الرئيسية »  الـنـثـــر»  10 – ضد اليوميات / 2010

10 – ضد اليوميات / 2010

عدد مرات المشاهدة :608 - 09/ 9/ 2010

عدنان المبارك

10 – ضد اليوميات / 2010

  

ليف شيستوف ( 1866 - 1938 ). بدأ إهتمامي به بعد قراءة كتاب ( كييركيغورد والفلسفة الوجودية ) الذي وضعه في أواخر حياته. وجدت أن مكانه هو بالتأكيد مع دستويفسكي وكييركيغورد وأونو مونو وبرديائييف وغيرهم من الذين توقفوا طويلا عند القضايا الجوهرية مما لا يعني نبذ الراهن أو التقليل من شأنه. فأنا ( ضائع ) بالمعنى الأنثولوجي والآخر الميتافيزيقي وحتى لو كان بيدي دليل مدينة وأبحث عن مكان معيّن فيها. الثقافة الفرنسية تعرف شيستوف جيدا، والروسية ما قبل السوفييتية وبعدها - غادر وطنه روسيا في عام 1919 وعاش معظم حياته في باريس . كتب مؤلفات عن شكسبير وتولستوي ونيتشه. كان صديقا لبرديائييف رغم الإختلافات والخلافات ، فقد كان دربهما المشترك فلسفة الإيمان ، وشيستوف من فلاسفة الوجودية بجناحها ( المؤمن ). أشهر كتبه : ( أثينا وأورشليم ) أي المواجهة بين العقل والإيمان ، والدين والفلسفة. عنوان الكتاب إشارة واضحة الى السؤال الشهير الذي أطلقه ترتليان Tertullian : أي شيء يربط أثينا بأورشليم ؟ كان الإثنان - الأمازيغي المنظّر الأول للمسيحية واليهودي الروسي ، على إعتقاد بأن الإيمان الذي ترمز إليه أورشليم لا يمكن التوفيق بينه والمعرفة والغزيزة الأخلاقية الذي ترمز إليها أثينا القديمة. في كل الأحوال يقف شيستوف الى جانب الإيمان منتقدا هيمنة العقل ، و أن الإيمان هبة ، شيء غامض وغير مفهوم كما انه خارج إرادتنا.
كان شيستوف رمزا للمفكر الذي تتجاذبه ثقافتان ولغتان وشعبان. مفترق الطريقين هذا جاء بخصب كبير. كان إشيستوف إبن تاجر يهودي ثري في كييف إعتتنق الإفكار الصهيونية إلا أنه لم يفرضها على أبنائه. حين كان الإبن تلميذا خطفوه من أجل فدية إلا أن أباه لم يدفعها. أطلقوا سراحه بعد ستة أشهر. أكيد أنه كان للحادث تأثير كبير على ما آمن به فيما بعد ، وبالضبط حين أخذ بتأليه اللايقين واللاتجذر وإنعدام السند. في البدء درس الرياضيات في جامعة موسكو ثم القانون لكن أنهى دراسته في جامعة كييف في عام 1889 . أثناءها سحرته الماركسية شأن الكثيرين من الفلاسفة الروس ، بينهم نيقولاي برديائييف أيضا. إلا أنه تركها قبلهم. عموما لم يكترث كثيرا للقضايا الإجتماعية - الإقتصادية. كانت تجذبه الإشكاليات الدينية. في عمر الثلاثين يتفرغ تماما للفلسفة. وفي ذكرياته يكتب أن معلمه الفلسفي الأول كان شكسبير الذي ألف كتابا عنه يتناول فيه للمرة الأولى قضية صدفية وتراجيدية وجود الإنسان. وهذه الصدفية مجرد مظهر خداع. ففي حياة الإنسان هناك الغائية والجبرية. إلا أن هاتين لاتعودان الى العلوم النفعية ولاحتى الى الميتافيزيقيا. فالتفسير العلمي للجبرية وفق مفهوم السبب والنتيجة إنما يستثني المصادفة و ايعدو كونه تزييفا للواقع ، بعبارة أخرى يكون إستبدالا للامعقول بآخر. عن الغائية والجبرية بحث شيستوف في الأخلاقيات. من ناحية أخرى وجد أن شكسبير قد عثرعلى التراجيدا ببعدها خارج الزمني ( كان مكبث القائل بأن الزمن خرج عن مداره... ) المعتمد على ( أنسنة الإنسان ) أي التأكيد على البعد الأخلاقي في الوجود الإنساني. إلا أن هذا البعد لا يملك قيمة مطلقة. وكل ما في الأمر أن الأخلاقيات تملك قيمة أخرى تتمثل بالفردية. فالخير ليس قائما خارج الإنسان بل فيه. ويحتل نقد النزعة العلمية والنفعية مكانا كبيرا في فلسفة شيستوف الى جانب بحثه الدائب في قضية ( الرؤيا التراجيدية للعالم ). وفيما بعد ترك موقفه الأخلاقي الذي كان قد أعلنه في كتابه عن شكسبير. وفي عام 1895 تتدهور صحته. داهمه مرض لايعرف عنه الكثير ، وشيستوف نفسه لم يتكلم عنه أبدا. جاءته حينها تجربة الموت. عرفنا عنها حين قام بتشريح قصة تولستوي (ملاحظات مجنون ) - تناول هذه القصة فيما بعد أميل سيوران أيضا - ومن المحتمل أنها كانت شبيهة بتجربة بطل تولستوي، فلحظات الموت تعني إنهياركل شيء وحتى الجدران الأربعة ولا يبقى هناك من شيء سوى أسئلة بالغة الكبر، جديدة ، تقرض في النفس وتشعل حريق خوف يصعب دحره. خوف جنوني. وفي هذا النص يتكلم شيستوف عن الوحدة إلا أنه ينعتها بالبناءة : في هذه الوحدة ، الوحدة في المدينة ، وسط عائلة كبيرة ومعارف ، الوحدة التي لايمكن أبدا أن تكون أكبر لا في قعرالبحر ولا تحت الأرض حيث من غير الممكن أبدا عمل أي شيء ...

*

كتابه الثاني صدر في عام 1900 الذي رحل نيتشه فيه أيضا. كان بعنوان ( مفهوم الخيرعند الكونت تولستوي وف. نيتشه. الفلسفة والوعظ ). ولقى القبول لدى النقاد والقراء. في عام 1903 جاء الكتاب التالي ( دوستويفسكي ونيتشه. فلسفة التراجيديا ) ويعد أشهر كتبه وأكثرها إنتشارا. إنه دراسة مثيرة للقلق واليأس لدى الروسي و لألماني على ضوء الأخلاقيات والروح. يتكلم شيستوف هنا عن اليأس وتابعه القلق اللذين يدفعان الإنسان في متاهة الوحدة. فما على الإنسان إلا أن يترك ما أعتاد عليه ، يبتعد عن أقرب الناس إليه ، والتوجه الى صحراء الوحدة. عليه المضي رغم أنه لا يعرف الوجهة ولا المصير. نقاد وجدوا أن شيستوف يفرّق في الكتاب بين منطقتي العادي والتراجيدي. الأولى تخص الموقف الذي يتقبله الإنسان تحت تأثير التقاليد والأخلاق والفلسفة العلمية بل العلم نفسه عند خضوع العقل له ، إنه عالم مشبع باللوغوس ، عالم عقلاني يشمل كل شيء وفيه حصل فصل باتر للوجود عن اللاوجود ، الحقيقة عن الزيف بل الخير عن الشر. ففي هذا العالم لايحدث شيء مخالف لقوانين العقل ، ولامكان هنا للمصادفة أو ... للحرية. غير أن الحال أخرى في منطقة التراجيدي التي لاوجود فيها لأي قانون من العالم الأول - العادي والطبيعي. الإنسان التراجيدي مرغم هنا على رفض كل قوانين العلم ، والأخلاقيات والفلسفة ومعها فروض ما يسمى بالعقل السليم. عليه قبول أن التجربة التراجيدية التي كتب عليه دخولها بمقدورها تدمير كامل كيان الفكر العقلاني الذي يُبنى منذ ألفى سنة ، وفي كل الأحوال أكثر من ألف سنة. المهم أنه ليس الإنسان من يدخل منطقة التراجيدي ويبحث عن مصدر هذه التجربة بل تأتي التراجيديا إليه وتقوم بتدميره ، بدفعه الى ما تحت الأرض حيث لا رجعة من هناك رغم الحنين الى الحالة الطبيعية. واضح أن شيستوف إعتمد هنا على أعمال نيتشه ودوستويفسكي إلا أن هذا لايعني بأنه لم يقم إلا بإستعراض مواقف الإثنين ، بل نحن أمام عمل هادف تفسيرهما وفق المفاهيم الشيستوفية.

*
في عام 1905 صدر كتاب شيستوف ( تأليه اللايقين ). وأثار غضب الإنتلجنسيا الروسية التي آمنت أكثريتها بالعقل والعلم. بالفعل كان الكتاب صدمة وفضيحة في زمنه. صيغته مستفِزة أيضا : مقاطع لاروابط ظاهرية بينها ، وإنتشرت فيه الشذرات والحكم والأمثال والأقوال المأثورة وغيرها. فيه كان كاسحا هجوم شيستوف على الذرائعية والروح العلمية. برأيه أن ما يدمر الفكرة الحيّة والحقيقية ما أسماه ب( الفكر ة العامة ). وفي الحقيقة شمل الهجوم المنطقَ والفلسفة العلمية ونظرية المعرفة أيضا. وجد شيستوف أن الفلسفة حاولت أن ( تفهم ) الواقع وليس التعرف عليه ، أي أن الغرض من ذلك ( الفهم ) حشرُ ما هو غير معروف في ماهو معروف ، ومن ثم تقليص منطقة الصدفية ودفعها في منطقة الجبرية / الضرورة ، وبذلك تقييد تجربة الإنسان وقصرها على ما يخضع للصيغة المنطقية. ويطرح شيستوف في الكتاب مفهومه الخاص عن الفلسفة : عليها أن تكون لا دوغمائية ، لا منهجية بل تناقضية ، فننتازية ، متشككة لا تترك السؤال أبدا وتنضح قلقا وباحثة بدون كلل...




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: