الرئيسية »  الـنـثـــر»  كيف ذهبتِ إليّ؟

كيف ذهبتِ إليّ؟

عدد مرات المشاهدة :831 - 12/ 1/ 2010

بشار محمد خليف

كيف ذهبتِ إليّ؟

  

لم يكن عليكِ أن تُدركيني , و أنا أُعدُّ كأس موتي الأخير، لكنك أدركتِني .. أخذتِ اليد التي ارتفعتْ نحو فمي , فمي الذي لم ينطق اعترافه بعد، أنك كنتِ القوس الضارب إلى الخضرة, المائل مثل شمس لم تهوي عليَّ بعد .
أغويتِ رياحي بالهبوب ..
ناوأْتكِ : أنا رجل من شيطان , أصنع وحدتي من أشلاء الملائكة . ابتسمتِ , تعلمين أنكِ لستِ ملاكاً يبسط جناحيه على مهدي .
وأضحك لأن الحزن يأخذني إليكِ ولا يُعيدني , أنا الذي لم أَعُدْ يوماً إلى ما ذهبتُ إليه .
ترى! كيف ذهبتِ إليّ ؟
ما الذي يُغريكِ بالخريف إن لم يكن تساقط السؤال عن أجوبة الشجر؟.
أعلم أنكِ من عين البحر جئتِ, لا أزرق فيكِ سوى الدمع .. دمعي .
قلتُ : لا يأخذ الحب شيئاً إلى مثواه الأخير .. لماذا أخذتِني ؟.
كي تحلمي بالمنارة ؟
تذكّري .. البحار الفاشلة وحدها من تعجّ بالمنارات المضيئة .
وصرتِ الموج , صخبتِ , تلاطمتِ , تواطأتِ عليّ كي تستريحي , أنا الذي لم أُعِدَّ شواطئي للأمواج المالحة ...
بحرٌ ميتٌ , شربتُ ما يكفي من الرمل حتى تملّكني اليباس ..
تُرى , كيف أغويتِني بالهبوب ؟.
ترى كيف ذهبتِ إليّ ؟.
همستِ : موجٌ لا يبللني ، صدىً لمحْلٍ آخر ..
احتميتُ بما أخفيتِ عني لئلا تريني عابقاً بكِ ، طائفاً حول مزاراتك، أنثرُ البخور و لا أُشعلهُ ..
أخضوضرُ، أهمس في ريحكِ .. تصيّديني , برهاني أنتِ .. وغبطةٌ أنكِ لم تطوفي لأنك استدارتي ..
ها أنتِ تتراكمين عليّ , أصير أول شغف مأهول منذ عصر ما قبلك ..
نطوفُ، كعباً بكعب , رأساً برأس, أتذكرين ؟ كنا طوافنا حين أخذ مداكِ شكل القمر آن يصير بدراً, وللبدرِ حكاية أن تكوني بحراً يأخذ ما بَعُدَ منكِ إلى شاطئي .
قلتُ : لكِ.. ما يأخذني إليكِ .
قلتِ : مثلكَ لا يمتْ كمثواه الأخير ..
حينها تذكّرتُ أن لوجهكِ وجهاً يأخذ عيني إلى بصيرتها , وبكيتِ عندما كلّ شيء لديّ كان يرسم كل شيء , كل شيء.. لديكِ ،
أنتِ الواغلة في الشهوة تحت عباءة الروح الفَرِحَةُ بما يُشتهي من خفاياكِ .
وكنتِ اشتهائي الأنقى إلى روح لم يُضرب لها موعد مع الجسد بعد .
وجاء المساء, لم يكن القمر حزيناً لكنكِ تكمّشتِ بي خشية أن يحزن .. آهٍ ما أصعبكِ حين تتنبأين لهذا الكون بما لا يراه حتى !.
وطأتِ مائي بعشب قدميك , مهرتِني بختم خطوتك الأولى , أصبحتِ طريقي , طريقتي .
طريقي الذي لم يدرْ حول نفسه يوماً , طريقتي التي .. أنتِ .
ولم أدرِ كيف تصوغين خطاكِ إليّ ..
حتى ذهبتِ إليّ .
سددتُكِ بما يغلق فوهة هذا الكون بوردة ..
شممتكِ كي لا يُضيّع البخور روائحي إليكِ ..
ومسحتكِ بزيتي حتى تؤبين بمعجزاتك إليّ .
اسمعي،
يوم صار البدء بدءاً ، لم يكن الذهاب أنثى و لا ذكر، لكنكِ هناك كنتِ تحوكين رداءً لمآلاتكِ الخمسة ..
مآلات أحرفك المستعارة من غبطةٍ آن كانت .. كنتُ .
قلتُ : ما أينعكِ حين تُقصين ثماري عنكِ لئلا أنضج إلا في أتونكِ . وما أشبهكِ بالحنين الذي لا يَحنُّ حتى على نفسه ..
تُرى , كيف يباغتنا السؤال و نحن في جواب ما سيأتي ؟.
ها هو الوقت يَعْبُر ولم أركِ , الوقت شخص عاقر بلا سطوح , بلا نوافذ , بلا منارات وبلا ستارة تفصل بيننا أيضاً .
هذا امتلائي أخيراً عند ربة ينبوعك , أُغمض عينيّ , يستلقي حزني مبللاً بكِ و يشدو الفرح لنا ما تبقّى من قمرٍ ، صار بدراً
وللبدر حكاية , فكلما أحببتِني أكثر , قسوتُ أكثر كي تَطْري أكثر .
أليست هذه حكاية أول صوانة طُرّقت على وقع الحب القديم ؟.
وتذكّري .. كنتُ أعبركِ لئلا أستضيء بكِ أكثر ..
طال احتمالكِ كما استطال احتمالي ، لكننا هكذا كالريح نَعْبُرُ حتى تصطدم غيومنا ليولد شيء لا يشبه المطر.
قلتِ : ضُمّني .. أنا فحواكَ فادخل ْ..
آن دخلتُ , كان كل شيء فيك يَدُلّني إليّ ..
كان في عينيكِ جموح لا يُدركه إلا حصاني ..
وها أنا أطلع منكِ , مجللاً بكِ .. أدفن خيبتي تحت الظلال العابرة ..
طالع مثلما ذهبتِ إليّ .
قبل أمدٍ أو أمدين أو أكثر , خلتكِ مدينة جديدة .. خرجتْ الآه مني،
قلتُ : المدينة طقس اغتصاب جماعي لفطرة الأرض الأولى ..
الآن تعود الآه، حين أيقظتِ نعناعي البريّ تحت شرفة عينيكِ .. كي تريني ..
قلتِ : أنا آهكَ .. تمددْ .. افردْ جناحيك على مداي و ارقصْ
رقصتُ عندي , رقصتِ عندك , رقصتْ أعشاب البحر لنا دوائراً ..
حان أوان الزبد .
اتسعتِ
اتسعتُ ..
دخلنا الحالَ ..
قلتُ : ما أوسع البحر حين لا نبحر فيه ..
قلتِ : لم تصرْ البحر بعد .. تمددْ .
صرتُ حجة البحار , أصوغ حلمي على وقع الموج العابر بين أصابع قدميكِ.. أرسم لكِ طريق الماء .
حالُكِ حالُ الرضا , والماء غياب اليابسة ..
واعتصمتُ بكِ , أجوب تخومكِ كي أرشدها إليّ ..
فلي منارةٌ واحدة و لكِ البحر ..
ولي بحرٌ واحد و لكِ تعدد الماء ..
ولي أنتِ ، الواحدة بي , ولكِ .. وحدي ..
أنتِ التي تتجمعين حولي أو تُعدّين أثواب الرحيل كي تذهبي إليّ .
أنتِ لستِ سرّاً كي يكون بيننا ..
أنتِ التي شئتِني أن أكون رسولكِ منذ وردة ما بعد الطوفان .
قلتِ : ها أنا أتوسطكِ , زماني أمامك , ولا خلْف لك ..
وبقيتِ حولكِ , وحولكِ كان حولي ..
خُضنا في متاهات الحال ..
حتى وصلتِ إليّ ..
أوغلتُ فيكِ..
قلتُ : خذيني إلى غيبكِ.. لعشتار نصف الحقيقة و أنتِ اكتمالها ..
لم تضحكي كثيراً , قال لسان حالكِ :
- هكذا أنتَ تَعْبرُ من نداء إلى نداء كأنك صوت أخير ..
وحبّكَ مثل موتك لن يأتكِ سوى مرة كل ألف عام .
ومضى ألف عام , ألفان , مال كل مالنا ، إلى جهاتنا المتقابلة ..
لكل جهة شمس , لكل شمس شروق , لكل شروق غروبه ..
قلتِ : سِقني إليك , لا أحد جدير بامتلاك كحلي سوى عينيك ..
ادنُ .. أنا سفر التعب فاتعبْ ..
لا تمنح الشمس عذراً للشروق و كنْ نقيض الصحو حتى أصحو لك ..
صمتُّ حتى تصرخي .. صرختُ حتى لا تصمتي ..
تمددتُ مثل شاطئكِ , تعريتُ في النور و الظلام .. في المد و الجزر ..
قلتُ: لن ينظر البحر إليكِ إن لم تريني ..
قلتُ : لا تسألي البحر شيئاً.. فجوابه عندي
لكنكِ اوغلتِ بحراً و بحراً ، كي تصلي إليّ ..
ذات مهلٍ .. أمهَلكِ الغيم فصلاً حتى تمطري ..
كنتِ مبتلةً بي , لم تقوي على الغيم .. فاستقويت علي ّ ..
قلتِ : جِدني في محيطكَ و غُصْ في منبعي ..
أنا الآن متّحدٌ بي ، أتملّى ما خفي منكِ ، كي يظهر لي ..
قلتُ : لن أنزل عن صليبك ..
لن أجول في مدن الخشب ، باحثاً عن صليب غير قابل للاهتراء .
كان نبعكِ دامعاً , غَطَتْهُ كثبان الأسى , لم أنجُ من دمعهِ بعد .
ارتديتُ شغفكِ وارتديتِني
لبستِني من رأسي حتى نشوتي ..
صرتِ فيّ .. كيف عَلّمَتْني الحياة وجهك ؟
تتوسطيني كلما افترقتُ عنكِ
وأتوسطكِ تماماً لأحدّكِ من جهاتي الست ..
ماؤكِ وحدي .. صرتِ على وشكي ..
ترى ، كيف ذهبت إليّ .




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
5.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل