| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
رسائل من ثقب السرطان
محمد خضير
الروائي محمد خضير والروائي جمعة اللامي
محاورات حديقة زينب
" 1 "
في زيارتي الثانية لدولة الإمارات المتحدة , مايو 2006 , أقمتُ بشقة جمعة اللامي أسبوعاً , وبات تسجيل أحاديثي مع الروائي العراقي المقيم في الشارقة شاغلاً يؤرق ليالي قربي من كائن سردي باعدت بيني وبينه الأهواء والمصادفات , وشدتني إليه رغبة البوح والمسارّة , فإذا بهذا الانشداد ينتهي بفراق عسير انتزع معه براعم المحاورة التي ما كادت تنمو حتى سقطت في نهاية اللقاء القصير .
اقتنيتُ جهاز تسجيل حديثاً , صغير الحجم , وخرجنا في نزهات ليلية إلى حديقة قريبة من الشقة , نستبق حوارنا المأمول بحديث تتخاطر فيه الأفكار والذكريات ,خلال مشينا حول محيط الحديقة الدائري . إلا أننا لم نسجل كلمة واحدة من هذه الأحاديث التي بدأت تتقدم وتتراجع وتتسابق , لكنها لا تتطامن وتقترب وتنمو نمو العشب في الحديقة الدائرية الهادئة , حديقة زينب , كما فاجأني جمعة بتسميتها .
طفنا حول مركز البوح الذاتي مرات, متسابقين إلى قطب الرحى نلهمه حصيد أفكارنا , ثم نرتد عنه خائبين . كان شقّانا القريبان جداً من بعضينا يأبيان أن ينفصلا إلى طرفين متحاورين متقابلين وجهاً لوجه , حتى تسرب التعب إلى قطبينا , ودارت رحى الليالي السبع خاوية من طحيننا .
كنت أخشى أن يتصاعد صوت الطحن الدائري فيهصر هدوء الكائنات المستلقية في أحضان حديقة زينب , بل تراءت لي طلعة البتول في أكثر من وجه دائر عكس دوراننا , ثم استسلمتُ لسكون الحديقة في غبش الليل , وقررت أن أستأنف حوار شقي الرحى المتلاصقين في حديقة خاطري المقابلة لحديقة زينب عندما أعود إلى البصرة . وبينما خرقت رصاصات طائشات عباءة الليل العراقي , استمر في سريرتي حديث الليل البعيد هاباً من جهات الشارقة المبسوطة على بحر الطمأنينة والسلام .
كان جمعة اللامي واقفـاً مني موقف القرب , فتحتم أن أتلـو على مسامعه نص النفري : (( أوقفني في القرب وقال لي: ما منّي شيء أبعد من شيء , ولا منّي شيء أقرب من شيء , إلا على حكم إثباتي له في القرب والبُعد . وقال لي : لا بُعدي عرفت , ولا قربي عرفت , ولا وصفي كما وصفي عرفت . وقال لي : قربك لا هو بُعدك , وبُعدك لا هو قربك , وأنا القريب البعيد , قرباً هو البُعد , وبُعداً هو القرب . وقال لي : القرب الذي تعرفه مسافة , والبُعد الذي تعرفه مسافة , وأنا القريب البعيد بلا مسافة )) .
ثم فتحتُ باب الحديث , وقلت :
ـ حياتك أبواب : باب السكر , وباب السجن , وباب المنفى , وباب التوبة . أين أدركتَ زينب ؟
ـ حملتُ زينب تميمة وعبرت هذه الأبواب . كانت ظلاً وحساً ورؤيا , ثم صارت مرآة في صحفي أرى فيها نفسي . لقد نسيتَ في تعدادك باب الحرف . حروف اسمي دخلت في حروف اسمها كما تدخل الصورة في المرآة . فنحن متعادلان بعدد الحروف وواحدنا يعكس اسم الثاني ويتلبس حروفه .
ـ حديقتنا محيط أخضر بقلب أبيض , وجوهر بسيط ساكن في صدفة العالم , ونحن ندور حوله ونتحاور في هذا الشطر من الليل . قل لي لمَ قطّعتَ نصوصك إلى أجزاء , وشققتَ رؤياك إلى شقوق ؟
ـ أبدأ من ذيل سؤالك . إنها المشقة يا صديقي , مشقة السفر والفقر والحصر , شقّت نصوصي وعسّرت ولادتها . ولولا رحمة الله وإلهام نورانيته لما خرجتُ بشقّ واحد من مشقتي يصلح للقراءة . إذ بعد سيري وجرياني في نصوص الثلاثيات العراقية , عدتُ طفلاً أتلمس طريقي في نصوص المقامات اللامية والحدائق الزينبية والرؤى الحجازية . صرتً مثل نغمة كلما خرجت من مقام (( العراق )) وجهتها آلة النغم إلى مقام (( الحجاز )) كما يقول الشاعر (جامي ) .
ـ ويقول الشاعر ( كبير ) إن الخليقة بأجمعها موسيقى , فأنى وقفت جرفتك نغمة العشق إلى قلب الخليقة . هل تتساوى نغمة الخليقة مع عشق النص ؟
ـ نعم , ودليلك على ذلك كتاب (زينب) . كل أشطاره نغمات عشق صادرة من قلب يخفق بحب الخليقة ورب الخليقة , وما نغمة الخليقة إلا مجاز يؤدي إلى نص الحديقة . فسبحان من وحد النغمات, وآلف بين قلوب العشاق, وألهمنا كتابة الجزء في محبة الكل .
ـ وماذا تتذكر من طور ( اللامي ) في نغمات نصوصك ؟
ـ اللامي طور ولدت منه نصوصي الأولى , ولن أبدل به طوراً آخر حتى تتبين النغمة الجهيرة من النغمة المستترة في عود الخليقة . فهو دليلي إلى شجن مملكتي العمارية , إيشان ولادتي ورغيف أمي وخنجر أبي . ذلك قبل أن تطلقني نغمات الخليقة في متاهات العالم الكبرى . حين أنصت اليوم لا أسمع إلا صدى بعيداً من قصبات ذلك الطور , فأنتشي بمقام البعد وهو قريب .
ـ وهل أنت المجنون ؟
ـ أنا ((مجنون الزمان)) يقتبس ناراً من موقد مهجته , ويصبها كلمات على قرطاس محبته وعشقه . أنا مجنون بحب (( الباز )) الذي أخذ من ( زاي ) زينب تاجاً لرأسه , ومن (بائها) ريشة لجناحه , وترك لي حرف (الياء) أتخذ منه قلماً أسطر به جنون عشقي على قرطاس ( النون ) . أنا مجنون الحروف .
ـ بدأت أصدق أنك مجنون اللغة . إنك مثل صوفي ينشد رفع الحجاب عن سر الكلمات , وهو يستبيحها من حيث يعتقد أنه يصون طهرانيتها . ألا تعتقد أن للغة الروائية الحق في أن تعيش وراء حجاب ؟
ـ بلى وأيم الحق . ولكن من أين اصطباري وكتابتي لا ترتوي من دلاء القواميس وحكايات الأسلاف ؟ كلما استبحتُ حجاباً من حجب الرواية ازداد ظمأ لغتي إلى أغوار شعريتها . فالاستباحة على قدر الإباحة, وما يُخرق من طهرانية اللغة يقابله القارئ بالغفران . كتابة الرواية تجربة مؤلمة , ولا بد للتجربة من أن تُثخن بالجراح كي يصلب عودها .
ـ في قسم من ( مجنون زينب ) يأخذك شيخ من يثرب إلى حوش فيه غرف سبع , وبعد موت الشيخ الأول تلتقي شيخاً غيره في الغرفة السابعة , يأمرك باقتبال الجدار ومحو نفسك . كم قيّدتَ من أطوار وأحوال , وهل بلغتَ مرحلة المحو في كتابتك ؟
ـ لم أمح شيئاً , إنما علّقته على أسمائي , واقتبلتُ نصوص المحو بطهارة الوضوء والعرفان . هذا قانوني في الكتابة , المراوحة بين جدل قيد الماضي ومحو أخطائه وآثامه . ولكي لا أتردى في هاوية النسيان , وهو المرحلة الأخيرة من مراحل المحو , قيّدتُ أحوالي وأطواري بقيد أسمائي , فهي دلائل حقيقتي , وعنوانات كتابتي .
ولما أتممنا بهذا الجزء من أحاديث حديقة زينب طواف الليلة الأولى , أسفر الصباح فأشار لنا طائر (الباز) بالانسحاب والخلود إلى النوم .
محاورات حديقة زينب (2)
في الليلة الثانية من ليالي إقامتي في شقة جمعة اللامي بالشارقة , مايو 2006 , استقبلتنا (حديقة زينب) اليانعة بآيات التناسق والجمال , ودعانا سكونها ورخاؤها إلى استئناف حديث الطواف حول قطب رحاها , حتى يأذن باز زينب باختتام كتاب المشافهة والانتقال إلى كتاب النوم , على منهاج الليلة السالفة .
امتصت الحديقة سورتنا , وأحاط نظامها الدائري بذاتينا الهائمتين , وما كدنا نتم الدورة العاشرة حتى أفرغنا جعبتنا من مسارات التماثل والاختلاف, ومقابسات الزمن البعيد والقريب. انتبهتُ إلى نماذج الحديقة الحية المرتبطة بفلك مدارنا برباط الاجتماع والألفة , فسألتُ جمعة عن مقدار علاقته بها ومعرفته بأشخاصها , فقال إن أغلب المتنزهين من الجنسيات الآسيوية الوافدة للعمل , يجمعه وإياهم خاطر الخطوة والنظرة لا رابط الهوية والجنس , وسؤال التذكر والاشتياق لمواطن زينب الأولى . فهم يذكرونه بمسافة الهجرة التي طواها منذ خروجه من العراق عام 1979 حتى استقراره على أرض الشارقة عام 1980 .
قلت له : حديقتنا مثال كوني لحدائق البستانيين العظام أمثال الشيرازيين حافظ وسعدي , وطاغور والمعري وجبران خليل جبران . فبمن يرتبط بستاني حديقة زينب , ومن معارفه بين وجوه الحديقة ؟
قال : المعرفة تقتل الألفة . أعرف متنزهي الحديقة بسماتهم ولا أحفظ أسماءهم , وأحاورهم وأخالطهم لكن بخاطري وإنسانيتي وألفتي . إنهم يعرفونني أكثر مما أعرفهم .
وروى لي حكاية الكلب الذي اعترض سبيله وطالعه ببوز وسخ وعينين ذليلتين وهز ذيله طالباً رفقته ومؤالفته . ظهر هذا الكائن المطارد من أدغال الأمس وجهاً كان ثاوياً خلف سياج البيت القديم في (الماجدية), ثم تبعه لعنة صاحية تطارد السكارى في حانات بغداد , وأطل من ربى السجن المنخفض في صحراء (السماوة) , وخاطبه بلغة الإشارات بين المنبوذين والمرتدين , ثم أقبل وانحشر بين الوجوه المنفية وراء حدود العشق والوفاء , بل كان هو الوفاء نفسـه الذي رآه جمعة في عينيه ينتظره كل مسـاء بباب الحديقة يبادله إحسـاناً بإحسـان .
ـ في (الثلاثية الأولى) قلتَ : (( لأنني وحيد لا أستطيع شيئاً )) . أما زلتَ وحيداً ؟
ـ إني كائن أعزل إلا من الشعر . كنتُ كائناً متعدداً فأصبحتُ وحيداً . وحدني الشعر , شـعر العبارة , وشـعر المكان , في حياة مختزلة قانعة , وعبارة قصيرة دالة . لأنني كنتُ (( أتخيل )) صور الماضي تفرقتُ في عالم الماضي , وتغربتُ في مدن الله . ولأنني صرتُ ((أعرف)) عالمي عدتُ إلى مكاني , قرب حديقة الله. صارت هجرتي من مكاني إلى مكاني , ومن ماضيّ البعيد إلى مستقبلي القريب . الله هو مستقبلي .
ـ لكنك كائن متعدد الأسماء : حكمت الشامي وغريب المتروك وإبراهيم العربي .. أين تستتر حقيقتك ؟
ـ هذه أقنعة أحوالي وأطواري , تتقمصني مثل جلدي . حقيقتي مجدولة من لحاء أسمائي المستعارة . غير أن تاريخي يخونني أحياناً فيسلبني أسمائي وأبدو عارياً أمام حقيقتي كشجرة عرّاها الخريف من أوراقها . أحلم أحياناً بشجرة تتدلى منها الأسماء , وأحياناً أصير هذه الشجرة تعطي أكلها لمن تشاء . ليعرّني التاريخ من أسمائي لكن حقيقتي تظل ثابتة في أصل شجرة تتفرع أسماؤها نحو السماء . وهذه هي الحقيقة التي تختمر بها نصوصي .
ـ ماذا تبقى من أسماء ( الديرة ) القديمة , عزيز الموسوي مثلاً ؟
ـ كان عزيز الموسوي أول المنشقين في ديرتنا . كان يؤمن بالله في السماء وماركس على الأرض , فلم يفهم انشقاقه صديق ولا عدو , وأرسله النظام الشمولي الواثق من سيطرته على الرقاب إلى العدم . هل لاحظتَ صورته المعلقة على جدار شقتي ؟ إنها منثورة ببقع حمر حائلة , تذكاراً لصداقة معمدة بالدم . أردتُ أن أتذكره مثل حلاج عصره عندما رشقه الأعداء والأصدقاء بالحجارة . ما أكثر الشخصيات المنشقة على قضايا عصرها , داستها أقدام الجماهير الزاحفة نحو هرم السلطة على وقع المارشات العسكرية .
ـ بعد أن دخل هؤلاء الأشخاص الحقيقيون قصصك صاروا هشيماً . أتحسّ بخطو هؤلاء الأشباح على بساط الحديقة الأخضر , هل تخشى مواجهتهم ؟
ـ كن مطمئناً , لا أخشى عودة شخصياتي إلى الحياة , فهي نماذج لا تنسخ نفسها ولا تتشبّح . هؤلاء الذين دخلوا عالمي ليسوا شخصيات شمعية , وإنما كانوا من لحم ودم , يصارعون أنفسهم ويردونها حتفها . مجاهدة النفس كانت قضيتهم الأولى , وفي هذا الصراع فقدوا أعمارهم القصيرة , وقلما يتذكرهم روائيو اليوم . قد يرغبون في الانبعاث من قبورهم , إلا أن زحف الأقدام تضيق عليهم الخناق . لا تخف يا صديقي ! ألسـنا شـبحين من الماضـي ؟
ـ ولكننا شـبحان سرديان , لا يقويان على الهرب أمام زحف الأقدام . إننا ننصب المسرح , لكننا نخشى تمثيل أي دور على خشبته . أتقوى على المواجهة ؟
ـ نعم . مواجهة النفس . هذه قضيتي . المجموع يشهد صراعي , وينتظر مصرعي , لكني لا أبالي بهذه الفرجة . مسرحيتي وخشبتي في قبضة خالقي . هذا هو درس عزيز الموسوي الذي استخلصه من ماركس , الصراع بلا نهاية أو الوصول إلى يقين .
ـ أحياناً تحدثني نفسي بما تقول . إن خبرة السرد تغرينا بالذهاب إلى نقطة اللاعودة أو اللايقين , إذ يصبح معيار الحقيقة والخيال واحداً . هل بلغت هذه النقطة , وكيف تصف أحوالها ؟
ـ هناك أكثر من حال لهذا البلوغ , فعندما تُفتح أقفال النص السردي , يزول الفارق بين الشعر والنثر , وتدخل الرواية مدخل السيرة الذاتية , وتحلو لعبة استعارة الأسماء , ونزع الصفات عن الموصوفات , وانتحال الأقوال , واستدعاء المواقف , والمرور بخفة بين حواجز عالم الشهود , واختلاس النظر وراء حجب الغيب , واستبدال الظاهر بالباطن والباطن بالظاهر , والاتحاد بذات المحبوب . هذه مزاعم لم أبلغها , ولكنها تعتمل في مختبري اعتمال الأنابيق في مختبر الخيميائي , وتضطرب في صحائفي اضطراب الحروف في صحيفة الصوفيّ .
ـ يختلج في صدري وأنا أشهد قلقك أن معركتك مع نصك لم تبدأ بعد , في حين أن نقطة اللاعودة واللايقين قد لاحت لك يوماً في (الثلاثية الأولى) بتصريح خالد الأمين في الرواية : (( كانت النهايات بدايات باستمرار , ولم أعد أطيق صناعة جحيمي )) . هل يأمرك نصك بخوض صراع أوسع من مجاهدة النفس ؟
ـ وهل أطيق جحيماً مثل تلك ؟ لقد خضنا المعركة الأخيرة في يوم من ماضينا , وخسرنا فيها كل شيء إلا نفوسنا المحطمة التي خرجت بحكمة واحدة بسيطة: ( لا تنظر وراء ظهرك وأنت تصعد من الجحيم ) . إنها حكمة أورفيوس وأولئك الخيميائيين القادرين على فك أقفال النصوص .
كان الليل قد أمعن في انتزاع اعترافاتنا , ولمّا نكد نتمّ طواف عشرة من أشواط نزهتنا , حين تفرستُ في وجه جمعة اللامي المخضل بالندى , وطرحتُ عليه السؤال الأخير :
ـ وهل جنيتَ محصولاً وفيراً من حكمة أورفيوس هذه ؟
ـ لا أزعم أنني خرجتُ من الجحيم . لكنني أختزن محصولا جيداً أكتبه كلما بلغتُ مرحلة من طريق الصعود .
توقف جمعة عن المسير , وظننتُ أنه يصغي لغناء عندليبه , ومن غير هذا الطائر الرقيق دليل على صدق إحساسه , وفصاحة نطقه , ونهاية رحلته ؟ كان البستاني المطمئن واثقاً من وحي طائره , بينما لساني يبتلع في جوفه ما لم يستوثق من هذر لقالقه . وما عتمنا أن انصرفنا , ولسان حالي يقول : إنه يعرفني أكثر مما أعرفه .
محاورات حديقة زينب ( 3 )
حلّت الليلة الثالثة , وحان موعد الهبوط إلى حديقة زينب , فارتدى جمعة اللامي سروالاً من الكتان وقميصاً طويلاً مجعداً , وخرجتُ بردائي المنزلي , وسرنا إلى محيطنا الأخضر مريدين متشوقين للقاء السر الأعظم في رحاب الليل الأوسع والأفخم .
وما كدنا ننتظم في فلك السائرين , الساكتين والهذرين , المستترين والظاهرين , حتى بادرتُ جمعة بسؤالي : من أين تنبع الفكرة ؟ من الرأس أو القدم , العين أو الأذن , الماضي أو الحاضر , القرب أو البعد ؟
قال : تأتي الفكرة في أوانها مأتى الخطوة والالتفاتة , القيام والقعود , النهضة والكبوة . نحن أبناء أرياف , ليلنا عميق غزير الأصوات , نكاد نسمع هسيس الدواب , وخفقان القلوب , واحتضار الأرواح , ونشوء الأحياء . فإن لم نهجس الفكرة أوان انفصالها عن مستقرها وسيرها الوئيد , فاتتنا وقصدت سوانا ممن يرهفون السمع ويشحذون الخاطر .
ـ وكيف ندرب خاطرنا على صيد الأفكار ؟
ـ بالصمت والخلوص من الكدر . بالجوع الروحي إلى مصادر الأفكار وشوارد الرؤى . بالتمعن في انتظام الحرف والكلم والعبارة في سطر من كتاب أو وجه من الحياة . إذ ما نفع الفكرة إن لم تنتظم في صورة أو عبارة ؟ إنّ مثلها في صيرورتها كمثل ريح صرصر تعبث ببال عابد متبحر في كتاب المحكمات والمتشابهات من بدائع الخلق وآياته .
ـ وهل من مفر من فكرة خطيرة تلبست ثوب الردى , أو آذنت بشرّ مستطير ؟ كيف الهرب من أفكار العذاب والموت ؟
ـ لا سبيل إلى تفاديها . أحياناً يكون اصطدام الفكرة بخاطر صاحبها المقصود لها والمرصود من أجلها مثل فرقعة الرعود , أو انهيار الجبال , أو اصطخاب البحر . هل تذكر أين التقيت فكرتي الأولى ؟ وممن تلقيتُ بشارة يُتمي وعذابي؟
ـ أجل , مرة من صياد يسكن كوخاً في أحد بساتين الجنوب , ومرة من ( الأبجر ) . قرأتُ مقاطع ( الأُخذة) الميسانية برهبة وحزن . كيف تخلصتَ من لعنة (الخنزير الأعمى الصغير) و (القنطروس) وبقية المسوخ التي طاردتْ صنوك في (الثلاثيات) ؟
ـ وهل تظن الأفكار تضيع بعد استقرارها في أعماقنا ؟ إن الفكرة تطارد الفكرة , مثلما كتابة الماضي تقتل الماضي . لكن لا شيء يذهب إلى العدم . فالأفكار تظل تحوم حول أعشاشها كطيور ثكلها فقدان فراخها . وتظل المسوخ نائمة في أرباضها , وقد يوقظها السرد الأعمى حين يخطئ ألفاظه ودلالاته . وأنا أقول لك : دعها نائمة رغم كل شيء .
ـ في (الثلاثيات) مقاطع طويلة تقتفي أثر سرد (كافكا) : غرف كالأقفاص , تحولات , مشاهد تعذيب تقشعر لها النفس . هل استفدتَ من (كافكا) ؟
ـ أنت تذكرتي بزمن الرواية العظيم . ثلاثة ساعدونا على التلصص على أعماقنا في أيام الرعب , طهرونا من عصابنا القهري بقراءة أناجيلهم الروائية : (مسخ) كافكا , و(جريمة وعقاب) دستويفسكي , و(جحيم) باربوس . أجل , علمونا كيف نواجه مسوخنا ونحشو أشداقها بالأحلام . بل كيف نتحدث بلغة (الوضع البشري) كلما اشتد عنف القوى المضادة . كنا نزحف آنذاك على رُكب دامية للخروج من نفق اليأس والإحباط . في تلك الأيام لم نكن نعرف أين يكمن خلاصنا , في الواقع المعيش أو في الروايات التي نقرؤها .
ـ هو كذلك , ضاعت أبعاد الواقع وتبعثر السرد هباءات في فراغ هائل الاتساع . وفي أحسن الأحوال بدا الواقع أشبه بمغطس ذي بُعد واحد هو القاع . كان السرد مضغوطاً إلى الأسفل دائماً . كيف خرجتَ من مغطس ذلك الواقع ؟
ـ عندما بدأ العالم القديم يواصل انهياره , نظرتُ حولي وأخذت في الارتفاع . من يعش طويلاً في منقع العذاب , يرتفع خفيفاً إلى الأعالي . الصعود إلى أعلى : كان على رأس مهمات السرد في قصص المرحلة الوسطى (الثلاثيات واليشن) . كانت قصصي قبل هذه المرحلة انجرافاً حراً وسريعاً إلى مهوى الحلم اليوتوبي , الذي انقطع فجأة بصدمة الانفصال ووجع الانهيار . بعدئذ أصبحت أنظر بوضوح إلى مسـوخ الحلم الرهيبة المحبوسة في أقفاصها . كان البُعد الوحيد أمامي هو البُعد الأعلى , وكان ارتفاعي صعباً ومؤلماً نزفتُ فيه آخر قواي الجسدية . وهكذا وجدتُ نفسي في فضاء المرحلة الثالثة من سردياتي , وقد امتلكتُ حريتي في الحركة عبر الجهات الأربع , بل الخمس , صعوداً إلى الرقم الأعظم لقيمة الحرية والاتحاد بالتجربة .
ـ الهبوط إلى القاع , ثم الصعود والانتشار في جهات العالم , رجَّ رؤياك رجّاً فاختلط سرد الواقع بسرد السيرة . كيف نفصل بين الحدين ؟
ـ يمتزج في كتابتي قص السيرة بقص الواقع , واشتباك جذور التجربة بفضاء الحلم . يحرث قلم السيرة ماضي التجربة ويقتلع أدغالها كي يهيئ الأرض لبذور الحياة الجديدة . استعذبتُ آلامي وهجوتُ حياتي قبل أن أستروح نسمات الاستغفار والترجي التي يستشعرها رواة الأسفار في نهاية الرحلات الطويلة . عانيتُ ما يعانيه أبطالي من آلام التخفي والكتمان , وانجراح سيرتهم بشظايا الهجاء والشك . وفي نهاية الأمر صفت المرآة والتحمت الأوصال وبزغت السيرة الثانية من هجائيات السيرة الأولى وشكوكها . حين يمر السرد خلال ((القصبة المجوفة)) لسيرة الروح , تستقم المعاني وتصفو الصور وتأتي الأفكار طيعة مختارة .
ـ إلى جانب أعمال الروائي المغربي محمد شكري , قلما نعثر في أدبنا العربي على سرد نرسيسي متجلّ بذاته العارية , عنيف في هجائه وحفرياته . أتعتبر (الثلاثيات) وقبلها قصص (من قتل حكمة الشامي) و(اليشن) أعمالاً من هذا النوع ؟
ـ ليست أعمالي سرداً مثلياً لعشق الذات أو فضحها , وإنما هي ـ كما لمحت ـ حفر في قاع التجربة لإرضاء ميل سردي واع بذاته , باحث عن البُعد الخامس وراء ذاته . ففي كل رواية عظيمة نعثر على شخصية خامسة , مهمشة مقصية غامضة , ترتدي قناع الروائي نفسه بآثامه وأحلامه المتطرفة . بينما تهدف رواية السيرة إلى محورة الشخصيات حول الذات النرسيسية المتجلية بوضوح وصدق أمام عيني القارئ . لكن هذا النوع يتجلى في أعمالي الأخيرة أيضاً بأشكال شتى , ويتوزع على جهات النفس الساردة بظهورات أوسع .
----------------
الليل في قصص جمعة اللامي قديم وأليف , الليل الجنوبي , الليل الصحراوي , ليل المدن الخالية , تسلل من القصص وعلق بذيول حوارنا , طوقنا بذراعيه الطويلين وهدهدنا . استسلم جمعة لهدهدة الليل , وترنيمة الأم الحزينة , وانتهى حديث الليلة الثالثة , تمتمات على شفاه تداولت بدايات الكلام وزقزقات الأفكار في أعشاش السطوح العالية .
تطفّلتُ على ما أنتجه جمعة اللامي من نصوص تحليل الذات ومقارعة أسوارها وسجانيها , في لحظات نادرة من صحوة الخاطر ونقاء النفس , وأظنه ينظر إلى محاولات اقترابي من الحدود الشائكة التي سوّر بها حصون سردياته المنيعة بإشفاق وارتياب . وإنني لأدرك الآن , أن اختلاق الأحاديث بعد فوات تسجيلها , صعود مؤلم وطويل من قاع العذاب , ولا أحد يطيق الالتفات إلى جحيمه . إن النهايات ليست بدايات , غير أن هياج نوازعنا , وبلبال عشقنا , يوسوسان بفتح أبواب الحدائق الليلية المغلقة , فنقع حينئذ في سحر المسوخ المحبوسة تحت غطائها الأخضر .







del.icio.us
Digg
هل الغازُ هو آخرُ غزواتِ غزّة!


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك