8 – ضد اليوميات / 2010
عدنان المبارك
- العزيز حسن بلاسم إنفعل ، وعلى أكبر إحتمال ليس قليلا ، حين أخبرته بأني سأكتب عن فيليب لاركن وأترجم له. والآن آمل أن لا يبتعد هذا النص كثيرا عما كان يتوقعه صديقي ...
مسك فيليب لاركن (1922- 1985 )، وهو طفل مرعب آخر للشعر، بتلابيب القنوط واليأس ، بل العدم وفق تهمة هذا وذاك. وأين مسك ؟ في الطبيعي والعادي والمألوف وكل ما هو (على ما يرام ). صحفي أبدى إستغرابه من أن الشاعر لاركن ، يحيا بمثل هذه الرتابة ، رتابة حياة موظف مكتبة من الأقاليم. سأله لاركن : وأيّ شيء توقعته ؟ أن يقاتل الشعراء الأتنة ؟ أكيد أنه ليس ذنب لاركن في أنه لا توجد أتنة هناك في كوفنتري مسقط رأسه. لاشيء هناك غير( الخدر الروتيني ) للحياة وغرابتها كظاهرة كونية. كان مراقبا ونادبا لكن ليس بالصورة المباشرة لما يمكن تسميته ب( الواقع المُجزَّأ ) ، فهو قريب وبعيد عن إليوت وييتس وبقية المحدثين : القرب هو في النظرة الى الإثنين : الداخل والخارج على السواء ، والبعد في تلك اللامباشرة ، في التفرغ للعاديات والتوافه كرموزمقرفة لمحيط الإنسان. إنه الضجر ، إله المدن وضواحيها الصناعية بشكل خاص...
يلاحق لاركن العبث في كل فعل ، أي في لا جمود الجمود ، في ألبوم الصور الملقى على التلفاز، في الأمهات اللواتي يرقبن أطفالهن اللاعبين في الساحة ، في الرجال المرتدين بذلاتهم كاملة والذين يدققون في شؤون يومهم. بإختصار : لاركن هو إليوت لكن بعينين من زمن آخر. جاءته مختلف النعوت : مُجهِز على المشاعر الرهيفة ، فيلسوف للثقافة تنهشه الريبة ، الإستفزاز مذهبه ، وثائقي بالغ الحساسية ، بالطبع هناك تلك النعوت التقليدية :هازيء ، كلبي ، ساخر وحتى من نفسه... وهناك من وجده من الحكماء أيضا لكن من صنف معين لا يكنّ أي توقير لما يسمى بالقيم الرفيعة التي تُعتبر بأنها على حق دائما. ومن هنا التهمة التقليدية : نسبيته الأخلاقية المزعومة. في الواقع لم يفعل لاركن شيئا سوى أمر واحد : شكك بتلك القيم التي يمليها ما يسمى بالعقل السليم عند التعامل مع الواقع. إنه ذلك المرتاب الكبير بمبررات وجود الإنسان في هذا العالم الذي وجده ذا بنية لا يحسد عليها. لاركن يتكلم عن إنسان معيّن ، إنسان الحد الأدنى ، المحصور في أطر ضيقة لحياة لا تُعرف ماهيتها الحقيقية بالضبط ، وهنا يبدو شاعرنا وكأنه يراقب الخارج من ثقب الباب أو بالأحرى من نافذة قطاريمرق في الضواحي ، بعبارة أخرى يغرم النقد بها : لاركن منفصل عن الواقع ( يقصدون هنا الواقع المباشر، المقولب بفعل الدين والحضارة...). وسيكون هذا الحكم صحيحا إذا صيغ بشكل آخر : مراقب لوجود رمادي في واقع رمادي ، حالة تعليق حسّي ، فكري ، روحي ولكون الوعي لايقدر ، وربما لا يريد ، على منح العالم أيّ معنى. ، فضوؤه عقيم ، وليس ذاك المسمى واهب الحياة ، مثلا قصيدته المعروفة ( ماء ) :
لو إستدعوني
لخلق دين جديد
لإستفدتُ من الماء
التردد على الكنيسة
يتطلب الخوض في بركة ماء
صوب لباس آخر جاف
ولإستخدم طقسي الديني
صور التغطيس
مطرا غزيرا تعبديا
ولحملتُ الى الشرق
قدح ماء حيث الضوء
يسقط في أيّ زاوية
ولتجمَّع بلا نهاية.
ومجاز الضوء نلقاه أيضا في قصيدة ( نوافذ عالية ) من ديوانه المعروف الذي يحمل الإسم نفسه : ( الزرقة العميقة للهواء تظهر / اللاشيء الذي ليس موجودا في أيّ مكان- وإلى ما لانهاية ). بعبارة أخرى : لاشيء هناك سوى خواء مُضاء . هناك من تساءل وهومستاء : إذن التأريخ محض بالون هواء مضاء ؟! بالنسبة لي : ليس التأريخ بمكان للعبادة بل ولاهو من دواعي الفخر...
في قصيدة ( خطوات حزينة ) ثمة كشف قاس ل( لامعنى ) الطبيعة ، لفقدان أي غائية. ولا ينقاد لاركن هنا الى إغراءات النموذج التقليدي / الرومانسي في تلقي الطبيعة. صحيح أن حواسه تنقاد الى ( غرابة ) الطبيعة إلا أن ( صدفية ) كل ما رآه ، بعد التبول ، يبقى هو بيت القصيد :
بعد التبول وعند العودة عبر الغرفة متثاقلا ومتحسسا الطريق في الظلام الى الفراش ، أزيح ُ الستائر وتحصل مفاجأة : قمر صاف ، حزمة غيوم. الرابعة . تحت سماء بلا قعر وعرّتها الريح تلقي قمم الأشجار ظلا حادا. هناك شيء مسّر في هذه الخطوة المسرعة التي ينفلت بها القمرعبر الغيوم المتناثرة - حشد من أدخنة المدافع - عاليا فوق البيوت ، حيث تُقطع بوهج حجري حوافُ
السطوح ، يواصل البقاء نوط الميلانخوليا !
هذا العبثي، المنفصل ، البصير
من كل مكان - كبسولة العاطفة ، هذا الثمين ، الضخم ،
أوه يا فرق الإنشاد االعاوية ، فرق ذئاب الذاكرة ! ،
حين ترفع العيون ترتجف قليلا
هذه الصلابة ، الواضحة ، البسيطة وبعيدة النظر
إنفتاح عين تحدق فينا بشدة ، يثير الذكرى ،
ولكم هو الشباب مؤلم وقوي -
لاعودة له اليوم ، إنه غير بصير
لكن لايزال أقل بأسا في الآخرين ، هناك بعيدا.
وللاركن موقفه من اللغة. لم يثق بها أبدا. فهي لاتقوم ، وفقه ، إلا بتجريد الحياة من كل سلاح كي لا يبقى هناك سوى شكل فارغ متمثل بالكلمات التي لا إحالات لها ، ومهمتها خلق وهم النظام والدقة. كان إنقلابيا إزاءاللغة. لم يكن شعره من الإثارات اللغوية أو من الفتوحات : مجرد تسجيل شفاف نسبيا لأحوال الحدس الوجودي. لكنه إفتقر الى التكامل. أكيد أن هذا حصل عن عمد. فقد كان هاجس لاركن مواصلة الإنحراف عن سبل الشعر المطروقة. هناك أيضاعلامات الطريق للتجمع الأدبي الصغير المسمى ( الحركة ) الذي كان لاركن نجمه سوية مع كنغسلي آميز ودونالد ديفيز وآخرين : الملموس ، الشيئية ، السخرية ، خلق الصلات مع المتلقي الذي ، كما قال لاركن ، فقد الشعراء الصلة معه أو إن لا أحد يقرأ الشعر ، وحتى لو قرأه لما فهم شيئا فيه ولما شعر بمتعة القراءة. ولاركن هنا في ذروة قنوطه. فعصرنا مغرم بتسطيح الحواس والعقل بل رمى الحدس في سلة المهملات. إنه زمن القطعنة الإستهلاكية والمتعرية بأردأ السبل ، زمن العهر الألكتروني وإغتصاب الفن بإسم الفن ، زمن كهوفية جديدة...
قيل عن لاركن بأنه يمثل بخل الحواس / العواطف التي أخضعها لعمليات جراحية قاسية ثم قام بتجفيفها. وكل هذا لا يحصل بمعونة المنطق والتحليل العقلي دائما. فلاركن مغرم بالثنائي : المعنى واللامعنى، الحضورفي الزمن البشري والغياب عنه ( كلمته المعروفة : لاشيء ، تماما كما لو كان هناك شيء قد يحدث في مكان آخر. أو : „ أن لاتملك إبنا ولا زوجة / ولا بيتا ، ولا أرضا / لا تزال قضيةً مدرَكةً / طبيعيةً / ولاشيء سوى الخدر / وأثر الصدمة الضبابي ، إذن كثير كهذا مقد قد ضُيّع من الحياة / مثل هذا البعد عن الاخرين " ) لاركن يفضح أوهام الإنسان في كل مناطق وجوده . أعجبني نعت سيموس هيني للاركن ، في إحدى قصائده : هومكتبيٌّ هبط عليه الشعر في زمن ما. أي أن موظف المكتبة هذا يخلق الشعر بعد عملهالروتيني. لاشيء يدعو الى الإستغراب ، وكان ديلان توماس على إتفاق هنا : ( كان رأيي على الدوام أن وظيفة دائمة لا تضر بالشعر أبدا ). المفارقة أن توماس نفسه لم يأخذ في حياته بهذا الرأي ! واضح أن شعر لاركن هو خلطة فريدة للتعارضات : الشكوكية - الإعجاب النهم بالعالم ، الإحباط - التوكيد ، كره البشر - الإيثار ، الألحاد - الروحانية العميقة ، السخرية والوعي ببؤس الوجود - قبول العالم كما هو : معدوم الروح ، بائس ، مبن على الصغائر. ولم يتردد لاركن في أن يفتح جبهة أخرى في شعره مصوبا نيرانه الى ممثلي الرياء البشري حين يخص الأمر تلك الأبعاد ( المسكوت عنها ) من الوجود : الجنس ، الفيزيولوجي ، الوعي بأننا نموت جميعا. لاركن المكتبي كره الروح المدينية وذهنيتها التي محرّكها الكذب والإدعاء. عمل لبضعة عقود في مكتبة جامعية. لم يتزوج أبدا ، ومن هنا كانت الأقاويل عن مثليته المزعومة ، أكيد أنه تكلم كثيرا عن حياته ك( بصّاص ) ، وحيد ، محروم من الجاذبية الذكورية ، والأكيد أن الكثير من أشعاره لا تبتعد عن كونها إعترافات في مثل هذه الأبعاد. لكن المهم ، وفي كل هذه الأمكنة وغيرها ، هو الفن ( كرسي فان غوغ أو حذاؤه ليسا مجرد كرسي وحذاء بل هما بورتريهان صادقان لهذا الفنان... ). إختص لاركن في وضع عدسته المكبِّرة على الجانب غير المثير من الوجود ، على الرمادي وعادية الحياة اليومية. من ناحية أخرى أكد على أن الوجود يتكون أيضا من كل هذه الرماديات مما لا يعني الإنقياد لها. وهو ينصح الآخرين في قصيدته ( وليكن شعرا ) : تنيككَ ماما وبابا ، الإثنان على السواء .
وليسا عامدين ، لكنهما يفعلان ذلك.
ملؤك أخطاؤهم
مضافا إليها أخرى ، خصيصا لك.
وبالدور هما قد نِيكا أيضا
من قبل الحمقى بقبعاتهم العالية ومعاطفهم
مثيري الغثيان هؤلاء لنصف الوقت
وفي النصف الثاني يريد واحدهم محق الآخر.
ينقل الإنسان للإنسان مثل هذا اليأس.
اليأس الذي هو مثل جرف ساحلي يبحث عن القاع .
لاتنتظرْ ، إهربْ بأسرع ما يمكن ،
ولاتخلّف أيَّ أطفال. شاعت تسميتة عالم لاركن الشعري ببشره ورماديته ، ب( Larkinland البلاد اللاركنية ) ، إنها ذلك الجزء من العالم والذي أنزلت مرتبته وغاص في الإنحطاط ، وحكم عليه بأن لا يكون من عوالم الدرجة الأولى. بالفعل ، فلاركن يقوم هنا بتسجيل موضوعي ، كما المحاسب الأمين الماسك دفاتره ، لمراقباته اليومية التي يدعمها بحدسه الميتافيزيقي أيضا. وفي رسالة الى صديق يكتب : ... الشعر ( وعلى الأقل في حالتي ) شبيه بمحاولة تذكر لحن منس. وكل التصحيحات هي محاولة الإقتراب من هذا اللحن المنسي. الشعر يولد ولأن الشاعر يواجه رؤيا - تستمر لثانية واحدة أو أقل - و يجهد في التعبير عن الكل الذي هو مقطع من الرؤيا. أو أنه يسعى الى التعبير عن الرؤيا ، وكان بليك محظوظا : " لا أجرؤ على التظاهر بأني شخص هو أكثر من سكرتير : فالمؤلفون يسكنون الأبدية ) ، ويضيف : " كتبت هذه القصيدة تحت الإملاء ... بل رغم إرادتي ". بقي هو على إتصال دائم بالرؤيا. ويذكر شيللي في مقاله ( دفاعا عن الشعر ) أنه وحتى أكبر شعر هو جيد بمقدار العُشر أو أقل ، مما أحس به الشاعر حقا أو تخيّله. وكان للورنس ( شيطانه ) الذي تكلم من خلاله . إذن عندما أكتب : حين تطير ورقة الشجر خافقة
محمولة بالريح من الخرائب تحت سماء من رصاص ، وتشرين الثاني المتأخر يبتل في المطر الأسود ، أقف أنا أمام النافذة العالية وأنظر كيف الغيوم في تشنج القلق ترتجف فوق الشارع والمدرسة والنهر والحقل لا أحاول محاكاة أودين ، أنا أتقافز بين الأصوات والترابطات التي تعبّر بأحسن صورة عن الرؤيا الأصلية. ويحصل هذا بصورة حدسية وسرّية esoteric . لذا لا يفكر الشاعر أبدا بالقاريء. ولماذا عليه أن يفكر به ؟ فهذا لن يظهر أبدا في الشعر... كان محقا من قال : إذا أردت التفكير بالأدب كنشاط يبدل حياتنا ينبغي قراءة لاركن مع الإستعداد لمعارضته وإنقاذ نفسك منه. فأنت تقاتل من أجل نفسك حين تستمع ، بإنتباه ، غائصا في البوتقة السوداء لكن المُحرِقة ، بوتقة شعره ، وحين تعثر في النفس على يأسه عليك التذكر بأن اليأس ليس هو كل شيء... باندهولم - تموز / يوليو 2010


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك