاه الواقع الروحي أو التجارب الغيبية. وتكاثرت التعاريف والتواصيف المكرسة للجنون الذي لا يعني البتة أفعالا في حقل معين كأن يكون الشارع أو البيت أو المؤسسة سواء أكانت رسمية أوغيرها. فالجنون قد يخدم تلك الأفكار التي تؤمن بها الأكثرية أوالنماذج السلوكية أو الأعراف الإجتماعية. وقد يكون الجنون عقابا كما حصل لمكبث أو راسكولنكوف. عموما يعني الجنون في الأدب نوعا من اللانظام / إنهيار النظام سواء أكان تاما أو جزئيا ، أو قد يعني تبشيرا بنظام جديد في التأريخ أو إنعطافا أخلاقيا في العقول. المؤكد هنا أن الجنون ينشّط الأدب ويمنحه تلك الدينامية ، ديناميته الخاصة. والأكيد أنه ، كما يقال ، محض رؤيا لتهشم العالم المقدَّم/ المطروح على الورق ، رؤيا للقيم الشخصانية التي عليها أن تورد في الخطاب كما قد يكون نذيرا / بشيرا بالهزيمة أو الأمل بالمعنى الشائع أي الساذج ، إلا أن السحرالدائم للجنون بل سموّه هو في بنيته التي تجسد ذلك التحدي الذي يطلقه بوجه ( الوضع الطبيعي ) والنظام. ومعلوم أن مثل هذه البنية هي خير من يكشف عدمية العالم ويدفع الى حسم الإختيار بين عالم مترهل لكنه معروف وبين رفضه وحمل قناع المجنون والذي يعني السماح بحرية من طراز خاص. وما يميز مجنون الأدب أنه يترك وراءه السنن الثقافية من خلال تفاسير أخرى للقيم الأخلاقية وما ينتج عنها من إلتزامات في هذا الحقل الإجتماعي وذاك ، بل أجرؤ على القول بأن الجنون يفتح أكثر من بوابة أمام الإنسان كي يعثرعلى آفاق تعرفية وأخلاقية وإجتماعية. واضح أن المقصود بالجنون مواقف وأفعال تهدف التعرية ، تعرية الإنسان من أوهامه وأقنعته وأدواره البائسة وخداعه للنفس والآخرين ، من جهله المفزع بأنه محض ذرة متناهية في الصغر ليست هي موضع إنتباه أي جهة في هذا العالم الذي لم يكشف لغاية الآن عن أيّ سرّ من أسراره ( مكتشفات العلم هي صيغة أخرى لضرب أخماس بأسداس ). أنا لست بحاجة الى معايير بالغة الدقة كي أميّز أدب السطح والذي يقرع صفا طويلا من الطبول المثقوبة ، طبول الوطنية والقومية والعداء لهذا وذاك وهؤلاء وأولئك وتدوين مافعله شعيط ومعيط والى آخرالمنفلوطيات المنقولة بوسائل بدائية الى قرننا هذا ( إذا توفر لديكم قدر معقول من الصبر أذهبوا الى الصحافة والإنترنت بل الى نتاجات المطابع ، فمعظمها لا يتكلم إلا نادرا جدا عن مآزق الإنسان وأكاذيب السماء ) ، بالطبع كلنا مجانين ومن يعرف منا تحليل أحلامه أو أوهامه يصبح من الفلاسفة. هكذا قال أمبروز بييرس الكاتب الأميركي الذي لم ينصفه أحد غير قلة أوكتافيو باث ، وبقي في ظل النجوميين. والآن لم المغالطة وإخفاء الرأس في الرمل ، أو لم يكن محقا هنري مينكن حين وجد أن كل إنسان ( طبيعي / عاقل ) تمتلكه الرغبة من حين الى آخر ، في أن يبصق في راحتي يديه و يفركهما ثم يرفع علما أسود على الصارية وقبل أن يحزّ عنقه. ومرة سمعت ُ، في الشارع ، من يقول : الله يحب المجانين ولذا خلقهم بهذه الكثرة... كما أود أن أنبّه كتابنا الذين أخشى حقا أن تنفجر قلوبهم ومعها عقولهم من كثرة التحديق في الواقع المألوف والأليف ، الى بضع حكم قد يكون لها مفعولا إيجابيا. مثلا قال ميشيل دي مونتين : ( للعقل مطالباته ، وحاجته الى الجنون ليست أقل من حاجته الى الإعتدال ) ، أو خذوا قول ريمون ديفو الذ ي رحل عنا قبل ثلاث سنوات : ( كي لا نجنّ علينا و ليس لمرة واحدة أن نتظاهر بأننا مجانين ). وفي الأخير لم نفتش بعيدا ، يكفي النظر الى تأريخ العالم ، أليس هو تحصيل حاصل أمراض عقلية وأحوال جنون ؟... كما أرغب أن أردد ، وبكل تواضع ، وراء أميل سيوران : الناس ينقسمون الى مرتبتين : الباحثين عن معنى الحياة والذين لم يعثروا عليه ، والآخرين الذين عثرواعليه من دون بحث. بالمناسبة لننظر الى هاملت : كان جنونه مشكوكا به. كل ما في الأمر أن سرّ موت أبيه كان يعذبه ، ومن هنا غرقه في مشاكله الخاصة وردوده الغربية على أسئلة الآخرين، بالأحرى كانت كل الردود مونولوغا الغرض منه أن يوضح لنفسه كيف هو العالم لكن بالإنفصال عنه أي الصفة الجوهرية للجنون. وقد يكون هاملت قد قفز بضعة قرون كي يلوذ بالرومانسية حيث الحساسية المفرطة التي تحول دون التكيف للعالم ، وحسنا فعل ، فالتعرف على جوهر العالم وقوانينه يعني صيرورة العالم شيئا لا يمكن قبوله. بعبارة أخرى يكون المجنون من يملك معرفة من النوع الصعب عن الوضع البشري. وهنا الفارق بينه أي المطابق لذاته والآخرالذي يتظاهر بأنه آخر يختلف تماما عن ذاته...
قد يكون ما جاء أعلاه محاولة ناجحة لفتح أحد صناديق الطلاسم والتي وقع الكثيرون في وهم أنهم فتحوها من زمان ...
باندهولم - تشرين أول / أكتوبر 2009


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك