أدب فن: ملاحظات عن المنفى * ملاحظات عن المنفى * ================================================================================ عدنان المبارك on 05/ 2/ 2010 تشيسواف مِيوش ( نوبل 1980 ) ترجمة عدنان المبارك - لم يعثر على السعادة. فهو لم يكن في الوطن. آدم متسكيفتش ** النفع نقبل المنفى كمصير تماما كما نقبل مرضا عضال، فمن المفروض أن يعيننا في رؤية أوهامنا. النموذج كان مدركا لمهمته وإنتظر الناس كلمته لكنه كان محظورا عليه الكلام. وهناك حيث يسكن الآن يمكنه الكلام لكن لا أحد يستمع إليه ، والأكثر من ذلك نسي ما كان عليه أن يقوله. تعليق على ما جاء أعلاه قد تتساهل الرقابة مع شتى الألاعيب الطلائعية ، فهذه تأخذ الكثير من وقت الكتّاب وتجعل من الأدب تسلية بريئة لنخبة محدودة للغاية. لكن حين يبدي الكاتب إهتماما بالواقع تسدد الرقابة حينها ضربتها. وإذا وجد نفسه في المنفى نتيجة للعقاب ولقراره يفرغ حينها مشاعر الغضب التي كانت مكبوحة طويلا، ومراقباته وتأملاته معتبرا ذلك واجبا ورسالة. إلا أن ما يعامل في بلاده ببالغ الجد ، كمسألة حياة أو موت ، لايكترث أيّ أحد في الخارج لذلك أوأنه يثير الإهتمام لأسباب عرضية. إذن يقتنع الكاتب بأنه لايقدرعلى مخاطبة الذين يعنيهم الأمر ، بل الآخرين الذين لايعنيهم. وبصورة تدريجية يعتاد على المجتمع الذي يعيش فيه ، وتتحول معرفته عن الحياة اليومية في البلد الذي قدم منه ، من ملموسة باليد الى أخرى نظرية. وإذا كان لايزال مهتما بالقضايا التي تفرّغ لها من قبل ، تفقد أعماله مباشرية التجربة الممسوكة على الفور. ولذلك عليه أن يختار : إما أن يحكم عليه بالعقم وإما أن يمرّ بتحول تام. عيون جديدة عيون جديدة ، فكر جديد ، بون جديد : هو أمر أكيد أن هذا ما يحتاجه الكاتب في المنفى ، لكن هل بمكنته أن يدحر الأنا القديمة - الأمر يعتمد على موا رد لم يكن قد عرف عنها الكثير في السابق. وأحد هذه الموارد التي تتوفر أمامه هو تبدّل اللغة. وقد يكون ممكنا أداء هذا الشيء بطريقتين : إما أن يكتب بلغة بلد الإقامة ، وإما أن يستخدم لغته الأم بالأسلوب الذي يجعل ما يكتبه مفهوما ومقبولا من جانب جمهور جديد. حينها سيكف عن أن يكون منفيا. والخيار الآخر ، الأكثر صعوبة ، يعتمد على الإحتفاظ بالحضور المتخيَّل و المقرَّر في البلد الذي ينحدر منه. المتخيَّل : إذ عليه أن يعي تأريخ وأدب بلاده كجسم واحد يتطور في الزمن ، وأن يرسم لعمله وظيفة في تلك الحركة التي تؤدي من الماضي الى المستقبل. وهذا يفترض حسابا دائميا للتقاليد في البحث عن جذور حيّة كما يفترض المراقبة النقدية لليوم الحاضر. وأصناف أدبية معيّنة ( الرواية الواقعية مثلا ) وأساليب معيّنة لايمكن ، ولأسباب نابعة من الإفتراض ذاته ، أن تمارس في المنفى. من ناحية أخرى تعمل ظروف المنفى التي يخضع لها الكاتب ، على الأخذ بآفاق ومنظورات كثيرة وأصناف وأساليب أخرى وخاصة ما يرتبط بالنقل الرمزي للواقع. اليأس اليأس الذي لايفترق عن المرحلة الأولى من المنفى قد يخضع للتحليل ، ويتبين حينها أن أسبابه هي ، بالأحرى ، أحوال النقص والعجز الشخصيين وليس الظروف الخارجية. وهناك ثلاثة أسباب رئيسية لمثل هذا الياس : فقدان الإسم ، الخوف من الضياع ، العذاب الأخلاقي. - الكاتب يكسب الإسم عبر تبادل معقد مع القراء سواء أكان يتوجه الى جمهور كبير أم دائرة ضيقة من المريدين. وهو يشكل صورته واجدا إياها في عيون الذين يتفاعلون مع أعماله. وعندما يهاجر تتعرض هذه الصورة الى المسح مما يحوّله الى جزء مجهول من اجزاء المجَمع ، حتى أنه يكفّ آنذاك عن أن يكون شخصا كانت معروفة لدى القريبين منه محاسنه ومعايبه. لا احد يعرف من هو الآن ، وإذا قرأ عن نفسه في الصحف يلحظ أن المعطيات التي تخصّه هي محوَّرة بصورة غروتسكية. حينها يكون الإذلال متناسبا مع كبريائه ، وكما يُفترَض فهذا عقاب عادل. - وعن حق هو يخشى الهزيمة ، فالقلائل يملكون المقاومة اللازمة التي تقيهم من الإنقياد الى مفعول العزلة المدمِّر. وكان ينتمي الى منظومة الكتّاب الخاضعين لطقوس معيّنة والمشغولين بالمديح والذمّ المتبادلين. أما الآن فليس هناك من منظومة ولاطقوس ولا ألعاب حلوة لطموح محقَّق. وهكذا يعاني هو الآن ، فقد أخذ بعادات جماعية مما يعني ، على الأكثر ، بأنه لم يتعلم بعد ، الوقوف على قدميه. وقد ينتصر لكن ليس قبل أن يعترف بخسارته. - النفي هو أمر مريب أخلاقيا ، فهو يزيل التضامن مع الجماعة مما يعني عزل الفرد الذي لايقدر الآن على مشاطرة الزملاء الباقين في البلاد، التجاربَ. والعذاب الأخلاقي يعكس إرتباطه بالصورة البطولية للنفس ، كما عليه ، خطوة بعد خطوة ، أن يصل الى الإستنتاج الأليم وهو أنه نادرا ما يكون ممكنا خلق عمل ذي قيمة من الناحية الأخلاقية ، وفي ذات الوقت الحفاظ على صورة شخصه الخالية من اللطخات. التأقلم بعد سني النفي يحاول المرء أن يتخيل كيف هي الحياة الأخرى : حياة اللانفي. المكان المخيلة هي مكانية دائما، وتشير الى الشمال والجنوب والشرق والغرب بالنسبة لمكان مركزي معيّن ذي إمتياز، والمفترض أنه قرية طفولتنا أوناحيتنا الإدارية. ولغاية تواجد الكاتب في بلاده يتطابق ذلك المكان ذو الإمتباز ، و الآخذ بالإتساع ، مع البلاد كلها. والنفي ينقل موقع ذلك المحيط أو بالأحرى يخلق محيطين. والمخيلة تحمل كل شيء الى محيط ( هناك بعيدا ) ، وفي حالتي : في مكان ما من القارة الأوربية. وحتى في مكان أكثر بعدا تحدِّد المخيلة الإتجاهات الرئيسية الأربعة تماما كما لو أنني مازلت واقفا هناك. وفي ذات الوقت يصبح الشمال والجنوب والشرق والغرب معتمدة على المكان الذي أكتب فيه هذه الكلمات. والمخيلة المتوجهة صوب منطقة بعيدة من طفولة ما ، هي تقليدية لأدب الحنين ( البون في المكان غالبما يخدم التنّكر من أجل البون البروستى / نسبة الى بروست / في الزمن ). بالرغم من أدب الحنين شائع الى حد كاف ، نجده ليس إلا صيغة من صيغ التغلب على مصاعب الإنفصال عن البلد الأم. والنقطة الجديدة التي تنظم المكان لنفسها ليس بالإمكان إستثناؤها أي لا يمكن التجرد من الحضور الفيزيقي في مكان معيّن من الأرض. ولذلك بالضبط تنشأ ظاهرة غريبة : محيطان وفضاءان قد خُلِقا حولهما ويتراكم بعضهما على بعض. أو يحصل حل سعيد: ينموان في واحدٍ. ظلال على الجدار يقال إن كوكبنا يدخل ، تدريجيا ، لكن بدون رجعة ، عصر الإتحاد الذي خلقه التكنيك والوعي الصحي وإختفاء الأميّة. غير أن هناك حرية التمسك بالرأي المناقض والمبرَّر تماما ، والمرء يقتنع به في المنفى. ويحمل الكاتب الذي يسكن بلدا غريبا ، معه المعرفة عن المحيط الجغرافي الذي ينحدر منه - عن تأريخه و إقتصاده وسياسته وهلم جرا. إنه إحساس أزاء كل معلومة عما يعرفه هو جيدا ، تنقلها الكتب والمجلات والتلفزيون. وهذا الشيء يقوده الى إكتشاف مسألة كيف تنشأ الحواجز بين الناس. وقبل مائة سنة كان قد إعتاد الناس الذين لايعرفون المناطق البعيدة من الكوكب ،على وضعها في عالم الأسطورة أو الغريب exotic في أضعف الأحوال. أما اليوم فقد وفّرت ، كما يخيل لهم ، الوسائط التي تسمح بالإحاطة المتزامنة بالمكان والحدث في العالم كله. إلا أنه على ضوء المعرفة التي يملكها الغريب تظهر الأخبار والريبورتاجات عن بلده إيهامية تماما. والمجموع المُضاعَف لمرات عدة ، لهذه التشويهات الكائنة بين الطرح والواقعة يكتسب أبعادا خرافية. وحكاية افلاطون عن الكهف التي تُناقَش لغاية الآن في السينمارات الفلسفية ، تكسب أهمية أكثر عملية أيضا.. وكما نتذكر فسجناؤنا المقيّدون بالسلاسل الذين ليس بمقدورهم وحتى تحريك الرقبة ، لايستطيعون رؤية أيّ شيء عدا الجدار القائم أمامهم. وعلى هذا الجدار ألقيت ظلال حسبوها واقعا. ويفكر الإنسان الغريب هل بمستطاعه أن يقنع قارئي الصحف ومشاهدي التلفزيون بأنهم على خطأ. غير أنه يصل الى إستنتاج مفاده أنه عاجز و لاينبغي عليه أن يقنعهم أيضا. ولو كان الغش قد نتج عن الجهل حسب أو الأحكام السياسية المسبقة ، لكان مصير سكنة الكهف المعاصرين يسمح بإمتلاك آمال معيّنة. لكن ما الذي سيحدث إذا كان الغش يكمن في طبيعة الوسائط نفسها. التحليل الذاتي هذا سكتش لخطاب عندما كتبه المؤلف كان بمكنته أن يلقيه على نفسه : هل أنت واثق من أن زملاءك هنا والذين يتحركون في عالم عرفوه منذ الطفولة هم في وضع أفضل ؟. وهي حقيقة أنهم يكتبون بلغتهم. لكن هل الأدب والفن يلائمان ما تعلمناه عنهما في المدرسة والجامعة ؟. ألم يتغيرا بهذه السرعة خلال العقود الأخيرة و صارالإسمان محض قشرة جوفاء ؟. ألم يصبحا ، عَرَضا ، تمارينا لناس وحيدين ، إشارةً مرسلة من الذين جُرِّدوا من الميراث ، وكم من هؤلاء الناس ينال الجوائز بهيئة المحبة والإحترام في مدينته الأم مما يكون النوع الوحيد من المحبة والإحترام والذي يستحق كل هذا الجهد ؟. إنهم يملكون ذات اللغة ، لغة جمهورهم ، ولكن هل يرون على الوجوه بارقة تفهم ؟. أليست اللغة نفسها وهما يصمّ بضجيجه الآذان هناك حيث اللغات الفردية التي لاتحصى تملأ المكان ؟. هل يقرأ الجمهور الواسع زملاءك ويستمع إليهم أم أنهم يقرأ واحدهم للآخر ؟. وهل أنت على يقين بأنهم يفعلون حتى هذا الشيء ؟. وفي الأخير قد يكون الأمر بهذه الصورة وهي أنك في وضع أفضل. فلمنفاك إسم على الأقل. لقد آمنتَ دائما بأن الهدف الحقيقي للكتابة هوالوصول الى الناس وتغيير حياتهم. لكن ماذا سيحصل إذا تبين أنه هدف لن يتحقق؟. هل سيفقد معناه آنذاك؟. ألا تظن أن كل واحد من زملائك هنا قد بقي مخلصا ، في قلبه ، لمثل هذا الحلم الطفولي ؟ ولكن ألم تكن شاهدا أنت على هزيمتهم ؟ وإذا لم تقدر على المجيء بالخلاص للعالم فلماذا عليك أن تحرص على مسألة هل أن جمهورك كبير أم صغير؟ اللغة من يسكن بين الناس الذين يتكلمون لغة غير لغته يكتشف بعد حين أنه يتحسس لغته الأم بطريقة جديدة. وهي ليست بحقيقة أن المكوث الطويل في الخارج يعمل على إفقار الأسلوب ولو أنه يُفتقَد تأثير الكلام اليومي ، وهو تأثير مغذّ. لكنها حقيقة أنه يتم إكتشاف أبعاد وتناغيم اللغة الأم ولأن هذه تصبح أكثر نضارة على خلفية اللغة المستخدمة في المحيط الجديد. إذن تعثر اللغة حين يصيبها الفقر في حقول معيّنة ( لهجة idiom الشارع واللغات الدارجة ) على التعويض في حقول أخرى ( نقاء المعجم ، الطاقة التعبيرية التوقيعية ، توازن النحو ). إن التباري بين اللغتين هو ليس بالضرورة تقليديا لأدب المنفى. وعبر بضعة قرون كان الأدباء في كثير من البلدان الأوربية يتصرفون بلغتين - لغتهم الخاصة المسموعة على خلفية اللاتينية ، والعكس صحيح أيضا.. إحالات : * كتب ميوش هذا النص بالإنكليزية في عام 1975 ونشر في دورية ( Books Abroad ) بعنوان ( Notes on Exile ) في ربيع عام 1976. وإعيد نشره في مجلة ( كولتورا ) البولندية الصادرة في باريس في عام 1981. ** وهو أكبر شاعر بولندي ( 1798 - 1855 ) من حقبة الرومانسية. والجدير بالذكر أنه كان متأثرا بالشعر العربي ، وترجم العديد من القصائد الى البولندية وبينها لامية الشنفري. خاص "أدب فن"