الرئيسية »  الـنـثـــر»  بين روحي وروحي

بين روحي وروحي

عدد مرات المشاهدة :734 - 27/ 2/ 2009

ثائرة شمعون البازي

بين روحي وروحي

  

  

جاءتني متلفعةً بروحها التي أرهقها طول التأمل فيما آلت إليه الأمور تسألني : كيف تريدينني أن أُصوِّر لك الحال يا صديقتي ثائرة وأنا الآن أعيش غربة مع الروح..... وشعوري بالوحدة لا يوصف وأتسائل كثيراً أين أنا وأين سأصل, وكيف سأعيش مع ذاتي الحائرة حتى بتلمس ابسط الأعذار لإقناع نفسي بهذا الاغتراب ؟
الوحدة يا صديقتي ثائرة إحساس قاتل نعيشه جميعنا في دواخلنا حتى انه يشاركنا غذاءنا مرغمين, وإن لم يجد ما يشبع نهمَهُ يقتات علينا .
آه...... ! يا صديقتي إنه كالسم يندس في دمنا, يداهمنا فجأة في وحدتنا وحتى لو كنا وسط الناس, ليأخذنا ويقودنا إلى عزلةٍ لا خلاص منها وتساؤلات لا أجوبة لها. وأعود وأسال بعد أن تعذرت عليّ الإجابة : لماذا أنا هنا ...؟
تذكرت أني كنت يوما أقرأ في كتابٍ سطوراً تحدثتْ ورسمتْ أن لكل واحدٍ منا كيساً يحمِلُه على ظهرهِ مُذ ولدتْه أمُه إلى يوم يموت وفي كل يوم يمر يُلقى فيه تفاصيلُ ما يعيشُه ومع مرور الأيام يمتليء حتى يكون وزرا ثقيلا لا طاقة له على حمله .
فتخيلي لو أن الواحد منا جلس وفتح كيسه ماذا سيجد فيه ؟
لذلك حاولت أن أفتح كيسي لأسترجع العديد من الذكريات ولأبحر في دواخل روحي التي أتعبها العوم في بحر الوجع محاولة أن أجد سبباً لشعوري بالوحدة والشعور بتلك الغربة في هذا العالم الذي يفترض أنني أعيش فيه كجزء منه.
عندما تعمقتُ في دواخلي استرجعتُ صوراً جميله من ذكريات الطفولة, تلك الأيام التي حملت معها البراءَةَ واللعب والضحك والابتسامة وسط الأهل والأقارب, وتذكرتُ كيف تعديتُ مرحلة المراهقة حتى دون أن أشعر بها لأني كبرتُ ونضجتُ بسرعة وتذكرت أيضا تلك اللحظة التي واجهتُ بها العالم الخارجي الغريب عني في أول يوم من تعييني في وظيفتي حيث أدركتُ قسوة المحيط الخارجي الذي أختلف كثيراً عن محيط بيتي.

وعيت على دنيا جديدة لأكتشف الفرق بينها وبين تلك اللحظات البريئة البسيطة وذلك الحب والسلام والطيبة التي تعلمناها من كل الناس الطيبين والدي , الجيران , الأصدقاء وحتى الذين لا تربطنا بهم معرفة لا تجد فيهم إلاّ الطيبة والمحبة ولا تشعر بينهم بالخوف والريبة عالمي الجديد المشبع بالقسوة والأحمال الثقيلة جعلني أتساءل هل حياتنا الجميلة انتهت؟...أم أنها كانت مجرد حكاية وانقضت؟
في لحظةٍ من لحظات غربتي المقيتة جلست هناك معهم ووسطهم , أتمعن فيهم جيداً , أصغي إليهم , اسمعهم لكن همومهم لا تعنيني وأصوات ضحكاتهم لا تثيرني لأن ما يضحكهم لا يضحكني وهمومهم ليست مثل همومي. أحسستُ حينها أن غربتي غربةٌ قاتله يا صديقتي الطيبة ... وأحسست بألم يعتصر في قلبي لأقول وأتساءل لماذا أنا هنا ؟ ولماذا جئت معهم؟ هل تصورت أني سأكون مثلهم؟
لا مستحيل لن يكون ذلك ....
أنا ابنةُ بغداد مدينة السلام, حبيبة الشمال والجنوب. أمنا يا بغداد لا تلومينني أني تركتُ الوطن لأغترب لأعيش في عالم لا يعرف من أنا ولا يفهم معنى لأنيني حينما أئن.
حنيني وعجزي يقتلانني, غدوت بينهما كرةً يركلها الحنينُ بقدمه اليمنى لكن عجزي يركلها بقدم الشمال فيحليها إلى لعبة فاشلة. يقولون لي ارجعي لكن كيف أرجع وقد ضاع كل ما لدي. الأهل موزعون في شمال الأرض وفي مغاربها... يكلمونني, اسمع أصواتهم لكن ليس لي برؤيتهم.. لا أدري هل تبدلت صورهم أم مازالت تحمل تلك الملامح البغدادية المعبرة عن النظارة والحيوية؟ تعودت أن أكون ملك نفسي وأعيش بكرامتي, فكيف أرجع ولا مكان يحويني. لا أريد أن أذل في بلدي حينها تذكرت كم منا بهذا الحال وكم منا يرغب بالرجوع لكن يقتلنا ما يقتلنا من العجز والضياع بين اللا أمل.
فأرتعش بدني وانهمرت دموعي وقلت مع نفسي أنا أعيش غربتين غربة مع وجودي هنا وغربة مع الروح............ ولما انتبهتْ رأتني أتابع تعابيرَ وجهِهِا باندهاش. مسحتْ دموعها استأذنتْ مني. نهضتْ وقالت لأرجع إلى داري ولأقول مع نفسي لن أستطيع الانتماء إلى هؤلاء, فهم من ثوب غير ثوبي. لكن سأسابق الزمن... وأتصارع مع الغُرُبات محاولةً جمع شتاتي... لأثبِّت كياني ... لأكتشف المزيد ولأتبين من أكون...........!!!!!!!!




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

أحمد وحيد صابر بورنان الجزائر في 17/ 1/ 2010
أحمد وحيد صابر بورنان الجزائر تعد ما قرأت ما كتبتي
يبدوا أنني سأترك الكتابة وأعود وأحتضن عودي الذي لاصديق لي سواه
ايتها الثائرة العراقية أنت رائعة
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل