أدب فن: الشاعر الراحل عقيل علي.. مغامرة المكوث الشائك في الشعر الشاعر الراحل عقيل علي.. مغامرة المكوث الشائك في الشعر ================================================================================ اوروك علي on 13/ 6/ 2009 ..[ ليكن الفضاء صمتك ليكن التنزه هزيمتك لقد جردوك . بقيت وحدك تسخر من نفسك . مقطوعا ، لاتمسك غير ضلال ،هي في الأصل عدوتك، جسد الليل الواجم أمام أهوائه في كل وداع وأنت عصفور مسافر يعود الى أنقاضه في كل ممر أنت تابوت حام ،اتكأ الى شمس مطفأة ] قصيدة نشيد العزلة/ طائر آخر يتوارى ..يعتبر الشاعر الراحل( عقيل علي) احد الشعراء الإشكاليين في بنية القصيدة العربية الحديثة . فقد أثير حوله الكثير من الأقاويل ،كما أثار الكثير من الصراعات في الوسط الثقافي العراقي خاصة ..كان واحدا من أهم كتاب القصيدة الحديثة وخصوصيتها الكوزموبوليتية( الكونية)،وبشهادة العديد ممن كتب حول نصوصه أو ممن درس نصوصه ضمن مشاريع الدراسات.. ويعد الشاعر والناقد والمترجم ( كاظم جهاد) أهم العارفين بشعرية الراحل (عقيل علي) ،وهو الذي قام بتوصيل نتاج (عقيل علي) الشعري عربيا وعالميا، وسلط عليه الضوء ، وكسر جدار الإغلاق الذي إحاطته به سلطة الثقافة الديكتاتورية ورموزها ،حيث نشر نتاجه عبر المجلات الثقافية خارج العراق كـ (الكرمل،مواقف)..كما ساعد على إصدار مجموعتيه الشعريتين(جنائن ادم، طائر آخر يتوارى)، وكتب عنه واحدا من أجمل النصوص نشر عام 1988 بعنوان( في الشوارع الخلفية، ابحث عن عقيل علي)..لكنه على المستوى الحياتي عايش (عقيل علي) ،ثم رحل الى (باريس) في سبعينات القرن الماضي ، وقد حدثت بعده تحولات في العراق تركت أثرها على (عقيل علي) ..القراءات الأخرى التي تناولت (عقيل علي) كانت أما مغرضة كبناء مجد موهوم على منجز الشاعر الراحل وعلى حياته الشخصية ، أو كانت مشخصنة وسطحية ..بعضهم بحث عن تحقيق أغراض في ذهنه ،وأراد التعبير عنها واصطيادها بخبث وخسة ..البعض الآخر أراد التعويض عن فشله وإحباطه وعدم قدرته على فهم الألق الشعري الذي تحييه بكرنفالية مدهشة أصابع هذا الشاعر المخلص للقصيدة، والذي أعطاها روحه بسخاء فجاءت مبهرة حد الدهشة.. حاول البعض إن يسقط خيبته على هذا الشاعر، لأنه شكل له بمثابة اليد التي تزيح ورقة التوت وتظهر عورات الخائبين ،فحاول أن يصب لعنته على هذا الشاعر الراحل بأشكال شتى..لكن لا نستطيع أن ننكر القراءات الناضجة، فبالإضافة الى (كاظم جهاد) فهناك قراءات نقدية او سردية معمقة لـ (جنان جاسم حلاوي،كريم ناصر،سميرصالح ،شاكر لعيبي،خالد المعالي،هاشم شفيق ،الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار، الشاعراللبناني عباس بيضون، الشاعر المغربي محمد بنيس) وآخرين رائعين..................... ..سأقرأ( عقيل علي) بطريقة (محايثة) يمتزج فيها النفسي، التاريخي، النقدي، الاجتماعي ..وسأضع صورة أكثر قربا ووضوحا مما قدم حول الراحل (عقيل علي)..وبالإضافة الى المراحل التاريخية سأتناول المرأة في حياته ،وأيضا فصل تحت عنوان(غرف الشاعر) ،تلك الغرف التي عاش فيها عبر مراحل حياته وانتقالاته..هاتان النقطتان سأضع لهما الحيز في الجزء الثاني من القراءة ...... ..هذا هو الشاعر الراحل (عقيل علي) الذي اختار المكوث في الشعر بامتياز حد التماهي ،والانصهار بفردوسيته بديلا عن الحياة...الشاعر الشديد الولع بالبهاء،يقول للتلال قودي خطانا... له أبدا الجسد المبتهج ..المدمى.. المحصى، جسد الوحدة وظل رهبتها..هو الأعزل حتى من الوقت..يسمع بعثرة المفاتيح في الصحراء، عويل الشرفات، ثغاء القصائد،تلويح الحقول بدم بكارتها.. يسمع أسرابا من العصافير ترتجف..هو الذي يصرخ عاليا (أيها المخلص ، ما اشد انخفاض الأمل .. بالتأنيب ملأنا الدفاتر، للندم تركنا قلب السلاح، وبالطائر أعلنا النهاية ).. المكوث في الشعر بامتياز إن الإشكالية التي عاشها الشاعر الراحل (عقيل علي) تكمن في استبداله الحياة بالشعر ،جاعلا القصيدة عالمه، منها يطل على الواقع (إن لم يكن أساسا خارج التواصل الحسي مع هذا الواقع) ..أي انه سحب الشعر الى الحياة ،وكانت الرؤية والممارسة الحياتية بمنظار الشعر..انصهر متماهيا بالمطلق الشعري منقطعا وبمستويات عميقة عن الموجود وتشكلاته الحياتية..هذا ما جعله لا يستطيع التواصل مع الواقع وشراسته وخبثه وذئبيته..هل يمكن أن تكون القصيدة بديلا ولاشئ خارجها..القصيدة الملاذ ،القصيدة اليوتيبيا ؟؟؟. ذلك كان له نتائج كارثية على كل الأصعدة بالنسبة الى الشاعر الراحل.. لايمكن حدوث هذا الأمر في بلاد مثل العراق او في العالم العربي عموما..إن الحياة هنا لاتتيح لك الخيارات البسيطة، فكيف بالخيار الصعب والشائك كالعيش والمكوث في القصيدة.. وهل تستطيع القصيدة بأدواتها وعوالمها أن تقاوم الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي ،خاصة ذلك الذي شيدته أو فرزته الديكتاتورية .. هذا معناه أما العزلة أو الجنون أو الانتحار .. لكنه كان يدرك الامر تماما حين يقول:ـ [ ماهذا الوله.. متى يعتلي الانسان عرشه لقد نطقنا ولم يبقى غير الانصراف.. لامكان للقصيدة بين المتسولين] قصيدة مطارق السبات. ..لقد شكل له التماهي مع المطلق الشعري حالة اغتراب، بما يمكن أن نطلق عليه (القطيعة) على كل الأصعدة..ولقد عبر الشاعر الراحل عن التضاد الثنائي هذا بين الواقع (كإقامة جسدية) والقصيدة(كإقامة كينونة ووجود روحي)من خلال قصائده وممارساته الحياتية التي عُطلت وأصيبت بما يمسى(الحبسة ـ وهي هنا اتخذت صيغة عدم التواصل على مستوى الكلام والتعبير الشفاهي والانكفاء لمحاورة القصيدة فقط دون محاورة الآخرين ) وهذا ماسنراه في عدد من المقاطع بوضوح:ـ [موجة تتأمل دموعها في مرآة وأنا أحنو عليها أحنو على أهوائها تسأل عن بحر عن شمس موجة تتأمل وحدتها في مرآة] .. الموجة هي روح الشاعر التي تبحث عن فضاء للحرية ممثلا بالبحر واتساعه والشمس وضيائها ..أما المرآة فهي القصيدة ..هذا الحوار لم يتمكن أن يقيمه الشاعر الراحل مع أي شئ خارج القصيدة وبما فيهم الأشخاص.. وان حدث فهو يُولد لديه مشاعر قهرية ..وهكذا تشكلت أولى بوادر عزلته وقطيعته إزاء الواقع والتي جاءت بنتائج سلبية وكارثية على حياته وعلاقاته .. مرحلة السبعينات عايش الشاعر الراحل فترات عصيبة من التحولات السياسية والاجتماعية الخطرة التي تركت آثارها في العراق وخاصة أواسط السبعينات الى رحيله ، وتمثلت (أولا) بحرب الشمال ..حيث سيق الى الخدمة الإلزامية ،وكان قد تشكل آنذاك وعيه المعرفي والشعري والذي برز فيما نشرته (مجلة الكلمة)عن (شعراء جيل مابعد الستينات)،وعكسه كان الغالب من مجايليه كان يكتب قصيدة التفعيلة وبغنائية مفرطة .. كان الإعلام السلطوي يركز على إن ما يحدث في كوردستان تمردا والمقاتلين ضد النظام اسماهم ( العصاة ) .. وحين ظهرت الصورة جلية أمام الشاعر الراحل حدثت الصدمة المزلزلة له ، حيث كان على تماس مباشر، كونه كان ضمن احدى الوحدات المقاتلة آنذاك (جندي مكلف).. لقد رأى المجازر والإبادة ضد الأكراد المدنيين العزل في القرى، ولم يستطع احتمال الفخ السلطوي هذا وصورة القتل والإبادة . فجاءت الصدمة النفسية والاجتماعية والقانونية له وآثارها عليه.. كمصاب جسدي ونفسي .حيث تعرض الى الصعقات الكهربائية في المستشفى العسكري مع تسريح من الجيش لأسباب نفسية ..هذه الصدمة الأولى التي دفعته الى خيارات المكوث في الشعر لا في الحياة.. هروب من القتل والإبادة والكوابيس المصاحبة الى حلم القصيدة وفردوسيتها الافتراضية كبديل وملاذ..هنا بدأ الشرخ واتساعاته اللاحقة بين الشاعر والواقع الحياتي بكل التباساته..وبدأ الرفض ونتائجه على المستوى الحياتي باللاتواصل النفسي والاجتماعي والمعرفي.. وقد كتب قصيدة (ترنيمة الليل) ضمن هذه الأجواء...الرقم المستخدم هو رقمه العسكري (حيث كان الجندي ينادى برقمه) [ انام في فراشي طائرا ممتلئا بالدم اسمع الرجال يكررون التحيات وفي الصباح يغادرون وكأنهم يريدون هذا ؟ فاصغ.. صوتي 454836 هل تسمع؟ أنا لا أريد هذا ].. هذا الرفض المباشر للواقع المعاش وحيثياته..وقد تبع هذه الوقائع(بعد التسريح) محاولة فاشلة لعبور الحدود الى الكويت عبر الصحراء مشيا على الأقدام لكن القي القبض عليه وأعيد الى العراق .. وهنا بدأت التحولات السبعينية وبداياتها في الصراع السياسي وتبلور بوضوح في مدينة الناصرية الجنوبية مسقط رأس الشاعر الراحل:ـ [ تطوي وجهها بالتجريح، متنكرة بانحناءة الرضى هي المتلاشية في معدن ابديتها تقوم من سجاياها وقد باغتها حيزوم ضميرها المقرفص] .. قصيدة مدينة لكن الشاعر وعلى الرغم من صداقته للشيوعيين، إلا انه لم يكن منتميا بل رافضا للتحزب والادلجة، مختارا الانتماء ألصميمي الى المعرفة والى الشعر ،حيث كان مطلعا على التجارب الحديثة للشعر الفرنسي والانكليزي عبر الترجمات وعلى التصوف وعلى الروايات والدراسات النقدية .. وهذا ماكان ضمن مكتبته الشخصية ومكتبة والده والمكتبة العامة في المدينة ،حيث كانت تربطه علاقة صداقة مع أمينها..في هذه الفترة كان الثلاثة( عقيل علي، التشكيلي احمد الجاسم، كاظم جهاد) ضمن علاقة حميمة على المستوى الإنساني والإبداعي .. وسافر الاثنان (كاظم الى باريس، احمد الى المانيا) مما شكل دافعا أقوى لانغماس (عقيل علي) بالشعر كبديل، واتساع الفجوة بينه وبين الواقع ،مندفعا الى لوغس (مركز) القصيدة للمكوث فيها ،وتشكل الاغتراب والقطيعة والحبسة بقوة.. لقد اشار الى ذلك في نصوصه عنهما..ازدادت الوحدة وازدادت معها الغيبوبة داخل الشعر بعيدا عن الواقع..المرأة هي الاخرى كان يراها ويسمعها في القصيدة فقط :ـ [ أسمعك ِفي القصيدة ،وأنت ِفرحي كله ] [اهم ما يعنينا ،هو سرور القصيدة ] [ كنت أقول إذا ما سقط احدنا، ولم يجرؤ على ملامسة ما يحب، لمن إذن سنمد اليد؟ ] [هذا هو صباح يوم،كما هو صباح الامس، كماهو صباح الغد،ملايين الابواق تزعق في ملايين الابواق] [الآن ترى ماذا بقي غير خراب الأباطرة ] [ ربما اجعل من احلامي محطات،اذهب اليها، وعلى كتفي جهات اربع].. ..بل وصل الأمر لديه احيانا انه قد عاش اغترابه حتى في علاقته مع القصيدة وذلك اكثر ايلاما له.. [لاشئ اكثر وضوحا من هذه الانقاض اقتسمنا مع الوحوش حياة صيفنا المح في القصيدة الشحوب الذي سخرنا منه ، انه الآن نسغها ]... من قصيدة جنائن ادم.. لا توجد دلالة اكثر من هذه الدلالات على الاغتراب والقطيعة الحياتية على كل الأصعدة.. وتأتي مقاطع قصيدته ( أناشيد لحيوات الذكرى) اشد ألما واغترابا ـ ويمكن الاطلاع عليها في مجموعته (جنائن ادم) الصادرة عن دار توبقال ـ ..اذكر منها فقط المقطع رقم 3 فقط [ ها أنا وحيد أجالس صوتي .. اتسكع معه نحن اثنان امنحه وردة، فيمنحني شحوبه اقول له: ايها الصوت خراب انت، ايها الصوت ].. تتعمق هذه الحالة ايضا في المراحل اللاحقة لدى الشاعر الراحل ،مع تضمنها بامتياز الجانب الاشراقي النبوئي للتدهور الذي حصل في المراحل اللاحقة في العراق..وكان في هذه المرحلة قد عمل سائق (دنبر).. ثم استقر في عمله كخباز بعد ان اشترى له والده مخبزا (فرن لعمل الخبز وهويوجد بهذه الطريقة في العراق فقط )، من خلال استقطاع مبلغ من ثمن بيع بيت العائلة القديم والانتقال الى بيت آخر، وكان هذا المبلغ المستقطع لشراء المخبز قد اعاق تكملة بناء البيت الجديد الذي انتقلت اليه العائلة.. في مرحلة السبعينات كان الشاعر الراحل على علاقة بعدد من الادباء والشعراء حيث زاره في مدينته وفي بيته كل من الشعراء(فوزي كريم، هاشم شفيق،حسين عبد اللطيف) وأخرين.. اما (خالد المعالي) فكان كثير التردد على المدينة وعلى الشاعر الراحل حتى سفره الى باريس ثم استقراره في المانيا..لقد اسست هذه المرحلة كل اسئلة الشاعر الوجودية ازاء الذات والآخر والواقع المحيط.. وشكلت حجر الزاوية في ايامه القادمة [ هل يكفي هذا الانين؟ هل يكفي ابطال التلفيق هل يكفي ردم الخديعة؟]..قصيدة ذاكرة الحجر [ماعاد لي ذالك الاحتشاد..ماعاد لي ذلك التوله.. مخربا صرت هجرت كل شئ، ونادمت وحش التساؤل] ..قصيدة بلاد [ كم يتألم من يقول مرحبا لمن لايود؟ قريبا منه اقف مؤاسيا، منهوش القلب وقد مات افتتاني ] .. قصيدة النوم في الصمت وفي قصيدة( ايام ماضية.. ايام آتية)التي تبدأ[ أبدأك بأفراح كاذبة واقتلك]هي الاكثر تصويرا للالم والمرارة والفجيعة الروحية والوجودية وتناقضاتهما وصراعهما داخله..حيث يردد [ قلت :هذا وطن يهب الزنزانة والوردة معا] .. ..اما تصوير العزلة فقد جسده في قصيدة( نشيد العزلة) بابهار ووجع متلاطم ..حيث يقول[ فليس مايطرق الباب سوى الهجران].. لقد تميزت لغة الشاعر بقدرتها على موائمة التشكيل الصوري والانثيال المتدفق بعذوبة وشراسة.. لغة لها خصوصية في البهاء والقدرة على الابهار، مضافا اليها القدرة على إدامة التوقد الشعري داخل القصيدة .. مما جعلته يتفرد في شعريته وفي بقاء نصوصه متوقدة لا تنطفئ مع مرور الوقت .. على العكس مما يكتب من قصائد ابنة مرحلتها ،غير القادرة على الديمومة لكونها تحمل جينات اندثارها وآنيتها.. انها خصوصية هذا الشاعر وسر ديمومة نصوصه وتواصلها الزمكاني .. نصوص كونية على الرغم من انها ابنة السبعينات.. وهذا مايدهشنا والاخرين معا ويعلن افلاسهم.. مرحلة الثمانينات في بداية الثمانينات بدأت الحرب العراقية الايرانية ،وكان الشاعر يعمل خبازا في مخبزه وقد تزوج ورزق اول اولاده .. لكن كان الوضع السياسي والأمني قد اشتد ،وأحكمت الديكتاتورية قبضتها وازدادت قسوتها وشكوكها وريبتها من الذين يتعاطون بالشأن الادبي والفني واشكال الفكر، وحاولت احتواء غير المنضوين في منظومة الابواق المروجة والمادحة والمعظمة لها ، بالاغراءات او بالتهديد والاذلال وخاصة بعد استيلاء (صدام) على السلطة وضربه للقوى والحركات السياسية الاخرى وتصفيته لكل العناصر والقوى المعارضة والتي بدأت من عام 1979 وصعودا .. وقد اضطر الشاعر الراحل وهو القائل (ملايين الأبواق تزعق في ملايين الأبواق) أو ( الآن ماذا بقى غير خراب الأباطرة) ان يتوارى عن اعين السلطة وعدم الاحتكاك بوسطها (الثقافي المروج لها وادواتها).. وكان هذا الخيار صعبا على المستوى الحياتي المعيشي ،لكنه اعتاد الإغلاق والتهميش والتغييب الذي احاطه ..على الرغم من ان هذه الفترة قد شهدت نشر نصوصه خارج العراق بمساعدة(كاظم جهاد) واصبح هناك حديث عنه وعن شعريته المثيرة للانتباه بتوهجها وتفردها ،وبرز ذلك من خلال ماكتب عنه من قبل العديد من الشعراء والكتاب اللبنانيين ومنهم( بسام حجار، عباس بيضون) .. كما شهد استلامه البروفه لمجموعتيه الشعريتين( جنائن ادم ، طائر آخر يتوارى )حيث كان يعد لصدورهما في كتاب من بيروت ،وقد حالت الحرب الاهلية اللبنانية دون ذلك.. وبذل( كاظم جهاد) جهدا استثنائيا لإصدارهما بكل الاشكال ، وكان الحاضن والامين عليهما.. لقد كنت اتردد دائما من بغداد الى الناصرية واسهر معه مصغيا الى قراءاته للقصائد من خلال هذه البروفه... لقد اضطر الشاعر وخاصة في منتصف الثمانينات ان يتوارى تماما عن انظار السلطة والناس، واغلق فرن الخبز الذي يملكه واعتكف في البيت متواريا عن منظمات( حزب البعث) التي كانت تصطاد كل المؤهلين للقتال لارسالهم الى الجبهة في( قواطع الجيش الشعبي )آنذاك ..لكن كيف سيعيل نفسه وعائلته ان هو توارى عن الانظار في داخل العراق وانقطع حتى عن العمل، وهولايجيد عملا سوى مهنة (خباز)؟؟.. كان يتملص بشتى الطرق من قرار اعادة فحص(المسرحين من الخدمة لاسباب صحية) والحاقهم بالجيش ثانية.. وهذا يعني انه لم يشارك في الحرب العراقية الايرانية على كل المستويات ..لكن هذا كان له الثمن الباهض الذي ترك تأثيره الاقتصادي على مجمل وضعه وحتى وفاته.. اذ فقد كل شئ واصبح يحصل على قوته عاملا اجيرا امام نار الافران مع تقدمه بالعمر وتدهور صحته..لقد صاحب هذا التواري ولاسباب شتى معاقرة يومية للخمرة مع خوف مستمر من القادم..لقد اضطر الى بيع الفرن لتسديد الايجارات والضرائب المتراكمة عليه .. وكانت هذه بداية الانهيار الاقتصادي والصحي له .. كما فقد في هذه الفترة والده.. واعتقل ثم حكم اخاه الأصغربالسجن المؤبد من قبل محكمة الثورة لأسباب سياسية.. وتبعها استشهاد اخيه في الحرب وفقدان الآخر.. لقد رتبت هذه الاوضاع اشتراطاتها وانعكاساتها بطرق واخرى على الشاعر الراحل واوضاعه الحياتية وتعمقت غربته التي صاحبها العزلة، كما تعمق اندفاعه بقوة الى المكوث والاحتراق داخل الشعر .. ارسل في اواسط هذه الفترة مجموعة من النصوص الى (كاظم جهاد) بناءا ً على طلب الاخير ، لكن الرقابة قد اعادت النصوص اليه مؤشرة باللون الاحمر تحت عدد من المقاطع.. في هذه الفترة انتج مجموعته التي اسماها لاحقا( دم ني) والعنوان هو لقصيدة كتبها الى اخيه الشهيد في الحرب العراقية الايرانية.. كما ان قصيدة (فيما مضى) التي نشرت في التسعينات هي نتاج اواخرهذه المرحلة..لم يحضر الشاعر الراحل في هذه الفترة اي نشاط في مايخص الثقافة تحت قبضة السلطة ولم يشارك في اي مهرجان من مهرجانات الديكتاتورية التي كان يحج الى مغانمها الكتاب العراقيين والعرب ومنها مهرجان المربد..ولم ينشر اي نص شعري في صحف ومجلات النظام ،بينما كان الكتاب يتسابقون لنيل مغانم وعطايا مديح الدكتاتورية الملطخة بدم القتلى والشهداء في سجون النظام او في الحروب.. انها من اصعب المراحل التي امتزج فيها الخوف وهاجس البقاء حيا مع المحافظة على بياض ونصاعة الذات دون تلوث او نخاسة من السائد وانتاج النص الشعري المبهر والمغاير... مرحلة التسعينات شهدت هذه المرحلة تداعيات غزو العراق للكويت ومالحقها من الحرب والحصار الكارثيين على البنية الاجتماعية والاقتصادية في العراق وقد كانت هذه الفترة عصيبة على الشاعر الراحل، اذا شهدت تدهور حالته الاقتصادية والصحية واستمراره في العمل كأجير في الافران ..لكنها على المستوى الشعري كانت خصبة وتميزت بتعميق وتطوير اسلوبه في قصائد ( جنائن أدم ،أعشاب آسيا ،حجارة التوازن).. حيث انتج قصائد (شتاء النقود،بلادي،عند بلادي، تهجي اللقيا ،الخباز)، وغيرها من النصوص التي اعادت تسليط الضوء عليه داخليا هذه المرة ، وصاحبها دخول مجموعتيه الشعريتين الصادرتين في الخارج وبداية حملة التربص به والاساءة له ،وخاصة بعد انتقاله الى بغداد للبحث عن عمل (وهذا حال الجنوبيين الأجراء بعد الانتفاضة الجنوبية واثناء الحصار).. وقاد هذه الحملة (رعد بندر) وبتوقيع (عبد الزهرة زكي) وآخرين على صفحة مجلة (أسفار)،وخاصة بعد نشر قصيدة (فيما مضى) في مجلة الأقلام العراقية ..وسرقة نصوصه الأخرى بالتحايل ونشرها في جريدة الجمهورية.. وقد أربكه هذا الوضع وزجه في حاضنة الصراع الذي لا يتقن التعامل معه وادارته او خوضه بأقل الخسائر.. فاندفع كاليعسوب الى عالم العزلة وادوات الاحتراق والمكوث المغلق تماما هذه المرة في الشعر.. وقد كان سلاحه الدفاعي هو انغماسه بمعاقرة القصائد ، والخمرة كآلية دفاع عن وجوده، حيث كان يعتقد ان صفة الادمان ورداءة المظهر ستنجيه من المحاسبة السلطوية، وستجنبه الكثير من مطبات واحابيل الوسط الثقافي وادواته السلطوية وطرقه الجاستبوية ،بعد تسليط الأضواء والاعين عليه نتيجة دخول مجموعتيه الشعريتين ..وكان الاصعب امنيا هو تسليط الضوء عليه من خلال (اذاعة العراق الحر) المعارضة والتي كانت تبث برامجها من كوردستان.. وهذا الامر سبب له الوقوع تحت اهتمام عناصر المخابرات والبحث عنه واستدعائه للاستجواب( هذا مايؤكده القاص محسن الخفاجي).. فانغمس بالخمرة واهمال نفسه والايحاء للآخرين بالجهل والمرض النفسي..قد تكون هذه الحلول ساعدت على اهمال السلطة له وتهميشه ، لكن اساءت له على المستوى الشخصي ومن قبل الآخرين وفتحت باب التقولات حول كون هذا الشخص لايملك الأهلية لانتاج هذا الشعر المبهر والمدهش بامتياز لايضاهى..واستمر الاهمال المقصود له من قبل ماسمي بالوسط الثقافي في الداخل اثناء هذه الفترة والتنكيل به.. لكن على المستوى المعيشي والصحي كان اكثر وطأة لتردي صحته وكبر سنه حيث بلغ الخمسين..فهل يتمكن من مقاومة نار افران الخبز في صيف العراق اللاهب ؟؟..قد وصل به الامر في الاندفاع نحو العزلة ان عمل في احد المطاعم على الحدود العراقية الاردنية وبصفة خباز ايضا..واستمر هذا الحال من العزلة والمرض وفرص العمل الشحيحة ومحاولة المحافظة على الذات الى الحد الذي لايوقعه في مخالب السلطة ورموزها وادواتها وخاصة مايسمى الوسط الثقافي متنقلا بين الافران والفنادق الرديئة والجوع والفقر المدقع.. حتى سقوط النظام الصدامي واحتلال بغداد بالدبابات الامريكية.. مرحلة خيارالذهاب الى الموت في خضم الفوضى التي حدثت اثناء بداية سقوط النظام الصدامي و(احتلال) بغداد وماصاحبها من تيه وخراب، لم يتمكن هذا الشاعر المتعب بسنين العذاب والاغتراب والمرض ومعاقرة الخمر والجوع ونيران أفران الخبز من تنظيم وضعه المعاشي ،للغياب التام لفرص العمل وكبر عمره ومرضه وعوزه وفقره وازدياد معاقرته للخمر، وصعود التيار الديني الراديكالي الأمي واتساع ساحة الجريمة والقتل. فلامكان لهذا الشاعر المسالم الذي لايتمكن من سد قوت يومه ، وغير القادر على اللهاث وراء فضلات الفوضى و(الاحتلال) وما افرزه من تداعيات.. فكان الشارع ملاذه والرصيف بيته..هل استطاعت الدولة ان تقاوم هذا الطوفان حين تحولت الى مجرد ركام وتبخرت كما هو السراب؟؟ فكيف بهذا الشاعر العليل المثقل بحساسية متقدة ،وبألم عمره الممتد عبر النفق الخمسيني، والمتجذر في هشاشة الجسد الناحل.. وجع الأحلام المتسربلة في العدم وفي خواء الحياة.. الم الأسئلة المكلومة والمتراكمة في صراخ القصائد.. كيف يمكن مقاومة شراسة الواقع ـ الفوضى بدون خسارات جسيمة ،لم يعد (الجسد ، الروح، الشعر) قادرا ان ينجو من طوفانها المدمر..تلك المعادلة التي نظر لها المرتزقة والاغبياء (من طوابير الامية الثقافية ، طوابير المهرجين في قافلة السيرك الثقافي..طوابير المومياءات) على انها خارج ازمانهم الكسيحة المثيرة للشفقة والرثاء..طوابير الجثث المتعفنة التي شاركت بقتله.. فلقد مات مقتولا حسب تقرير الطب العدلي (اثر حادث مع كدمات على الوجه وضربة قرب الانف بعمق 2سم) وليس كما روى السماسرة من تلفيقات ماجنة .. لقد قتل مرات ومرات وكان رحيله اشراقة روح، ووصمة عار بجبين هذه البلاد وثقافة العهر التي تشكل السمة والملامح لكل المراحل بلااستثناء..ثقافة تجلس على عرش السمسرة بامتياز.. ثقافة لامكان لك في حاضنتها المتعفنة ، فهي لاتحتمل الطهر والنبل .. فقتلتك .. لكنها وانت في قبرك لازالت ترتعد فرائصها منك وتكتشف خوائها .. ايها الشاعر لقد رحلت وانت تقول(في حناياي اغنية لم تكتمل) .. لكنها اغنيتك النبيلة التي سال دمها على ارصفة البلاد الغارقة في العتمة ،البلاد التي يقودها السماسرة الى التيه والخرابات الابدية.. لقد أرقتهم قصائدك وستبقى تؤرقهم.. وماذا سيكون شكل ارقهم وخيباتهم حين ستصدر قريبا قصائدك التي لم تنشر.. مؤكد، وانت في قبرك الاكثر حنوا من هذه البلاد، سيدركون انهم كانوا ولايزالون محض مومياءات وفزاعات برداء مهلهل، ومحض اكاذيب ولاعبي سيرك من الدرجة العاشرة ..نم ايها الشاعر النبيل طاهرا، فقد كنت صنو الشعرالملائكي حتى اخر قصيدة وجدت في جيبك وانت في الطب العدلي ..نم في قصيدة قبرك الاكثر نبلا وطهارة من عوالمهم المدنسة بعهرها..نم في ملكوتك، فقصائدك القادمة ستصرخ بهم ،كما صرخت انت عاليا بوجوههم المدنسة..... [ هذه الجثث بحاجة الى قيامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات]