أدب فن: أنينُ الحِكَاية أنينُ الحِكَاية ================================================================================ ناجي البدوي on 05/ 3/ 2010 * (الشِّراء القَدَرِي للمُستَطَاعَات....) ثمة الرغبة الأولية لــ (ود ابن آدم) في بَعْثَرة مُستطاعاته، باحثاً عن مفاتيح أو أبواب خيالية، خالية، ومُحتملة لسيرورة حياته ونُفَاخِه الأليم، الأبدي بالسؤال. لكنَّ عقرب المجهول تتصيَّدُ أصابعه، في عتمة المجهول ذاتها، كلما تَلمَّسَ، كلما بحث مستكشفاً، فيغيبُ عن مفاتيحه و اقفاله، وتضلُّ رغبته عن احداثياتها وما لم يتوقَّع. مدفوعاً بالأغراض والغايات وما لم يُعَرَّف من قبل، يُخلخلُ القلقُ الجهة المظلمة، التي وقعت في السُّرعان النَّفسِي لعينه. ما الذي يترقرقُ عارياً بعينه ويُلزِمه بسبيلٍ ما؛ يستطيلُ معتما داخله؟. يجترحُ حلماً ما. يُغادر الجَلَبَة في جسده، حسير المعنى والتكوينات والتَّنقِيط، فيتعيَّن تيهٌ أهوجٌ عند عَصَب خطواتٍ بخطواته، تحتجبُ ملساء تحت نارِ ما انطَوى، لامتناهياً في أسئلته. فالمغادرة داخلية، ومن ثمَّ تبدأ القفزةُ شَعثَاء قُدَّام الجوهر. لكنَّه لا يستطيع التَّعرُّض ـــ في المُحَال الأوَّلِي لشخصه ــ للاعْتِمَالات البُنيَّة، المُمزِّقة لهيأة العمى. إذْ هو يتنقلُ من إحالةٍ إلى إحالةٍ في شخصه وطَبْعَاته المختلفة. من لامعنى لآخر. كلما تقدَّم في العمي؛ عماه وعمى العوالم، التي تُصفِّر منفردةً بازدواج قبالته. لأنه تَعيَّن امامه فظيعاً، السؤالُ المُفزع لعالمٍ، مُجْتزأ من حكايةٍ، مُقسَّمة بينه وبين العالم، وبين هيأة العمى داخله. كلما تَلَمَّسَ حلماً أومعنى. كلما ذابتِ الغيبوبةُ اليَدَوِيَّة لظنونه. هندسةٌ باسئلته تُلزِمُ بسبيلٍ خارج الصيغة المتواضع عليها، مَغبَّة العجز والتكرار. ذابَ جزءٌ منه، تائهاً في تجاويف معتمة من المعرفة. ليس ثمَّة طريق. ظلمةٌ ما تَتَهيَّأ في المخالب. ما يعوي هو الدليل على الحركات الداخلية، لبذرة السُّكون بالداخل، وما يعتملُ بوحشيةٍ هو مهبُّ الرؤيا. في كتاب (نُزهة المشتاق في ارتياد الآفاق/ للإدريسي)، ثمة زاوية نَظَر، حيَّة، لمسَاوَرة الخرائط بِنَفْس الكاتب. فالكاتب هو مَنْ قام بالمجازفة العارفة، ورَسَمَ خريطة العالم، أثناء تحديقة مظلمة بجسده، وبجسده التكويني المُعَرَّض. يَعْنِي. انتقل من ذاكرة ــ محدودة بضلال مكان ما؛ ( مدينة/ شارع/ مملكة/ ناحية أوجهة)؛ مُستقطع من المكان الذي يهجس به ويهجس، خارج الجغرافيا المدرسيَّة.ـــ الى ذاكرة الكُلِّي. مكانٌ باللغة والاشارة ليس منهما تحديداً. مكانٌ بالجسد يعتلُّ منتخباً عشبه الطوبوغرافي وسَدَنَة حرمانه. هل سؤال الأفق مَنْ دَفع للمغادرة؟. أحسبُ أنها مغادرة في (مَكَانات) داخلية وخارجية. مغادرة موطنية حسب دولوز. كأنَّما الخطوة بداخلي. فالكاتب في سُرعانٍ ما، كتب حكايته بغاية الكشف المحض، المُتَجَلِّي بمكانٍ ما؛ من نفسه وجسده خارج الحواس المدركة. وقد اشار هذا الإدريسي، بنحوٍ رآءٍ إلى تحريك سكونات خلاقة تحت سطور الكتاب. الكتاب الكُلِّي الذي لم يحدث ويعرِف حادساً، أنَّه يحدثُ بأحزان. كأنما الكتاب حدوثه أثناء هذا العالم. يحدثُ هو في كتاب. المجرَّة الداخلية كتاب. العين خلف العين البشرية كتاب. الجسد الأعمى كتاب. خلف النُّزْهَة حكاية، تخصُّ المتَنَزِّه بمكانٍ في السطور. في مدنٍ بالسطور، ليست المدن التي تمت رؤيتها، حسب السبيل الاجتماعي، وتتصاعد متماديةً في عبودياتها. المُتَنَزِّه المُنتقل بصيرورةِ اشواقه من مكانٍ بالمكان. يتخلَّى عن إرثه وهيأته مُترجِماً. من مكانٍ لمكانٍ بالشوق. على أيٍّ، يتوضَّح هناك، أنَّ الجغرافيا هي تقاطُع مجهولات، بما انبغى من تفكير في العمى وحدوسه، ومن ثمَّ ستتعيَّن الصيغة التي يتم خلالها سقاية الرآئي في الرؤيا، بالقرب من هيآته محروماً. الجهة المتحركة بجسدي. التي لم اعرفها من قبل. المعتم الفاتن الذي يَبْذِرُنِي ها الساعة بأرضه الدَّهرية وأُترجم. ليس إلا الحرمان؛ أحدهم يقول. استبدلُ ما سلف مِنِّي، مستدرجاً بقيَّتِي لمنطقة التغذية بدمعتي القاتمة. نُزوعٌ من نافذة لنافذة بلاجسد. نُزهات خرائطية. محضُ علامات تحت لسان التخمين. كأنَّ الواحد سويةً وتجهيزاته الحُلمية لعين الغد. الشِّراءُ؛ شراء ما استطعته مطلقاًً؛ ليس هو كأنْ اتناول جُرعَتِِي من الهزيمة، في مقابل شهوة الشِّراء ذاتها، التي من خلالها استحالت المنالات، فلم نقدر، ولم نجد في (مُبْتَغانا) ما يُشيرُ على الحصول: حصولنا الكُلِّي. رَحَّالةُ (مَكَانات) تَتخفَّى تحت هيآت لا تكتمل، لنعبرَ فرحانين هيأة البياض إلى الكتابة. محمد الصادق الحاج في كتابه (جناين الهندسة) يعبُرُ (هُناكات حُلميَّة). المدَوِّنُ مَنْ يعبُر. طريقٌ بِنَفَس المدوِّن مَنْ يعبُر. جسده الأعمى من يعبُر. الهُناك يلُوحُ ولا يتحقَّقُ؛ في صيرورةٍ دائمة. تُرجُمانُ ليس ليس، وإنَّما إنَّما غير المُتأكِّد. إذا كان الطريقُ هوخط؛ والخط مجموعةُ نقاط. انبغت مغادرة هذه النقاط كتَرسيمٍ ما؛ لحيثيات مبهمة، يجري خلالها تعريف الخطوة، على ضلالها في ذلك الطريق. فيصير التُّرجُمان حامل أوردة ورقية ومسارات. يتصيَّرُ من هناك إلى هناك ويُفاجأ. شبَّاكٌ مُدَوِّنٌ يتَأوَّه في اشراقاته المسُوخِيَّة. لحمٌ يتجرَّدُ من ملابس الصِّفات، خلفه تلهثُ كلماتٌ وناحية بالهُناك. فيعبرُ مناطقٌ مظلمة لم يعبرها المدَوِّنُ والصوتُ من قبل. تدوينُ الصيرورة في التمثيل العارم للرغبات وقولها. ( زُهاء العتمة). علاماتٌ في الكلام ترعي تكوينها لدى القارئ. لكن ما الهُناك؟. ثمَّة مسافةٌ ما؛ في هذه المفردة تُشير إلى عين المسافة داخل الهُناك، وعدم التَّحقُّق في حُلُم السُرعاني. مسافة بما يُوحي بمجموعة نقاط، أوخطوط يتعيَّن على وجود الشخص وعين الجُزئية قطعها. فالحركة هي توزيع الصيرورة في الخط والاقتراب بجسارة من تعيين الهُناك. لكنَّها (هُناكات) بما يُوحي بالهَيْنمة فوق الفراغات الموجودة بين نقطة وأخرى، بين هُناك وهُناك. نزوعات ضاربةٌ في خيال الهندسة والتسرِيْبيَّة. يجري السؤال البَدَهي عن ما يسَّاقطُ في هذه النُّزُوعات. وما يتركُ أثراً من حكاية في التقريب. ويجري في ذات الوجهة من التفكير حالٌ ما؛ غايته نسيان كل ما حَدَثَ وأُكتُسِب، الذي دفع الواحد ـــ وهل هو الواحدُ بالتحديد؟ ـــ لشراء مُستطاعاته، كتظهيرٍ لازم، بغاية الإمساك بالحصول الأولي للنظرة، في جسد هذا العالم المنشغل بتأسيساته، لو يستطيع. بين الوجهتين تَتَعَرَّفُ فوضى وعبء. ليس الفوضى والعبء خارج البشري، إنما داخل (مَطَامير) الثَّمانة ـــ(مِنْ ثََمِين) ــ غير المُتحقِّقة للمعرفة. كأنما الجهلُ شريكُ سرابات. ومن ثمَّ يكونُ الامتحانُ المذعورُ للاستجابة ــ استجابتي في (المَكَانات)، واستجابة هالة هذه (المَكَانات) لفوضى تجهيزاتي الحُلميَّة. أطوِّعُ استجابتي على طَعْمٍ مظلم، لم يصادفني بجسدي. واخرجُ عليها متمادياً في الخلخلة. مِنْ هناك إلى هناك حُلميٍّ، أتَصَيَّرُ مدعوكاً بطرف هلال التأثير. وهو ليس بالتأثير النَّحوي على أيَّة حال. يُشيرُ السهروردي الى بُغيةٍ ما؛ تتقاطع ونُزهات الإدريسي الخرائطيَّة. هي الوقوف بشوقٍ قبالة الحصولات. حصولي بمكانٍ أتلمَّسه باشتياقٍ، ويتلمَّسني أنا؛ الخارج على أنا وهُم التضامُنِيَّة؛ ورعاية التَّلمُّسات المشتاقة لجغرافيا هذه الحصولات، حصولي بمكان وحصولُ مكانٌ بكتلتي. تقفُ بشوق مُتلمِّساً. تقفُ المكاناتُ بشوق مُتلمِّسةً. ( زُهاء العتمة). هالاتُ (المكانات) تتخطَّى هالات الحركة في ما يسكُنُ بالداخل والخارج، غير البعيد عن مُرْحَاكَةْ التجربة. وهي هالات الحرية التي تنمو في التوزيعة الفاتنة، بين هالة (المكانات)، وهالة الشخص وهيآته المتَرجَمَة. الحكايةُ إذاً، هي حكايةُ إنصات هذه الانتقالات لعين الثَّمَانة، ومعاينة شيفرات الأقدار الداخلية للغة. وهي ليست اللغةُ كلام مَعْنِي بتحقُّقِه في الذاكرة وجيوب ما أستُبطِن وغُمِر، الخفيَّة. إنَّما هي لغة أولغات تُرجمانها حركةٌ ما، تقومُ بها العين في المغامرة؛ مغامرة الرؤيا ذاتها. إذا كان ثمَّة حركةٍ ما؛ (حركة سكونات أوسكونات حركة /التوحيدي)، ستنمو حكايةٌ ما، في ذاكرة الخطوة عند بداية الخط. الخط خارج التعبير النَّحوي للفصامات وعلاماته الجاهزة. وجبت مراقبة حركة النمو الداخلي للحكاية، وهي تَئنّ، وذلك بالدأب على انتخاب حدوساً بحدوسها. وهي تركض مبتعدة. وهي تَلْفَحُ الحنان والسَرْنَمة. لكن مَنْ يُقيمُ ببياضي ولا يتركُ أثراً؟. المراقبة هي مراقبةُ ما يختمرُ مختفياً، في الهدوء والضَّجر والملاكمات الطفليَّة لحمَّى المجهول. انزعُ مُنْزَرِعاُ في مجهول مظلم من التفكير. من جسدي الذي يُفكِّرُ حادساً. من حكايتي أنَا الذي اصارعُ أَرْضَةْ الصِّيغ والبِنْيَات والتضامن. فتَتَعيَّن المراقبة وتتم تعريتها، ومن ثمَّ استدراجها لغواية الكتابة. الشراء ليس من خارج، إنما من البعيد الداخلي المُتَمَنِّع، في مقابل تظهير الحدوس المستنفدة؛ حسب المُعتقد الاقتصادي للتظهير وصكوك المادِّي؛ والدخول في لمعان الحصولات بلا ثمن. لكنها حدوس، تغيبُ بحدوسٍ وانثيالات. ويدُ اللامرئيَّة تخفيها في التَّنسيق. الحكاية تنمو. لكن ما جذورها بجسدي وإن تَقَادَم؟ * (أنا فوقَ حَسْكَنيتٍ يَروِي...) الأفقُ عَارِم.. لزمَ تطويعُُ حكاية هذه الولادات، منذ وعي الشرط اللازم، لتعيين ما سبقَ من مغامرة الكتابة، التي لم تحدُث خارج الإنسان. لأنَّ الحكاية كلها، هي هذه الاجتراحة الفاتنة لعوالمه، وأيضاً هي الانتخاب الأعمى لعقدةٍ ما، حاولت الكتابة الإنسانية الاجتماع على غزوها بالتجربة. لكنَّ الحكاية تستريحُ في الداخل العميق، المطمور. كلما انتخبتَ أفقاً ليمتلئ، تُفاجأُ بالنُّقصان يطنُّ أمام ذُهَان المحاولة والاجتراح. كأنَّما هو اقتراضٌ ما، من حوانيتك السديمية، ريثما تدخلُ من بشرة الكتابة على العوالم العارمة قُدَّام السؤال. ليس الأفق المجازي، الذي كثيرا ما يصادف، عند أوَّل الباب. ولا التخمين الميِّت عن أشياء تُفْرِحُ بمفارقتها. ليس أنتَ ولا هُم. انما حكايتك القادرة، التي تُذَوِّبك في أسئلتها. حكايةٌ بصيروراتك تكاد تمسكُ بها، وسرعان ما تتفلَّت في الغياب والإحجام. حكايتك بين ليس ليس، إنَّما إنَّما غير المكتملة، وبلا مصادفات. الأفقُ وَعر.. بُغية تُمتحنُ الخيوطُ؛ خيوط حكاية هذا العالم، وكذلك حكاية الشخص وذاكرته، وما بينهما من نهب وتجريحات وخَلَل مفاجئ. أوحكايته في شَمَارَات هذا العالم وذهنه الكُلِّي. تَتَفرَّع وتَتَفرَّغ هذه الخطوط في مُجَابدةٍ أليمة، بين حدسٍ وحدس غير مُتَرجَم، بين خطِّ وخيط في الاقتطاع الهندسي لمعنى ما؛ يلتمعُ داكناً داخلك. والحكايةُ لا تَتَعرَّفُ وفقَ ما يمكن أن يستيقظ فجاءةً، من صور بدهيَّة. فالعينُ تَتخارجُ من مُجتزآتها إلى الكُلِّي ـــ كُلِّي السؤال والجدوى واللاجدوى أحياناً. أنصتُ حكاية. ليست حكاية الإنصات. أسقِي جذوري حكاية. أدخلُ بجسدي الأعمى على مياه خيالي حكاية. نُقَصانِي حكاية. أتجشَّأُ حجارةً حكاية. صدفتي حكاية. لزم خلعُ الهيآت الصيروريَّة. هيآتك التي صارتك وصِرتها، وفتح الحدس على لَهَبة الخيميائي (المِصَنْقِر) داخلك أيضاً. ومن ثمَّ رعاية الصور المحمولة على أكتاف عتَّالة الباطن، والدخول على عنفواناتك، بغاية الكشف والمعرفة والازالة. صحراويُّوك يتناهبون السراب، عتادهم الدُّنيا والخطوات وما زال في الحماية. لَزَمَتْ مغادرةُ مكانك بالعمى، ومن ثمَّ تَجريب المستطاعات المحتملة لحدوسك، في هذه المغادرة، والغياب شيئاً، عن ما استقطعته من حكايتك الحميمة. فَرِفقَاً بالثَّمانة، إنها وحيدُكَ بنظرتي. في تجويفٍ ما من وجودنا، يسيلُ جُرحُ الشَّريك وسؤاله بينَ امتدادات مكانٍ ما، بمَعنانا ونحنُ شركاء. لكن مَنْ هو الشريك في هَوْجَةِ تيهنا الباطني، وأثناء قبضة الواحد وشخصه، على أملٍ قليل سرعان ما يتلَف؟ وكيفَ يدخلُ هذا الشريك ضمن تعريفنا لـ (مَكَانات) الألفة، التي تَتَصَيَّرُ داخلنا بوجوده، من سؤالٍ إلى سؤال في جُزئنا، الذ ي يمتثل ويستجيب، حانياً على ذوق مشترك وجسد مشترك، وما يلوحُ ويحلُم ويُتَوَقَّع ؟. مَشْلَعَيبْ طَبْعَتنا الصِّفْرِي الشَّرِيك. ما خيالاته وما الحدوس التي تنتظره، وقد تَتَعفَّن وتصيرُ برَّاقة بلاجدوى. ثمَّة عقل فاتن مُقسَّمٌ بين عقلين: العقل الزراعي والعقل الصحراوي. وهو محل خيالات اللانهاية ومهب ولاداتها، في الشخص وتذويباته الهائمة؛ لحواف وجوده، وما ينهار به، خلال هذه التّذويبات. فتحدث الانجذابة والسؤال في اللَّملمة الحميمة للنفس، أثناء انزلاقها بذلك العقل وتَقُومُ الصُّور. نعم. نَعْتَنِي بمحل خيالاتنا؛ وهي عنايةٌ بالمغادرات إلى جهةٍ، تنتخبُ أفقاً لا يتأكد أبداً. ولأنَّ العقل الزراعي يَتَحَرَّكُ، بين إقامات ليست بالفاتنة. يجنح الشخص إلى العقل الصحراوي، المفتون بالمغادرات الضارية، إلى جهاتٍ في سِمة الأبد نفسه. وهو يفتن لأنه يرنو ويترجمُ البعيد، بالدفع خارج تأكيد الخطوة والمسافة والرغبات والهيأة واللغة. ولأنه هدمُ الثقة والاطمئنان على ما يتكوم من عَلُوْقْ السلطة، ليصفعها بحرج السؤال. الخلاء امتدادي الأرضي. أمتدادي بجسد الارض. ما يصادفني حلمُ يدورُ ويدور. كأنَّمَا أنَا نَازلٌ بمتاهتي، فيما هي تَنْزِلُنِي. شَوكَةُ حَسْكَنِيت تروي غيبوباتها بملابسي وتَعلَقُ بالتأثير. دخول الأرض عليَّ، وبيديها أليْمِي. ثمة خلاءات تحتقن كالولادة، وتُغذي المخيلة بالركض، وتصيحُ كالهناك بلسانٍ في الجسارة. وهي مفتوحةٌ على أفق العين، تسقي السؤال والمهب الدامع للإنساني. عقلُ الصَّحراوي في الذَّهاب، من لانهاية إلى مالانهاية أبدية، وبأسئلة. * (هَبَّة الفوضى على ستارةٍ تَتَعَرَّف...) الطريق. الطريقُ حذاءٌ، عينه ترعى في المسافة المُستقطعة من الكُلِّي. كلما تحزَّمتَ بالمغادرة ينمو الطريق، كأنما هو خلع هَيْآت للإنتقال من بوابة إلى بوابة في نُواة الأفق. انتقلُ من جسدي وبجسدي داخلياً. اخلعُ هيأتي في اللحظة التي اعرف فيها هيأتي ذاتها. أتَخَارَجُ منها منتقلاً من بوابةٍ بالبوابة. من طريقٍ بالطريق. الفنانُ بابن عربي ينتقلُ من هيأة لهيأة، من حرفٍ في الحرف، وليس له جسدٌ بالكلام ولا اللغة. ميَّتٌ باعضائه يكتبُ فتوحاته ويُترجمُ انْصَاتَةً. حينما يسردُ حكايةً ما، فهو يسردً الحكاية منتقلاً من هيأته قبل السرد وأثناءه. لكن ليس ثمَّة سرد ولا حكاية ولا معنى. العين وقد تخارجت من مُجْتَزَأ كثيف، إلى مُجْتَزَأ قيد الانصات ويتكثَّف بجسده الميِّت. وانتقالاته هي نواةُ بالترحيل المجرَّد. ترحيلُ ما انفتح في الصيرورة مباغتاً. اركض عبر نسيجِ هيآتي، حاملاً ما ظننته فأساً وكتاب. هي انتقالاتُ إشارةٍ لما وراءها من الغيب. انتقالاتٌ في الاشارة ذاتها وإن تَمَنَّعَت. أو هي الخطوة أثناء توزيع الحدوس على سجيَّة من يُغادر. لذا انبغت رعاية الفوضى، التي تداهم الشخص في دخيلته، لمَّا يبدأ في النمو جزءٌ باجزائه، مُُنتخبٌ من ما تستطيعه العين، خرساء بخيالاته. راعيةٌ تَتَعرَّفُ على ثَمَانَة نواحيها. العنايةُ بالمغادرة وفتح لهبة خيميائيك على ما يذوبُ بالذاكرة، بغاية امتحانه. تأثيث الوحشة واختراق حدودها بضلالاتٍ أرضية. ثمَّة (مَكانات) ترتخي حليقة في سُرعانك. وهي ليست (المَكَانات) تحديداً، التي تبدأ في التَّعرُف قُدّام رقصة الهَيْنَمة الجارحة، على إيقاع الجوهر. انما هي خدعة بديهية لعين الجسارة، فإذا استراح داخلها تصَوُّرك المخزي للوصُولات، كانت هذه (المَكَانات) حدودا،ً تُضللُّ الخطوات والهيآت المُخلَّعة والأبواب على حواف الطريق. لكن أيُّ بابٍ وأيُّ طريق. وليس ثمَّة مِن وصول؟. كلُّ عين، هي تأريخُ خيالٍ غير مستعمل في الجدَّة، التي يُفاجئ بها البشري تصوَّره عن البشري. وهنا يصيحُ الكمينُ ممازحاً حصولاته وهي تنهار فيما يعبر. وهنا يقفزُ من ورقةٍ لورقة بسَجَمْ رَمَادُوْ، تائهاً بأسى. إذ كل مراقبة تقوم بها النَّفس الحُرَّة ـــ وهل تكون سوى البوابة المؤدية لتحقُّق الفنان في إطلاقه ـــ هي الدأب على العناية المؤلمة بنبتة تيه الباطن الأسطوري. وهذا التيه؛ تيه أرضيين ليس في حسبانهم أدنى حصول، أوحدوسات مكتملة. الحرص على التَّلبية مراقبة. تلبية شيءٍ بخاتم الطريق. تلبيةُ جزءٍ بِلَحنِ العدمية. تقوم الحكايةُ بالعين، أثناء السؤال البدهي؛ ما العالم وما هذه (المَكَانات)؟. فنئنُّ في المجابهة الضارية للمعنى وتَوبيخات الطريق، غير الحريص على الكَومة، التي تَتَلاسنُ قرب أفقنا البعيد، المجهول، المعتم. كومةُ فُقداننا لاعضاءٍ بأعضائنا، وجُزئيات ونقاط عبرناها غير متأكدين وبلا أسف. الكُلِّيُّ يشير على القدم باتساعها، والخطوةُ في ما يلُوحُ جناح. لكن ما الذي تَتَقصاه صورةُ الفنان، في الدروب السِرِيَّة لنفوسنا! ولماذا هو الفَنَّان بالتحديد؟. بكُلِّ بَشَرِي فَنَّان، وإن تَقادَمَت صيغته وأُبتُذِلَ مخْفُوق الدلالة. لكن سَفَّايَةُ الزَّمن أدخَلَتْنَا مِرحاض الغياب، ظانيين أنَّه مكانُ ألْــ ( رَيْثَما) نُغادر. فلم نُغادر مطلقاً. على وجه التقريب أنها ـــ أي صورة الفنان ــ التَّجلي الفاتن للإنساني، في غيابه المرير خلف طيَّاتٍ، جرت العادة نسيان أنها طيَّات وتجاويف معتمة. بما يلزم المحاولة لكشفها والاقتراب منها بمباضع الجمال. الإنساني حَدوسٌ مؤلمة. هو الحدوس الجديدة، التي سرعان ما تلوحُ، فتهرّب عن العين التي اقتنصتها بالحال. أوهو الرجاء غير المستعمل، لعين البشري في البشري ذاته؛ (حسب صديقي بكري البقَّاري). أوهو ما لا يُعَرَّف إنما يحدثُ في الانجذابة غير المحسوبة، لما يَنْقُشُه الانساني من أفقٍ بِعَين الجَمَالات. وليس ثمة من لازمة بعدُ، لتَوجِيْه قوس السؤال ناحية الجرح الأملس: مَنْ هُوَ الفَنَّان؟ أمبدة ــ السودان خاص "أدب فن"