أدب فن: تراشقات بلون وبطعم وبرائحة القلق تراشقات بلون وبطعم وبرائحة القلق ================================================================================ مهدي الشمسي on 04/ 2/ 2010 (الى روح خديجة، والتي أنتصر عليها القلق) - في زمن العتمة، حيث تختلط المفاهيم ، ثمة من يحاصر حد الاختناق ، ينقطع عن ممارسة دوره الآدمي بأتقان ، يقنن التفكير بالغد ، ينحاز حتى الى عثرات الماضي ، وبسهولة يجد لها ما يبررها في قاموسه العتيد . العتمة شلل للحاضر ، تؤسس الى ظلام دامس ، يرفض المحاصرون تبنيه، يبحثون في جداره عن ثقوب ، حتى وان كانت لا تتسع لهروب جرذ . ولكن الحرية هناك خلف الظلام ، هناك خلف الجدار، وبمجرد التفكير بالعثور على ثقب لولوجها ، يعني ذلك اننا نملك عقل طليق للتفكير لا يمكن لاحد مصادرته ، وهذا هو المفهوم الاقرب للحرية في زمن العتمة . المحاصرون اليوم عاكفون على اعادة صياغة مفاهيم الامس بما ينسجم مع تحول الضبابية والعتمة الى ظلام مقلق بصورة دراماتيكية محزنة، لذا هم يتنبأون بأنبعاث روائح كريهة من جثة الحاضر ، تحول دون الصمود لاتمام الصياغة المقنعة لغد آخر أكثر نضارة واشراق ، حيث لا جدوى من ان نعطر جثة متعفنة ، بل من الاجدر العمل على ايجاد وسيلة تضمن لنا عدم تحول الحاضر الى جثة أولا،اوعلى الاقل تحنيطها ، وهذا الخيار الاخير يمثل مبدأ الموت الاكليلي للزمن ، والمراوحة في نفس المستنقع ويمثل الخيار الاصعب . المحاصرون قلقون، وهذا يبشر بالتعافي، هم قلقون ، بمعنى انهم لا يزالون على قيد التفكير ، فالقلق هو استشعار أستباقي لخطورة الآتي ، ولايملك احد مثل هذا الشعور الا اذ كان على قيد الساعة ، فلا يجوز لاحد القلق من الماضي مثلا ، ولكن هذا الصنف الاخير من القلق والاضطراب أكتشف في زمن العتمة ، هو عصيات وبائية، نخرت جسد الماضي ، ثم تكيست لقرون طويلة ، ثم عاودت نشاطها بفعالية شرسة ، ساهمت في تحلل جثة الحاضر، صعودا لتقويض المستقبل وخصيه. كيف يمكن لاحد منا ان يتصور حجم وهيئة الخوف والقلق من التاريخ ، اذا اكتشف بغير الصدفة باننا نعيش في الماضي ، وان ارواح الموتى لا تزال الآمرة والناهية ، في حين نحن نملك التصور الواضح لجسامة خوفنا وقلقنا من الحاضر والمستقبل ، لكن ان يساهم الماضي في تدميرهما ويضيف قلقا وتراجع جديدين ، فهذا امر كارثي بحق . لم يسبق لاحد التنبأ بهكذا مفارقة ، كون الافكار والايدلوجيات والتصورات الحديثة نشأت خارج بيئتنا واوطاننا , وفلاسفتها سعوا للتنوير والتطوير ،لا الى التدمير ،لذا ركنوا شوائب التاريخ جانبا خدمة للحاضر ، مقتفين بذلك اثر المستقبل قبل ان تفوتهم الفرصة ، صحيح كانوا قلقين ولكن قلقهم بالاتجاه الموجب والبناء ، لا يشبه قلقنا السلبي المرضي المزمن . اما فلاسفة التزوير ، فقد حملونا نحن القلقين اوزارا ثقيلة ، اضاعوا علينا فرص ثمينة للتواصل مع الاخرين ، حرمونا من متعة الحياة بلا خوف ، بلا قلق ، ذلك القلق السلبي المنتصر في كل لحظة ، ابتدعته حكومات وهيئات ومنظمات مختصة ، بنت فلسفتها على اساس الترويج له ، وأتهمتنا بالشواذ والزنادقة والبوهيميين واولاد الكلاب ، سعيا منها على عزلنا خلف جدار خط عليه بأحرف كبيرة (البول للحمير ) ، اسموه الحاضر ، ولا نعرف نحن المحاصرون ما سيكتب على جدار المستقبل .... !!! أبناء آوى لا يقلقون ، لا يختلفون ، وان فعلوا ، فعلى زيادة حصتنا التموينية من صنوف القلق المدمر ، على أكتشاف منافي جديدة لنا ولاجيالنا الغير قادمة ، أكثر كآبة وعقم وقلق من سابقاتها . واهم من يتصور بأنه يمكن لنا العيش بلا قلق ، ولكن لنا الخيار بتحديد توجهاته ليكون قلقا من اجل الخصب والعطاء لا لتدمير الذات والتوقف، هو قلقنا الذي نرتضيه. وأرقا ، لبناء الاوطان ، وأشباع الجياع ، والمساهمة الجادة في بناء الحضارة ، لا أرقا نحصي به الانفاس بأنتظار الموت المحاصرون قلقون على الغد ، فبدونه لا غد لهم . رشقات : - في جمهوريات القلق الديمقراطية الشعبية ، الدولة كفيلة بأبتزاز كل شىء ، تزوير كل ما تقع يدها عليه . الا القلق ومشتقاته ، هوخط أحمر ، يوزع بالمجان وبمواصفات غنية بالسمن البلدي الممتاز . . - في أنتخابات مقبلة صاخبة ، اتفق كل من الأرق والقلق على توحيد جهودها في قائمة أنتخابية واحدة ، وكانت الذاكرة خصما لهم . قبيل الانتخابات بساعة زمنية واحدة ،أغتيلت الذاكرة برصاصات مجهول ، فاز التوأم المنتصر بالتزكية . - رست باخرة تهريب المهاجرين عند مرفأها الاخير ، وتنفس المساكين الصعداء ، رمى كل منهم بما يحمل من مؤونة فاسدة من القلق ومشتقاته . نزل الجميع عند مرسى المدينة الجميل ، والتي لا يعرفون أسم لها ، توقف احدهم عند لوحة معدنية معلقة ، القى بنفسه بعد دقائق في ماء البحر باحثا عن حقائبه ، فأنتشله زورق للشرطة البحرية تابع لمدينة الكآبة ستي . - اراد أن ينام ، أحكم اغلاق النوافذ والابواب ، هو الان ملتحف مع حبيبته الذاكرة بغطاء وافر ومريح ، ولا عودة لهذين التوأم الشيطانين لفراشه بعد ان القى بهم من الطابق العاشر واحكم كل شيء . لكنه نسى ان يطفأ النور ، نهض من فراشه ، ثم عاد ليجد فراشه وقد اختفى . - سأل أحد فلاسفة التزويرمؤرخا عن اصل وتأريخ الأرق ، أجابه : القلق أبوه ، والتعاسة أمه ، وتربى في أحضان ذاكرة الفقراء . قال الفيلسوف اعوذ بالله !!!، ونعم الاصل !!!!!! . - أرادت هند الانضمام الى نقابة الصحفيين ، طلبوا منها شهادات التطعيم ضد القلق والارق والتعاسة والأحباط والاكتئاب ، ولما عجزت عن أحضارهم ، أختصرتهم بعمل حجاب كبير !!! - المسك ابو فرات ، الجواهري الكبير ، يختصر الاسهاب ، ويصوب الخطأ ، بأبتهال متقن ، غاية بالجمال : مرحبا يا أيها الأرق فرشت أنسا لك الحدق لك من عيني منطلق أذ عيون الناس تنطبق لك زاد عندي القلق واليراع النضر والورق ورؤى في حانة القدر عتقت خمرا لمعتصر أنا عندي من الأسى جبل يمشي معي وينتقل أنا عندي وأن خبى أمل جذوة في الفؤاد تشتعل أنما الفكر عارم بطل أبد الآبدين يقتتل قائد ملهم بلا نفر حسرت عنه راية الظفر خاص "أدب فن"