الرئيسية »  الـنـثـــر»  يوميات»  14 – ضد اليوميات 2009

14 – ضد اليوميات 2009

عدد مرات المشاهدة :706 - 09/ 10/ 2009

عدنان المبارك

14 – ضد اليوميات  2009

  

تجذبني دائما الكتابة القصصية التي تتناول شتى المظاهر والإفتراضات المتعلقة بمستويات الواقع. لايعني هذا تجاهلا لواقعنا بفينومينولوجيته المألوفة. غير أني أستفيد من واقعنا هذا لأغراض عملية وتقنية صرفة وبينها الحفاظ على رباط ما مع القاريء الذي يبدو لي على الدوام محض تجريد يلفه اللايقين. أكيد أن هناك ذلك القاريء الذي يملك تجاربا شبيهة بإختباراتي ، وكلها بسيطة ، لتلك المستويات. وهناك القاريء الآخر التقليدي غيرالمكترث لتجارب مثل تجاربي أو أنه يملك تصورات مسبقة عنها مما يعني قيام حاجز بيننا قد لا يقهر. عدا هذا اللاإكتراث هناك تلك النماذج الحياتية والذهنية التي يسترشد بها مثل هذا القاريء عند تعامله مع النفس والعقل والعالم الخارجي. فهنا ألقى ، عادة ً، تمسكا صارما بالمنطق وقوانين ذلك المستوى الشائع من الواقع. من المفهوم أن هناك فاصلا ملموسا لدى عموم القراء بين قصة من واقعهم وأخرى سندبادية أو شهرزادية أو من كليلة ودمنة حيث يكون هناك الكثيرمن غيرالمحظورات التي ألقاها في الحكم على القصص الأخرى التي يكون محورها الواقع المألوف...
* أن أكبر ضربة ُتوّجه الى الفن عامة حين يتم إخضاعه لمفاهيم يكمن خطرها ، من جهة ، في تبسيطها لظواهر بالغة التعقيد مثل الوجود وعوالم الإنسان الداخلية والخارجية والموت وأسرارالحياة وآليات المجتمع وغيرها ، بالطبع يكمن الخطر في تبسيط العلاقة بين الإنسان والواقع خاصة أن الأشياء ، كما يقول ألان روب - غرييه ، ليست في نظام نهائي على الإطلاق. ومن جهة أخرى يكمن هذا الخطر في النزعة الماكيافيللية عند التعامل مع الفن كوسيلة يبررها هذا الغرض وذاك.
يعاني الكل من التبدلات الحياتية العنيفة ومن ضغط الأحداث في هذا الزمن خاصة ، لكن على الفنان أن ينمّي مقاومته كي لاتجرفه هذه الى مسلك آخر غير الفني. فكما قيل إن التسويغ النهائي للفن يكمن فيه ذاته وليس في الأهمية الإجتماعية - السياسية التي يحويها. بالطبع يظل الفنان كائنا إجتماعيا مشدودا بألف خيط بمحيطه والعالم الخارجي ككل أيضا ، إلا أن حساسيته وضميره الأدبي يدفعانه الى إدراك حقيقة أن فنه يمكن أن ُيثرى بمواقفه الإجتماعية والسياسية لكنه لا يتشكل بها. ولعل ما قيل مرة عن الفارق بين أدب زولا وأدب فلوبير يوضح كثيرا قصدي : كتب زولا الرواية من أجل إثبات وجهة نظره. أما بالنسبة لفلوبير فإن عملية كتابة الرواية بحد ذاتها هي وجهة النظر. كانت الطريقة لديه هي الأمرالمهم وليس النتيجة .

* في سبل تفكيري ونثري الأدبي أبقى مخلصا لمثل هذه الإنارات التي أجدها بالغة الصدق.
- يكون القصد من الكتابة طرح الكاتب لموقفه من كل إشكاليات الإنسان والوجود، مما يعني التعامل الجاد مع المايكرو والماكرو على المستوى ذاته : كي أتكلم عن درب المجرة عليّ بمعرفتها ودروب الأرض أيضا. ولكي أتكلم عن الإنسان لابد من معرفة منحدره وغاياته وعذاباته وأفراحه. وللإيضاح أرغب هنا أن اذكر بعض الآراء التي تصير محرّكا بالغ الأهمية لما اكتبه من نصوص سردية وغيرها:
- ثمة أكثر من واقع واحد. وأنا شبه موقن من وجود واقع ميتافيزيقي ، بعبارة أخرى : وجودنا الأرضي ليس هو الواقع الوحيد .
- لاشيء لامعقولا ولاممكنا ولكونه يبدو هكذا.
- الحياة كظاهرة كونية هي بالغة التعقيد والعمق. لكن طالما إخترع الإنسان قيمه ، من أخلاقية و إجتماعية وغيرها ، بتحريض واضح من التأريخ ، فليس أمامه من مخرج آخر غير مواصلة الأخذ بها في إطار فكرته اللحوح عما أسماه بالتقدم. في واقع الحال لا يعرف هو نفسه صوب أي شيء يمضي هذا التقدم : صوب سعادة نسبية أم مطلقة ؟ صوب جنة أرضية ؟ صوب تأريخ آخر يطمّن الغرور البائس في تحقيق عظمة أرضية بحتة أي بمعزل عن معايير أخرى نفترض وجودها هنا وهناك في الكون ؟
- لاتزال راهنة الحكمة القديمة : " أنا أعرف بأني لا أعرف ". بالطبع تحت ضغط تأريخ الإنسان لابد من منح هذه الحكمة نسبية ما.
- وبدون الوقوع في سذاجات التنجيم سواء أكان بابليا أو غير بابلي أنا أؤمن عميقا بالرباط الذي لاينفصم بين حياتنا على الأرض وبين النجوم التي فوق رؤوسنا. وكان شكسبير محقا في ( الملك لير ) :
هي النجوم
النجوم فوق رؤوسنا وتحكم نفوسنا
- أنا مؤمن عميقا أيضا بوجود ما يسمى بالإيقاعات الحيوية biorhythms ولا أكترث إطلاقا لآرثوذكسيات العلوم المعاصرة.
- طموحي الذي غالبما أسعى الى كبح جماحه، وهو ليس بالكبير حقا ، هو أن أكون قرب الحقائق التي إكتشفها ذلك القسم من الكبار ، وهواجسهم ونوبات ( جنونهم ) ، وبينهم نوفاليس ونيتشه وشوبنهاور وسقراط وساباتو وكافكا وسيوران وبيكيت وبافيزه وبورخيس وغومبروفتش وكيركيغورد ...
- لا أؤمن ، ولا أنكر أيضا ، بظاهرة ما يسمى بالوساطة بين الأحياء و الأموات Channeling ، والكتابة الأوتوماتيكة الناتجة عنها. عموما لا أجد نفسي قادرا على رفض كامل منجز الثيوصوفية ولا على الإيمان المطلق بها لكني على إقتناع بما يسمى بتجربة الخروج عن الجسد OBE ( في يوم رحيل أختى الكبرى والذي لم أكن قدعرفت به بعد ، زارتني في حلم تلك الليلة... ).
ما ذكرته هو عينة فقط من ( إرشيفي ) الميتافيزيقي ، أما الأرضي فقد يكون إنعكاسا ، لكنه محدود ، للميتافيزيقي. مفهوم أن ليس من واجب الكتابة الأرشفة الفوتوغرافية. فهنا بالضبط يكمن الخطر كله على الفن ! أي حين يتحول الى تدوين آلي لهذا الفعل وذاك سواء أكان القائم به الإنسا ن أو الطبيعة. وأنا أتفق ، لكن جزئيا ، مع أرنستو ساباتو حين يكتب : " المهمة الرئيسية للكاتب اليوم إستقصاء الحقيقة عن الإنسان ، وهذا يعني فحص طبيعة الشر ". ولدى سيوران يكون الدليل الدامغ على منحدر الشر هو الخطيئة الأولى التي بدأت بقضم التفاحة ( ليف شيستوف يأخذ بصيغة الجمع : التفاح. فالمعرفة لانهاية لها ومحرّكها الطبيعي هو الفكر أي التفكير ). معلوم أن نيتشه نادرا ما كان يعرج على مواضيع من العهدين القديم والجديد لكنه في ( ولادة التراجيديا ) يبين أنه كان عميق الإيمان بأن التفكير وفق مبدأ السببية يمكن أن يتغلغل في أعمق مهاوي الوجود. ولاجديد هنا . فمنذ أولى الأزمان شغلت بال الإنسان إشكالية سقوطه وحين شعر بأن ليس كل شيء على ما يرام في هذا العالم بل وأكثر : هناك شيء شريرمتجذر فيه. لكن من أين جاء الشر؟ في الواقع كانت الفلسفة اليونانية والأخرى من الشرق الأقصى قد أجابت على السؤال إلا أنه يأتي مناقضا بالطبع لما جاء في بعض حكايات ( سفر التكوين ).
لكن أتفاقي مع ساباتو كامل حين يطرح تعريفه الخاص بالسرد الأدبي fiction الذي نبحث فيه عن دروب حين نلقي في العالم بشخصيات كما لو أنها من لحم ودم بينما تعود هي ، في الحقيقة ، الى مملكة الأشباح. إنها تقوم ، بدلا عنا ، وإلى درجة معيّنة فينا ، بإعداد المصائر التي حرمتنا الحياة منها. وفي روايته ( عن الأبطال والأضرحة ) يتكلم ساباتو بالصورة المباشرة عن الإنسان الذي ( رفع مبنى غريبا مسمى بالثقافة ، وبهذه الصورة أعطى البداية لمأزقه ، وكف عن أن يكون حيوانا بسيطا ، كما أنه لم يأخذ بالصيرورة ربّاً وكما أراد له عقله ). وهنا قد يتفق ساباتو مع صديقه البولندي فيتولد غومبروفتش القائل بأنه ينبغي على الإنسان أن يقلص حجمه كي يكون إنسانا حقا ً...
* قد يكون هناك كتاب سعيدون، ولا أسأل عن مصدر هذه السعادة ، فمن المحتمل جدا أن لها أكثر من مصدر واحد. لكن الحقيقة الأولى هنا تبدو هكذا وفق طرح أميل سيوران لها : ( طالما قد سُجنا في الأدب نحن نحرص على حقائقه ونعمل من أجل إلباسها جسدا وملء عدمها. أكيد أنه شرط مكدر ، لكن هناك ما هو أسوأ - تجاوز هذه الحقائق ومن دون الوصول الى حقائق الحكمة ) . بعبارة أخرى توجد ، حسب سيوران ، ( الحياة الحقيقية ) خارج الكلمة. وفي الحقيقة يشعر كل كاتب حقيقي بأنه معلق بين الكلمة والصمت. وتجاهل هذا الواقع يعني أني كاتب فاشل . وقد يتفق بعضهم معي إذا قلت بأن للفشل أكثر من تعريف...

* أكيد أن ما هو معقّد يستفز الرغبة في تبسيطه. أكيد أيضا ، وكما ذكرت سابقا ، أن العلاقة بين الإنسان والواقع بالغة التعقيد ولاحاجة الى القول إن هذه العلاقة تفرض أصعدة ووسائط جديدة للتعبير ُتبرِز تعدد الصلات بصورة العالم الخارجي المليئة بالتناقضات ( في هذا الزمن ودّعنا الأمل ، وفق ساباتو ، في العثور على الهارموني ! ). كذلك لا يحدث في عزلة تامة إلا القليل. من ناحية أخرى كم من مرة وصل الكاتب ، والفنان عامة ، الى جوهر الوجود من خلال الغوص في الحياة اليومية. إلا أن الغوص أصبح في زمننا بالغ الصعوبة والخطورة إذا كان محروما من المعدات التقنية ، وحتى هذه تتباين في الجودة والجدة. وعامة يبدو فضفاضا للغاية مصطلح ( الأدب الجديد ) الذي هو المقصود في حقبتنا الراهنة ، فالباب لم يوصد بعد أمام كل المحاولات الساعية الى إحياء الجثث الأدبية القديمة !
صحيح أن ضغط الأحداث مهوّل لكن من المفروض أن ينمّي الفنان مقاومته كي لا تجرفه الى مسلك آخرغير الفن. وحتى جيل عبدالملك نوري ، الملتصق بالشارع والسياسة بمنحاها اليساري الموازي للمنحى السوفييتي ، كان يحرص على أن لا تكون لهذه الأهمية الأولوية َ قبل الفن. وكما يقول جون فليتشر يظل الفنان بالطبع مواطنا وهو بهذا الوصف لابد أن تكون لديه معتقدات سياسية وأن الغالبية العظمى من الكتاب المعاصرين يساريون لكنهم من الحساسية والضمير الأدبي بحيث يدركون أن فنهم يمكن أن يثرى بمواقفهم إلا أنه لا يتشكل بها. ويضرب هنا أمثلة كثيرة : مارغريت دورا مناهضة لليمين لكن مسرحياتها تتحدث عن رجال ونساء هم لأسباب تتعلق بهم وحدهم ، غير قادرين على إحداث تواصل ٍ فيما بينهم ، وكلود سيمون على الرغم من مشاعره نحو إسبانيا الجمهورية لم يجعل من ( القصر ) بحثا سياسيا... وتفسير هذا الإنضباط هو ممكن بحقيقة أن التعقيد في عصرنا الثوري - الإنقلابي لايجعل من الضروري ولا من الممكن للكتاب - برأي فليتشر والذي أجده مقنعا للغاية - أن يتخذوا مواقف شديدة التحديد...
إن تسجيل فواجع العراق أمر مشترك ، بالطبع ، بين الفنان والمؤرخ. لكن رغم كون المهمة واحدة فإن لكل واحد منهما أدواته وأفكاره وتصوراته ، والفارق هنا أن الأول غير قادر على التخلي عن أدوات مهمة بالنسبة إليه أولا ً : الإنفعال والمنطلق الذاتي والعثورعلى الماكرو في المايكرو. ..
ملاحظة ذهبية أخرى لفليتشر : يبدو أن على الكاتب أن يختار اليوم بين خطر الشيزوفرينيا حينما يحاول أن يكون في الوقت نفسه مؤلفا وموظفا ، وتعريض قابلياته للبغاء حينما ينتج ذلك النوع من الكتب الذي يكون وحده مرغوبا فيه من قبل العدد الأكبر من الجمهور ، كتب لاتتطلب جهدا عقليا من القاريء ولا تؤذي مواقفه الجمالية المسبقة.
إذن دعونا لا نبسّط الإثنين : الحياة والفن !

* أخترعت مرة حوار مع النفس لا يبتعد البتة عن صيغة الإعتراف :
سؤال - أين أنت في معركة الحاضر ؟
جواب - أنت تريد إستدراجي كي أسبح مع التيار وأقول بعض الترهات الرائجة اليوم كأن يتحول الأدب في بلادنا الى جريدة يومية تتابع لكن بأشكال أخرى كل هذه الرجّات والقلب الدموي لعالم العراق رأسا على عقب. أعود الى وليم غاس. في كتابه القيّم ( الكتّاب والسياسة ) يقول : إن إلقاء الكتاب في السجن أصلحُ من إيقافهم على قواعد تماثيل. وإعطاء الكاتب نفوذا ًما يعني كما لو أنك أعطيته سمّا. فحينها لا يكتفي بمواصلة صنع البالونات بل يأخذ بإلتهامها ! (ضحك ). هكذا الحال دائما : مع الأكل تزداد الشهية ( ضحك )... إليك إعترافا آخر : أنا اشعر بحيرة قاتلة حين التعامل مع العالم مردها إنعدام اليقين في فعلية كل شيء. لا أقصد هنا أني أتساءل أمام قوانين ومباديء المجتمع وعالمنا الأرضي ، فهذه من المشاهد التي بحكم التمركز في زمكان معين، أي هذه الدورة بين الميلاد والرحيل ، قد كفت عن أن تكون ( خارجية ) ، فقد صارت جزءا لا يتجزأ من عالمنا الداخلي ، بل تساؤلي الحقيقي يخص الإنسان كظاهرة بيولوجية - نفسية - روحية - كونية ( ميتافيزيقية ). لا حاجة بالطبع الى ذكر الدرامات الأخرى التي نكون شهودها وضحاياها : تواجدنا في الزمكان وليس الأرضي حسب بل الآخر - الأكبر الذي لا نعرف عنه إلا النزر اليسير. والإعتراف التالي هو أني أتعامل مع الكتابة السردية كعمل شبيه بمشرط الجراح أو أنبوبة المختبر. إن مثل هذه الموضوعية والحيادية ليستا بغريبتين على السرد الحديث وليس هذا وحده. فأن تكتب شيئا محروما من شتى أنواع التصنع، وغياب المعرفة قبل كل شيء ، يعني أنك تطرد كل الإعتبارات التي لا تخص فعل الكتابة. وما يدفعني الى بعض التفاؤل أن هناك في الجيل الحاضر من كتابنا العراقيين والعرب عامة، من دخلوا درب الكتابة الجديدة التي ( تفلي ) بمثل هذا الصدق والعنف واقع الإنسان.
س - كيف تجد الأدب العراقي ؟
ج - لا أريد أن ألفّ وأدور بمعونة بلاغة إنشائية أو دبلوماسية تفوح رائحتها على الفور. أجيبُ بكل إستقامة : أشعر هنا بغربة قاسية. المؤلم أكثر من غيره ضآلة الفرص كي تكون هناك لغة مشتركة بيني وأكثرية من يكتب. الحروب والتأريخ وموات الحرية إجتمعت كلها لإنجاب أدب هاجسه الأوحد أن لا ( يخون ) الاخرين وقيمهم والواقع المباشر قبل كل شيء. بالطبع لابد من الأخذ بمعيار النسبية. لكن الى حدود معينة. من النادر أن أجد ولو كرسي إعتراف واحدا في هذا الأدب. الكاتب مشغول بهموم أنت وأنتم ونحن وهم وهو وهي ، وفي غمرة هذه الأشغال ، وهي ليست بالشاقة البتة ، نسي الضمير الأساسي. نسي بأنه الحقيقي ، وقاده الوهم المزمن الى الإيمان بأن مهمته الأولى والأخيرة الصيرورة إطفائيا أوممارسا لأيدولوجيا أو نقابيا أومدوّنا لأحداث طافية على هذا السطح وذاك...
س - كما أفهم تكون شكايتك من الأحداث التي ُيكتب عنها بإسم هذا الضمير وذاك. برأيك أن الكاتب العراقي ُيسكت صوته كي يرتفع صوت الآخر أوالآخرين ؟
ج - لا علاقة لنوع الأحداث بنوعية الكتابة بل بالمرصد ، باللغة أيضا. عجيب أمر هذه الموضات السائدة اليوم: إنشاء متقدم وليس لغة تصويرية. شعرية هي كسيحة في الاساس ولأنها ليست في مكانها أو أنها لا تسير على قدميها بل على عربة معوّقين. كل اللافتات قد ُوضعت في غير مكانها الحقيقي. أنا أتكلم هنا عن القاعدة وليس الإستثناء ، فحتى في سدوم وعامورة كان هناك أفاضل !
س - برأيك أن تولستوي لم يتكلم عن الأنا وعلى العكس من بروست مثلا ؟
ج - هذا سؤال بدون مقدمات منطقية صحيحة. المشكلة ليست في الكلام عن الأنا أو عدم الكلام عنها بل في أن الضمائر الأخرى شغلت مكان الأنا الشرعي. تولستوي كان يجيد إستخدام اللغة ولم يلجأ الى الشعرية المباشرة ولم يفتقد السبر السليم لمتاهات النفس. كان وعيه بزمنه أكثر من كونه فائقا. قبل كل شيء لم يفكر عند الكتابة بقاريء جماعي معيّن كما يحصل عندنا. بالطبع أحالنا تولستوي الى العالم الخارجي. وهذا يكون بالكاد ، كما يقول أرنستو ساباتو ، نصف عالم الفن لكن هذا لايعني أن تولستوي تجاهل النصف الآخر. وعموما أنا منذ عقود طويلة أضيق ذرعا بهؤلاء الأبناء غير الشرعيين للواقعية ، وكأن الدخول في متاهات النفس أوالنقل الفني لحلم صبي ما ، هو محض وهم بائس. الهاجس المزمن منذ أن أطل برأسه على الدنيا ما يسمى بالأدب العراقي الحديث هو أن يكون وطنيا ، إجتماعيا ، أخلاقيا ، مدرسيا ، كأن حلم ذلك الصبي أو إحتضار إمرأة معزولة عن العالم الخارجي يكون متعارضا مع تلك الواقعية أوالطابع الوطني. في الحقيقة أنا أكررهنا كلمات أستاذ كبير ، ساباتو ، قدم لنا خدمات كبيرة عندما نفض ما كان عالقا في رداء الفن من ترهات وأفكار خاطئة. أليس هو القائل بأن علينا ان لا نسمح للقضايا الإجتماعية الصعبة والمؤلمة أن تحجب بصرنا عن حقيقة أيّ شيء ينبغي أن يكونه الأدب الكبير الذي هو ، في الجوهر ، عراك من نوع خاص. وهذا العراك هوجزء من الحقيقة ، فالوعي بالقيم الأخلاقية والرغبة في دحر قوى اللاوعي المدمرة والسعي الى المشاركة في الحياة الجماعية هي كلها جزء من الوضع البشري الجدلي. لناخذ روايته العظيمة ( عن الأبطال والأضرحة ٍSobre Heroes y Lumbas ). ما هي في جوهر الأمر ؟ الأحسن أن يتكلم عنها غومبروفتش : (عمل غير إعتيادي حقا ، فيه الرومانسية والتقاليد والتأريخ والمفارقة التاريخية الأرضيةtellurian anachronism والباثولوجيا المظلمة من أميركا اللاتينية ، وكلها ترتبط بأسلوب غريب بالمودرنزم الطلائعي الذي يعبّر عن الأرجنتين اليوم. من دون شك يكون ساباتو أحد الثلاثة ( العظام ) لأميركا اللاتينية الى جانب آستورياس وبورخيس). وأظن أن هذه الرواية هي وصفة جيدة لمتاعب النثر العراقي الإجتماعية والفنية ...
س - طيب ، هناك فن وهناك أكثرية فماهو الحل لديك ؟
ج - قبل كل شيء عليّ أن أرفض تلك الفكرة التي نعتها ساباتو ، وها هو يضع مرة أخرى كلماته في فمي ! ، بالديماغوغية - فكرة أن كل عمل فني كبير يخاطب ، في النهاية ، الأكثرية. لاشيء من هذا القبيل ! الأستاذ الأرجنتيني يقول إن هناك أعمالا فنية كبيرة إلا أنها للأقلية : كافكا. بالطبع هناك فن للقلائل لكنه سيء : معظم أشعار اليوم التي لاتعدو كونها أحجية لفظية أو صرعات شكلية. يحصل الآن تراجع صغير : هناك أدب كبير لكنه للكثيرين : " الشيخ والبحر " . ولأجمل معه واقع الحال الذي لن يتغير سريعا : هناك أدب للأكثرية لكنه سيء : الواقعية السطحية وبضمنها الساذجة ، القصص المصورة ، الروايات الفاجرة وكامل الأدب البوليسي تقريبا ( ليس فان غوغ ولا كافكا من أنفصل الإنسان عنهم بل الإنسانية جمعاء : جموع الرعاع )...
س - لكن هل تجد أنها معادلة ثابتة لا تخضع لعوامل الزمن : أكثرية عراقية ذات ذائقة غير متبدلة ، غير متطورة ، غير مشذبة أو كما يقول بعضهم وأنت واحد منه : بدائية حوّلتها الى صخرية ، الوعظياتُ الدينية والأخلاقية والوطنية ، وهذه كلها وجدت خير مرتع لها في شعرنا ونثرنا ، رغم الإحتمال القائم بأن فرصا أفضل للتعليم وحرية القراءة والتفكير ستتحقق يوما ما ؟
ج - سوء الفهم الأول هو أني لا أتكلم عن المتلقي بل عن العلاقة العجائبية بينه والفنان من جهة ، والأخرى القائمة بين الفنان وفنه. وسوء الفهم الثاني : للتعليم والحرية إسهام كبير في دفع الفن صوب الجماهير ، وأنا لا أنكر هذه الحقيقة بل تأثيرها على كم هذا الدفع. في بلدان لاتعرف الأمية ويكون فيها الكتاب خبزا يوميا يبقى كافكا مجهولا أو بالأحرى غير مقروء بنسبة ملحوظة ، بالطبع هي أقل بكثير من نسبتها في ألبانيا أو العراق مثلا... أما سوء الفهم الثالث فقد يكون في صلب ذلك الشطر من البيت الشعري ، الخادع والمهادن في الأساس : وللناس في ما يعشقون مذاهب...
سؤال - قد تكون " هرطقتك " مضببة قليلا. لكن قل لنا كيف تخضع ما تكتبه لكل هذه الأفكار التي تطرحها ؟
جواب - هنا تفترق النظرية الى حد واضح عن الممارسة العملية ! الكاتب الحقيقي هو من لايسمح بحجب الحقيقة وأيّ كانت الستر. والنموذج السيء هنا هو تلك الواقعية الإشتراكية التي حرّضت على تحويل الفن الى عملية هندسة ، ولكم كانت فجّة ، للنفس. ألم تكن مقولتها الرئيسية إن على الكاتب أن يستشرف ما ينبغي أن يكون وليس ما هو كائن ، فهذا بحكم الديالكتيك في حركة دائمة. بعبارة أخرى لكنها إستنفارية بالطبع : إكتشاف المستقبل في الحاضر ، وبهذه الصورة لا تفصلنا غير خطوة واحدة عن عتبة الوهم والإختلاق التنظيريين. ومرة أخرى تأكدنا من تلك الحقيقة القديمة عن أن الطريق الى الجحيم مرصوف بالنيات الطيبة... كيف عليّ أن أشطب على الزمن وما يرهصه فيّ وخارجي أيضا من أجل سراب أو فرضيات ٍ ما ؟ أنا أعرف أن النصائح والكلمات عامة لا تبدل الكثير لكن لدي إقتناعا ًما بأن من واجبي أن أنادي : يا كتاب العراق لا تقصروا كلامكم على الأنا العليا alter ego وحدها ! ماذا ، هل تنقصكم الجرأة في أن تتوغلوا في كل هذه الأدغال المظلمة ، في الأحاجي ، في الإنسان الذي ُكتب عليه أن لايكون ببعد واحد.
* هناك السأم الميتافيزيقي الذي لن تعثر الحضارة ولا الطبيعة على دواء له ، فهو مرض عضال بل أكثر : إنه جزء عضوي من كينونتنا شأن التمرد بنوعيه - المحروم من الأمل والآخر المسلح به. الثاني جاءت به تهويمات معينة للوعي ، أما الأول فهو الأكثر فعلية وواقعية ، و لأسباب واضحة للعيان رغم سعي العقل وتلك الأنا العليا الى أن تكون الأسباب بمظهر آخرلا يحرمها من خدعة الأمل. إن الحقيقة - الصخرة التي لايمكن زحزحتها هي إنتفاء أيّ سبب جوهري للحياة ، ولامعنى هذا السعي اليومي ، وعدم جدوى الألم والعذاب. وفي الأساس يكون كل من أدرك لعبة الوجود الفارغة مرشحا دائما للإنتحار. وواضح أن الوعي بهذه اللاجدوى يولد ذلك السأم الآخر. فاللامعنى ليس هو فقط خارجنا بل هو في داخلنا ، والبشر يفرزون هم أيضا اللابشري ، ويكفي هناالإنتباه الى أفعال معينة للآخرين. وأقصد هنا الإنتباه المتحرر من آليات معينة لما يسمى بالعقل السليم. هناك أيضا ( رؤية الزمن ) الذي ليس هو أبدا بالجهة الداعمة بل هو العدو الأسوأ : يسمح لنا باللهو والعذاب ودفع صخرة سيزيف ، لكونه يعرف بأنه المنتصر النهائي علينا وعلى العبث أيضا. وهنا يقنعني تعريف ألبير كامي للعبث وبمعناه الأكثر دقة : العبث هو كل ما لامعنى / إذن العالم هو عبث. وفي فصل ( الجدران العبثية ) من ( أسطورة سيزيف ) يكتب أن العبث ليس هو العالم ولا أنا ، وإنما هو العلاقة التي تربط العالم بي، وهي علاقة مقابلة : معارضة وعيي ب( الجدران ) التي تحيط به. كما أن العبث يبرز من صدمة وعيي الذي يكتشف عدمية رغباته ، إنه هذه الصدمة نفسها التي هي الطلاق المفاجيء. ووفق كامي يكون العبث طلاقا في الجوهر، فهو ليس هذا ولا ذاك من العناصر المقارَنة. إنه يولد من مقابلتها. وقد يكون قصد كامي أن العالم ليس عبثيا بل هو ، ببساطة ، ( لاعقلاني ) ، فالعبث هو مقابلة الوعي الذي هو( رغبة مجنونة في الوضوح ) مع هذا اللاعقلاني - ف( هذا والحنين البشري والعبث الذي يتولد من تقابلهما هم أبطال الدراما الثلاثة ) - كامي في ( أسطورة سيزيف ). أكيد أن السأم هو ( الكومبارس ) الرئيسي في هذه الدراما. وكان قد رافق كاليغولا في مواجهته المرهبة مع اللامعقول. بالطبع يرمز كاليغولا الروماني شأن الآخر الكاموي الى حقائق طمستها آليات الحضارة الى درجة غابت فيها عن وعي هذا الكاتب وذاك...
* قد يكون أميل سيوران محقا حين لم يقترب أبدا من الكتابة السردية رغم أن السبب كان شخصيا تماما : نفاد الصبر عند ممارسة مثل هذه الكتابة. أما أنا فلي أسبابي أيضا ، إلا أنها لاتصرفني تماما عن السرديات. صرت آخذ بالطريق الوسط : الكتابة السردية ، سواء القصصية أو الروائية ، التي أسماها العزيز حسن بلاسم بالمعرفية - الحلمية. أعتقد بأنه مصيب تماما. فالحل الوسط يبدو لي بهذه الصورة. ولنأخذ هذا المثل البسيط : تعذبني إشكالية الرب. أريد أن أن أعكس هذا في الكتابة السردية. بالطبع أنا لست دوستويفسكي كي أخلق إيفانا آخر. قبل كل شيء لا حاجة اليوم الى مثل هذه المناورات التقنية. غير أني لست مقتنعا تماما بهذه اللاحاجة. ولا أعرف لماذا. قد تكون قوية ً النزعة ( المحافظة ) في قلمي. وعامة ماذا أريد من الكتابة ؟ مقاومة الزمن ؟ تبليغا بأني لا أزال ، أو كنت ُ، هنا والآن. قد يكون صحيحا الجواب ( نعم ). فأنا أستهلك الزمن وأخدعه بل أفعل كل شيء مسموح وغير مسموح به وفق هذه القوانين وتلك ، كي أعثر على النفس. أكيد أني كنت مخطئا حين أردت من الكتابة أن تنبع من ( الإمتلاء ) بينما هي نتاج مكدر للخواء بالمعنيين الفلسفي والأنثولوجي ، كما أنها فعل غير ممكن من دون هذا الشرخ القائم بيني والعالم. هناك أكثر من كاتب أمتلك ذلك الوعي الرجيم بأن الأدب ليس مجرد إحدى الإمكانيات الكثيرة للعمل وأي كان - مهنيا ، عبثيا ، ذكيا أو بليدا ، بل هو ( مادة ) الوجود ، متعة ، ملجأ ، وعد، ضمانة ، هروب ، لعنة ، هوى طاغ ، منفى ، تحرير...
واضح أن الإستثناءات هنا كثيرة بل تفوق القاعدة. فليس كل واحد يفقه بأن ( الكتابة تولد من الغياب / اللاحضور كإنقاذ من العدم ) . لا أتذكر أين قرأت مثل هذا التعريف للكتابة. وقد يكون الشق الآخر للتعريف هو أن إستخدام لغة ما هو صامت و لم ُينطق به بعد ، يعني الخروج من نفق الظرفية وفتيشيات الحاضر...
باند هولم - تشرين اول / أكتوبر 2009




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: