الرئيسية »  الـنـثـــر»  لحظةٌ كبيسة!

لحظةٌ كبيسة!

عدد مرات المشاهدة :561 - 05/ 2/ 2010

سامي العامري

لحظةٌ كبيسة!

  

نص من كتاب قصصي نثري شعري قادم (*)


لا يمكثُ إلاّ عُشٌّ مبنيٌّ
من رفرفةٍ وصداحْ
لا تمكث إلاّ الذكرى في الساحْ
كان البلبل فوق التينةِ
يتعجَّل ميقات الثمرِ
وكان صحابي
يعنيهم ما يخفي وأخفي ،
كنا كصديقين .
على ضفةٍ سائرةٍ
كبرَتْ ذكراها
فلثمتُ صداها
وسعيتُ إلى طاولةٍ
مثخنةٍ بالأقداح !
----

كنتُ في رحلة حياتي كمن يحمل حقيبة صغيرة على كتفه ويرتقي جبلاً ناشداً قمته
ومتحمساً تسوقه فكرة أو يلحُّ عليه هاجسٌ وكانت خطواتي وهي تنتقل من صخرة إلى أخرى صعوداً أشبه بدبيب الخمر أو كما تيار من اللذة يتدفق في شرايين الأرض صاعداً إلى قلبها ثم إلى الرأس .
أتنقلُ عبر محطات الحياة الصخرية كي أصل القمة وكم رأيتُ من البشر حولي يتساقطون تباعاً .
كان بعضهم يتقافزُ تقافزَ القرود فلفظتهُ الصخور
وكان بعضهم الآخر يتقافزُ تقافزَ الوعول
وهؤلاء كانوا نبلاء الروح تحفُّهم العزيمة فأعطوا كل ما في حقيبة حياتهم حتى نفد العمر لا الهمم .
وها أنا على مسافة عدة صخور وأبَلغُ السرَّ فكيف تخذلني الحياة وأنا وقودها ؟
قالت الراعية : لا عليكَ إن قست الأحداثُ أم لم تقسُ ...
قالتْ ذلك وهي تمسح عن جبهته عرقاً كان يتصبب كالدموع وتأسفت قائلة : ترى ماذا كنت ستفعل لو لم أكن أنا معك ؟
أجاب وقد عدَّل من جلسته على الحصير فوق العشب المشمس وهو ينظر إلى قطيعها المتسرب في خلايا المدى كالأنفاس المتلاحقة وربتَ على كتف الراعية بوهنٍٍ شاكراً لها قبولها بصحبته لها وأشار بإصبعه : كما ذلك الجدي كانت أيامي في مرحها ...
لا تظني أني ضحية ندم .
وهنا طلبتْ منه فجأة الصمتَ والنظر إلى حيث تشير بإصبعها ...
كان قطيع حيواناتها توقف عن الرعي مشنفاً آذانه وأبصاره باتجاه الأفق وتوقفَ الثغاء وعواء الكلب فهناك كوكبة من الطيور الصغيرة كانت تقبلُ بألوان شتى من جانبيْ الجبل , وراحت تدور حول المكان البري عدة مرات وكأنها تدور يداً بيد ! ...
ثم أخذت تنكمش على نفسها تدريجياً لتتحول إلى طائر واحد بلون زعفراني ثم لم يلبث هذا الطائر أن حطَّ على غصن شجرة تين تمتد جذورها حتى أصقاع مجهولة من النهر على مقربة من الشاب والراعية وبينما هما يبسمان قلقَين صدرتْ من فم الطائر عبارة تنم عن استقبالٍ وبنبرة واثقة , قال :
مرحباً بكما في ذاكرتي !
وأضاف مخاطباً الشاب : إنك تتألم لأنه لا أحد يصغي إليك , وهذا أفهمهُ فحين يبارك جسدك شعاعُ الشمس وتتبارق في أعماقك جواهر البحر فيما كل من حولك تتدلى من روحه عناقيد الظلام فهنا تستأثر بك بشائر الحمّى !...
إنظر إلى ما حولك فستجد بشراً يخربون بينما هم يحسبون أنهم يبنون لذا فميدان الفكر ليس هنا ولكنه ميدان للفعل العاطفي غير العادي والذي يرج نسيج حياتهم كما ترجّ الرعود أطراف الغيوم وكما ترى حيث تتوقف الأفكار تحل محلها الموسيقى ...
هنا سألت الراعية بعد أن عبَّرت عن شكرها له بحضوره : وهل تنتمي الموسيقى لعالم الأفكار !؟ وإلا فكيف تنوب عن الفكر ؟
نحن فقراء ولكننا ننهل نغم الطبيعة , نحن لا نُصنَّف على طبقة معينة إلا إذا كانت البراري تُعتَبر طبقة !
ولكني أثق بك لهذا سأعزف لكما .
فأخرجت مزماراً وراحت تنفخ فيه طويلاً وكأنها تقبلهُ قبلة طويلة !
فارتعش الطائر وصفق بجناحيه وهو يرى بسمة حزينة تتحرر من شفتيْ الشاب
وبعدها قال : الفكر والموسيقى ذبذبات تحرر المادة ولا تلغيها أو تهوِّن من دورها , مع فارق هو أن الموسيقى تحبب لكِ استعادة الأحلام غير المتحققة كما لو أنها تحققت وهذا التحقق ليس من الأوهام بل هو السر وراء الغبطة التي تعتمل في وجدان العازف أو المستمع فكل غبطة عميقة لا بد أن وراءها وجوداً حسياً ملموساً , حتى الخيال إذا تسبب لك بغبطة أو نشوة حقيقة فإن له جذراً من واقع فعلي
وأنّ في أعماقك أيتها الراعية جواهر أخرى
دلّليها , إسقيها ماءً ونماءً مرة أخرى !
فشكرته ودنت من موجة ليوشوش لها الماء بشيء ما .
ولما عادت قال لها : عليك الكشف عن مصدر تلك الجواهر , إفتحي المزيد من الكوى لاستقبال زكي روائحها .
فأومئت الراعية بفرحٍ أن نعم ,
فسأله الشاب بقلق وحذق وهو مستندٌ إلى وسادته : ولكن ألا يوحي اهتمامكَ بنا أنك تهتم بماضيك أو تعيد ترتيبه !
رد قائلاً : كلا , فأنتما بالنسبة لي من الأحرار منذ أن بدأتَ أنت بمحاولة تسلُّق الجبل ومنذ أن أمسكت صاحبتك بالمزمار وأما أنا فلا أفعل مع أمسي شيئاً سوى أني أحاوره , فهو حيٌّ متجدد , وفي عالمنا العلوي لا كائن مثلي إلا وله ماضٍ في كوكب بعيد .
هنا سألته الراعية : حسناً , وكيف يتجدد الماضي !؟
رد الطائر : بتجدد النظرة إليه .
ثم سألتهُ ثانية بمودة : وكيف نجدد النظرة إليه !؟
أجاب : ألمْ يخبرك مزمارك بعد !؟
قالت : بلى , مدهشٌ هو , فمعهُ اللحظةُ سنة ومسافات !
ثم التفتَ إلى الشاب فرآه وقد عادت له نوبة الحمى فهو يهذي :

لا شفاءَ للَهِّم المُعتَّقِ ,
واقفاً أسير على
غير هدىً ،
كجناحٍ معتصمٍ في طيّات مرفأ
وَعِبْرَ هانوفر ما !
هامبورغ ما !
أسير مصطحباً خطاي لا غير ...
ساعتي تشير إليّ وأربعين دقيقةً ,
خطاي ، خطاي المثابرة على اليأس !
---

ذهبت الراعية إلى النهر وعادت فوضعت منديلاً مبتلاً على جبهة الشاب وحدثت الطائر عن الشاب :
إنه يمضي الكثير من وقته في المدينة , يعمل أشياء كثيرة مهمة رغم أنه لا يتحدث عنها ولكني عرفتها عنه من خلال ذهابي إلى هناك على فترات متباعدة وعرفتها من خلال بعض المارين من هنا , أما عني فقد اصطفيتُ البراري ونصحته بالبقاء معي لتصفو روحه وها هو يحاول وقد بدأ البارحة بصنع زورق لنا ...
رد الطائر بنبرةٍ مأخوذة من ألوان ريشه :
إنكِ لا تداوينه هنا فقط وإنما أيضاً تداوين الحكمة , تلك التي تعني لمَن آلمَ هذا الشابَ معنىً آخر لو أنهم عاشوا من دون هذا المعنى لربما كانوا أكثر حكمة !
سأغادر فها هو قطيعكِ يتلفت ...
نعم , قولي لصاحبك ألاّ يهجر نهر الحياة وأن يثابر في صنع زورق ...
زورق ولو من ظلال النخيل !

(*) الكتاب بعنوان : ذكرياتي وفقاً لطائر الزُّعفران !


شباط - 2010
برلين  

  

خاص "أدب فن"




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

علي الدمشاوي في 07/ 2/ 2010
علي الدمشاوي نص أكثر من مدهش
دمت مباغتا للنص يا سامي
سامي العامري في 06/ 2/ 2010
سامي العامري ملاحظة من الكاتب
----
لقد حصل خطأ إملائيُّ في الجملة : فأومئت الراعية بفرحٍ أنْ نعم ...
والصحيح : فأومأت
مع الشكر الجزيل
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: