حورية والبحر
عبد النور مزين
ليتك تعودين اليوم قبل الغد.لو تعلمين ما صرت بعدك.خرقة بالية في شاطئ مهجور.
أترحلين هكذا بغتة؟ كحلم جميل نصحو منه فجأة ويذهب دون رجعة . حلم للمرة الواحدة والأخيرة. حتى إذا سلمت أنا أنك قد انتهيت ، قلبي لن يسلم أبدا. مهما كان عمق جرحه فهو ينتظر طيفك عند المنعطف. خلف كل وجه جميل كوجهك.
سألت الشواطئ كلها رملة رملة وصخرة صخرة. سألت البحر كله قاربا قاربا وشراعا شراعا وموجة موجة :
- من منكم رأى حورية ؟ حورية التي عانقت البحر .
أنا أعرفك جيدا . الكل يهواك كلون العيون السود، كظل رمانة وسط الهجير أنت.
كم مرة قلتها لك؟ سواد عينيك عذاب لهم.ضياؤك قبر لهذا الظلام، وفيئك واحة تحترق.
غرك البحر ذلك الصباح بوداعته. مسالما كان كدمعة فوق جفنك. يلامس الرمل خجولا رقيقا ، عذبا كنسيم الفجر. غرك همسه ذلك الصباح فأودعته جسمك المرمري. ما زلت أذكر جسمك وهو يذوب. قطع مرمر من لجين. أين أنت كي أحكي لك عنه حين أسكنك خدره الوفي .كم حذرتك منه؟ إن البحر لا يلعب. هكذا قلت لك وأنت تعانقينه.امتصك كرضاب الشهد. ومن شدة لذته وشهوته اختارك قربانا يؤنس وحدته. اختلى بك يا حورية في أعماقه المظلمة.
كنت أعرفه جيدا. غادر، ماكر وحشي الطباع . كانت لذته بادية سافرة ، تخدشني كعود يلهو في جرح عميق. لفظ إلى الشاطئ كل من ركبه ، قواربا وأشرعة ، بواخر وبحارة وأناسا كثيرين . كان يزأر من شدة لذته كوحش كاسر والموج يعلو ويهبط مزمجرا منتشيا يلطم خد الصخر في صخب.كم حذرتك منه. إنه لا يمزح. ولكنك كنت تريدين ترويضه ، نشر ضيائك في مسامه المظلمة.
سألت يومها كل الواقفين الصامتين أمام طقوس البحر الهادرة:
- من منكم رأى حورية ؟ حورية التي عانقت البحر.
ضاع صوتي في هدير البحر . انفض المشهد في صمت بعد رحيل الموج. أين أنت اليوم ؟ غاصت قدماي حتى تجذرت. لا بد يوما تطلين بالعيون السود ، بضياء البدر ، وأنا أرقب هذا البحر كخرقة بالية في شاطئ مهجور.
خاص "أدب فن"


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (2 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك