أدب فن: 9 - ضد اليوميات / 2010 9 - ضد اليوميات / 2010 ================================================================================ عدنان المبارك on 14/ 8/ 2010 وجدت نفسي أقترب فجأة من تلك الحالة الملائكية : خلو البال و... بعيدا عن عذاب الكتابة أو القراءة ( لا أعرف لم يقال إن القراءة متعة. قد تكون كذلك لمن يريد قتل الوقت بهذه الطريقة غيرالصحية للعقل والحدس خاصة ). أقول ( اقترب ) و ليس ( أصل ). الفارق أكبر من كبير بين الفعلين، فكل أمر ممكن حدوثه قبل الوصول. وحدث فعلا : حشي البال بالأشباح والقوارض والمسامير الصغيرة التي هي ، شأن الأخرى ، حادة النهايات. فعندما أقتربت إمتدت يدي بصورة عفوية الى دفتري الملقى على الطاولة جنب الحاسوب ومسجل الصوت. أخطات اليد وراحت الى الدفتر وليس الى المسجل. عرفت حينها أن البال سيعود الى حاله المعهودة ، ومن جديد سيطفح بكل وحول العقاب على ذنوب مجهولة ، والتي يعرفها وليس منذ اليوم . مرة أخرى صح التوقع : فتحت الدفتر لا على التعيين ، واملي هنا أن أعثر على صفحتين غير مكتوبتين ، لكنهما كانتا مملوءتين بالملاحظات و الإقتباسات والجمل المبتورة ورؤوس الأقلام. سطور إستوقفتني. أردت التظاهر بأني لا أراها - لم أقدر على التظاهر بعدم معرفتها - لكن العين عنودة وبقيت تحملق فيها. لجأت الى المراوغة : راحت اليد الى المسجل هذه المرة وضغطت على الزر: السماء إنشقت مرة أخرى في ذلك الصباح وهبط باخ مصحوبا بجوقة من الملائكة الضاحكين هذه المرة ( مرة وجدته قد هبط بصحبة إله آخر أيضا ، إله أكثر حكمة ورأفة بهذا اللبون الذي لا أعرف لما أسمى نفسه بالعاقل... ) : ( فايلون كونسرتوس ) بتلك الأليغروات و الأداغيوات واللارغوات و البريستوات والأندراتيات. أنا موقن بأنها ليست من صنع بشري. أوه ، إنها ليست بتلك المتعة التي أتفقوا على أنها لابد أن تكون هكذا - بشرية مربوطة بحواسهم حسب وليس بأخرى تسري في الجسم حين تلمس عصا باخ السحرية كتفي وتحدث أعجوبة ( كن فيكون )... لكن ما قصة تلك السطور ؟ بينها شذرات لسيوران الذي تزداد خشيتي من صداقتة ، فأنا إنسان يكبر ضعفه بلا توقف. ولولا كلامه عن باخ لتضاعف الخوف من كل المهاوي التي يقف عند أجرافها كل يوم موجها دعوته الى الكل للدخول / السقوط ... كتابه De l'inconvénient d'être né ."TheTrouble With Being Born",Gallimard 1973 (وقد تكون ترجمته : متاعب أن تكون قد ولدت/ متاعب أن يكون الإنسان قد ولد / عناء أني قد ولدت / وإلى آخره ) ، هو مجموعة باهرة من الشذرات السيورانية. في تلك السطور كنت قد دوّنت الشذرة الأولى من الكتاب : ( الساعة الثالثة ليلا ، تمر ثانية واحدة ، تمر التالية. أعدُّ كل دقيقة. ما هو السبب ؟ - هو حقيقة أني قد ولدت. للتشكيك بمعنى الولادة مصدره في الأرق الذي هو من نوع خاص ). الثانية كانت عن الأرق ( نعتوا سيوران بنبي الأرق ) : أيّ شيء هو الصلب مرة واحدة إذا قورن بالصلب اليومي الذي يعذّب المصاب بالأرق ؟ الثالثة : منذ وجودي في العالم - تبدو لي هذه الكلمات مليئة بمعنى مرهب الى حد لا يطاق. للأرق حروبه معي. لكنها خاطفة. وكما يبدو قائمة بيننا هدنة شبه دائمة. قناعتي كبيرة بها وإلا لوقعت تحت وطأة هذا الصليب المصنوع من حجر هو الأكثر ثقلا وصلادة. عدا الأرق يجمعني الكثير بسيوران. أعترف بأنه هو من عمّق شعوري بغربتي الكونية ، وأكد على أن القضية الكبرى ليست في كل هذه الفقاعات التي يواصل الإنسان ، ومنذ أن صعد فوق تلك الحلقة المفقودة ، نفخها ، وأكبرها التأريخ وأساطيره الحقيقية منها وغير الحقيقية ، بل هناك الوجود القائم على مصادفة كونية ، التوتر الأزلي بين الله والإنسان ، بين الذات والشيء ، بين الذات والأخرى ، بين العقل والحدس ، بين المعقول واللامعقول ، بين الوجود واللاوجود ... أعترف بأن خوفي بالغ الكبر من إنعدام المعرفة ( في الحقيقة خوفي أشد من معرفتنا الناقصة ) رغم أنها ، وكما يقول سيوران ، الأساس لكل شيء ، فالجهل هو خالق كل شيء ، إنه فعل يتكرر في كل لحظة ويتحكم بهذا العالم ، بل بكل عالم آخر و لأنه يجد ، على الدوام ، ما هو غير فعلي فعليا. إذن إنعدام المعرفة خطأ فاحش يخدم ، كأساس ٍ ، جميع حقائقنا ، ولأن الجهل هو الأقدم والأكبر سطوة من كل الآلهة بلا إستثناء... وجد سيوران أن مراقبة التقدم في العمر ميزة جيدة لايمكن التشكيك بها ، التقدم هنا تلك العملية البطيئة والمنهجية ، عملية التدهور/ السقوط degringolade التي تتعرض لها أجهزة الجسم حين تأخذ كلها ب( التلف ) الذي هو ظاهر في بعضها ، وفي بعضها الأخر يعمل مثل ماء الجرف : خفية كما اللص والمتآمر. الكثير هنا ينسلخ عن الجسم وكما ينفصل الجسم عنا : إنه ينفلت ، يهرب ، و يكف عن أن يكون عائدا لنا. كلها أفعال لا يمكن أن نشي بها ولا وقفها وليس بمقدور أي أحد أن يصل الى إتفاق معها تماما مثل إستحالة عقد إتفاق طويل الأمد أو قصيره مع الموت. في الحقيقة يكون مصطلح التقدم في العمر مجازيا ، متفقا عليه ، فبالضبط لا يعرف متي يشيخ الإنسان. عموما لا تعريف هناك لهذه العملية. يفيد العلم بأن الضعف التدريجي للقدرة الجسمية يبدأ في عمر ال35 . هل حينها تبدأ الشيخوخة الظاهرية ؟ ... أعود الى سيوران القائل ساخرا : الشيخوخة يمكن تحملها بفضل الغبطة التي ترافقنا حين نرقب من آمنوا بنا وهم يرحلون واحدا بعد آخر ، ومن لن نقدر بعد على أن نخيب أمالهم. إلا أن آينشتاين كان أكثر ( واقعية ) حين قال بأن الموت يكون إنقاذا للإنسان الذي يعاني من وطأة السنين. أنا نفسي قد شخت وبدأت أعامل الموت كدَين متأخر حان ، في الأخير ، موعد سداده. لكننا غرزيا نحاول ، بأي ثمن ، تأخير لحظة السداد. إنها لعبة تجرنا إليها الطبيعة... لكن قولا آخر له أعجبني أكثر : أنا راض رغم تقدمي في العمر. لا أزال أتمتع بمزاج طيب ولا أعامل نفسي ولا الناس بصورة جادة. قرأت مرة قولا لهمنغوي يبدو منطقيا عند تذكر نهاية هذا الكاتب الذي كان رمزا لقوتي الإنسان الفيزيقية والنفسية : ( الإنسان لا يزداد حكمة في الشيخوخة بل يصبح أكثر حذرا ). كانت نهاية همنغوي منطقية حين أنكر إزدياد الحكمة لكنه ناقض المقولة الثانية عن إزدياد الحذر. المهم هنا ليس المنطق الذي يحمل دائما ، كما قال دوستويفسكي ، بذرة الملل... أما الخرف الذي يسمى أيضا بالطفولة الثانية second childhood ، فقال غيته عنه بأنه لايعيدنا الى زمن الطفولة بل يكتشف فينا أطفالا لا يزالوا حقيقيين. كان سقراط القائل بأن في الشتاء هناك حاجة الى اللباس الدافيء ، وفي الشيخوخة الى خلو الهموم . المفارقة هنا أن هموم فيلسوفنا كانت كثيرة في شيخوخته وحتى أنه بحث عن أخرى وهو في عمر السبعين ، وعثر عليها ... فيسوافا شيمبورسكا ( 87 سنة ) كتبت مرة : فينا الدهون والأعصاب والعروق والغدد المخاطية. لكن حرمنا من بلاهة الكمال... كما فهمتُ : شاعرتنا تطمح هنا بالكمال ولا تطمح. في كل الأحوال تفضل البقاء مع هذا الجسد الذي يفني كل يوم ، فهو ( عتلة ) وجودها... أعود الى سيوران ( زرادشت الذي لم يسمعه الكثيرون ) : لنقل ما نشاء ، لكن الموت هو أحسن الأمور التي إخترعتها الطبيعة كي ترضي الجميع . مع كل واحد منا يختفي كل شيء ويكف عن الوجود الى الأبد. لكم هو من إمتياز ، ولكم هو من سوء إستغلال ! فمن دون أي جهد من طرفنا نتصرف نحن بالكون ، ونجرّه معنا في العدم . الموت dying هو شيء لا أخلاقي ومن دون أيّ نقاش ! جاءتني الآن رغبة لاتقاوم في أن أغلق ملف الموت هذا. لا أعرف كيف إنتقل البصر الى آخر الكلمات التي دوّنتها في أسفل إحدى تينك الصفحتين المسوّدتين . كانت الأولى لجيوفاني جياكومو كازانوفا : ( في كل إنسان يكمن ثلاثة : واحد يتكلم ، وثان يستمع ، وثالث يعرف كيف يصمت ). للباقية لاعلاقة مباشرة بالشيخوخة والموت أيضا : - حتى القرود تسقط من على الأشجار. - يمكن للأدب والفن أن يكونا جماهيريين لكن بشرط أن يكونا عاديين. - طالما يوجد الملحدون يملك الرب الفرصة في أن يكون مذكورا - الألم ، وكما يبدو ، هو أكبر عدو للفضيلة . - شأن الكثير من الأحياء يجمع الإنسان ، آليا ، المواد طوال حياته ثم يفقدها. - عصرنا يتميز بوحدة خاصة فكرية يغذيها الحوار بين الفن والعلم ، والذي يسهل عدم الإنتباه اليه إذا حصل التخصص البحثي. المقصود هو الأدب السبرنتيكي. ( دافيد بورش : The Soft Machine. Cybernetic Fiction 1985 ) - ليس الفاعل subject من ينطق باللغة بل اللغة تنطق بالفاعل. - العمل الفني المعاصر ماكنة ويعمل كماكنة. - سايران كارسون الأيرلندي كتب قصيدة ( اللغة الثانية ) ، وكان قصده أن اللغة ليست وجودا مستمرا بل عملية متواصلة للتغلغل وخلق طبقات للغات الأخرى ، الأجنبية. باندهولم - آب / أوغست 2010