| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
تلك الستينات الصاخبة 1 - 2
برهان الخطيب
الكاتب والروائي برهان الخطيب
بين الأمس واليوم ما لا يحصى من كلمات، مشاكل اتسعت وتنوعت فيها تبعات، كلمات، كلمات، كلمات، ترنمت سيدة الأغنية العربية من غير آهات، متابع الأخبار يصاب أحيانا بدوار، من كثرة ما يسمع، وقلة ما ينفع، من تكرار وهذيان وما خفى وظهر بشجار، في عالم انقسم مجددا بعد تصور انطوت الحرب الباردة نحو اندثار، مئات الفضائيات والصحف تتناول يوميا ذات المواضيع بما يُسمى حوار، هو في عمقه صراع بارد أو حار، في المركز العراق وفقدان الاستقرار، منك لله يا كلمات، غوايتها أماسي وفي أسحار، نثرا أو هذرا يشبه الأشعار، أتساءل لماذا أكتب وألوم غيري خضوعه لما لها من سلطان، لست الشاكي الوحيد في مهرجان، كثرة الإعلام تشجع على كلام، ليته كان لكشف المخبوء وجلي حقائق، تخنق أحيانا بيد صغير وكبير في دقائق، أقول ما شأني والدنيا عراك وعناد، رأي ورأي مضاد، هكذا ساد اليوم في لغة الضاد، يدلو كلُ بدلوه، يمتح ويمنح، يفرز السامع يخسر أو يربح، هكذا سكت ولا أنجح، هاجسي يشجعني واصل تفلح، والمجال مفتوح وكل كلام مسموح، ما دفع ناقدا فاضلا إلى أن يسطر عن كاتب مجروح: يعرف ما له وما عليه بل انه قدم ما عليه تجاه الآخرين على ما له تجاه نفسه. لقد أصاب الناقد في هذا بالتفاتة رقيقة، في سكوتي إهدار بعض حقيقة، حسباني يملكها الوسط الأدبي من غوصة سحيقة، كما فعل وكشف الغطاء مرات، حسن البقاء نظيفا بعيدا عن مهاترات، ولو في هذا حينا تجنِّ على ذات، بينما يمارس إعلام دور مؤسسة عسكرية لها منشآت، يدافع كأنه عن مصلحة البعيد قبل القريب، مؤسسة الحقيقة افتراضية بلا كيان إلاّ لخدمة ذاك الإعلام، حقائق متصارعة حولنا كما في أفلام، على كاتب الانضواء تحت أحد الأَعلام، لو أراد لصوته جمهورا يسمعه، وحيدا.. أو في جوقة إمّعة، أو خذ قلمك وانزل من برجك إلى معمعمة، حينا وآخر بنشاط فيه منفعة، كالرياضة لمقيد بمكتب مع أوجاعه، ركضا إلى الخارج، هكذا فعلت في ساعة، وحين أشرفت على السلم واجهت طرقاعة، كدت أسقط بدوار من زمن راجت فيه كل بضاعة..
يستذكرون اليوم 1968 عام التحولات الكبيرة، كثرة تعرفه ترك بصماته عميقا في التأريخ الإنساني، تحررا ونزعة تجديد، العربي والعراقي خاصة، لكنا لم نستفد من ذلك مع الأسف، كما لم نستفد من مجمل دروس تأريخنا، غلبة النزعة العاطفية على العقلانية بيننا سبب، قوة الإعلام الخارجي وضعفه داخليا آخر. لم يكن العموم سبب الهموم. هزيمة أنظمة عربية قبل ذلك بعام انتجت ردة فعل جماهيرية عارمة، تزايدت شعبية الكفاح المسلح الفلسطيني، عاد حزب البعث بفكره الثوري إلى حكم العراق، مضت الأصداء مع تفاقم حرب فيتنام بعيدا إلى أوربا، ثورة طلاب في فرنسا، حركات يسار جديد في أوربا، مظاهرات احتجاج ضد حرب فيتنام، تبعتها صيحات التحرر والانفلات الجنسي وترويج المخدرات، والذروة هزيمة امريكا في فيتنام لاحقا.
1968 في الذاكرة
ذلك العام 1968 صدرت روايتي (ضباب في الظهيرة) ، بعد كتابي الأول (خطوات..) الصادر قبلها بعام، أثارت عاصفة كتابات نقدية في العراق، امتدت إلى مصر ولبنان، لم يكن نشر قبلها من نثر الستينيين سوى مجموعة (عينان بلا لون) المغمورة لخالد الحلي و(السيف والسفينة) المعروفة، وقيل شعر قليل، تكلمت عن ذلك السباق الحميد في سياق آخر، بعد ذلك صدرت عن دار (الكلمة) لصاحبها الموسوعي حميد المطبعي وأخيه صاحب مطبعة (الغري) برفقة الشاعر المرحوم عبد الأمير معلة بقية منشورات الستينيين، محمد عبد المجيد، فوزي كريم، حميد سعيد، خالد علي مصطفى، شفيق الكمالي، سامي مهدي، زكي جابر، عبد الرزاق المطلبي، ناجح المعموري، خالد حبيب الراوي، خالد الخميسي، مهدي السماوي، غازي العبادي، خالد يوسف، وغيرهم. بعد هذا ظهر كما سوف نرى ما سمي بـ (البيان الشعري) ثم (البيان التشكيلي) وبقية روايات ومجاميع قصص ودواوين الستينات في العراق. كانت بالنشاط أغزر موجة، وبمضمون الصيد الأفقر والأعلى ضجة. هذه حقائق أصبحت تأريخية، يصوغها بين حين وآخر كاتب وآخر بطريقته، مركزا الضوء هنا معتما هناك، بما يظهر هذه الكتلة أو تلك أصغر أو أكبر، لدواعي شخصية. وقالوها صريحة أيضا: بدواعي الغيرة، عتم البعض على هذا الأسم أو ذاك خشية منافسة في عكاظ جديد (شخصيا لا أنافس أحدا غير نفسي) مسحا من الرصيد الأدبي بجرد غير نزيه، كأنه ما كان ولا يراد له أن يكون.
في ذلك العام، والبعث ما زال لم يصل السلطة، أحالوا المطبعي ومعلة وأنا إلى محاكمة في سابقة لا مثيل لها، بسبب نشر مجلة (الكلمة) قصتي (الشرف) حققوا في شرطة النجف معنا، كنا وشك السجن وفقدان وظيفتي كمهندس في وزارة الإصلاح الزراعي، لكن تغيرَ النظام السياسي، صعدَ الشاعر المرحوم شاذل طاقة إلى دفة وزارة الإعلام والثقافة، تدخل في الحال وألغى الدعوى ضدنا من شرطة النجف، ذلك رغم علمهم أني لست بعثيا. منذ ذلك الحين احتضنوا الثقافة وشجعوا النشر، عينوا كثيرا من مثقفي الشيوعيين في صحفهم ومجلاتهم، لم يتعرضوا لمضايقة إلاّ نادرا لأسباب لا أعرفها، صدام حسين زار مجلة (ألف باء) آنذاك وفتحوا له باب إحدى غرفها أثناء جولته، شاهد فيها الفنان الصديق رسام المجلة، استمر في عمله غير مهتم بالزائر، تركه صدام لشأنه، في أدب واحترام. وحين نشرت تحقيقاتي عن اليابان والقفقاس واسكندنافيا وايطاليا وغيرها في (ألف باء) ورسائلي الثقافية من موسكو في (الأقلام) كان فيها ما يتعارض أحيانا مع فكر البعث، رغم ذلك لم أسمع منهم سوى أجزل الكلام. كان قلب البعث واسعا حتى لخصومه لكن قلب خصومه لم يتسع مع الأسف له، بسبب وطنية البعث وعروبته، اعترضوا عليه بغير موجب أحيانا، خاصة بعد تأميم النفط، تصلب أمامهم، تحول التصلب بتفرد إلى تشنج، والتشنج إلى مقتل لطرفين. طمح البعث ليكون للعراق كحزب المؤتمر للهند، والاشتراكي الديمقراطي لأوربا، ونجح في هذا، العراق يحتاج هكذا حزب وسط ليحقق استقراره، كثرة التحديات رجحت مركزيته، ركزت قيادته في فرد استهان بالمؤسسات الإستشارية فآذى وتأذى، لو كان البعث نجح في استبدال الفردية بالديمقراطية في صفوفه مقابل استحالة نشرها في وسط متزمت سياسيا حوله كان أصاب بعيدا وصوّب مَن حوله تلقائيا.
ما يسمى العملية السياسية بل الطائفية اليوم ترتكب نفس الخطأ إذا استمرت أحزابها على ديدن نحن أولا ثم الوطن. لبنان الرائع بأبنائه ونصره وتمسك بشرعية هضم أكثر من هذا الدرس، سوريا تجدد نفسها بهدوء، مصر تمر في الامتحان، وإلى المغرب لا خوف مع التكامل، وكذا بقية الامصار تعاني من مراهقات التحول والتحديث، مثلنا في العراق، عندنا يتكرر الخطأ، نولّي الأجنبي علينا بدل الوطني، تارة بجلف وتارة بحلف، هكذا بدأت واستمرت المشكلة العراقية متسعة الأصداء في محيطها العربي وأبعد.
تغير العالم بين 1968 و2008 ، أمس نظروا إلى البعث باعتباره دعامة دكتاتورية، اليوم دعامة استقلال ووحدة وطن. ممارسته الإغتيال بولغ في تصويرها، وإلاّ ما كان هذا العدد من العملاء والمناهضين له الآن. مقابره جماعية؟ صولات حكم المحتل المضادة لمقاومة قتلت أكثر. لا علاقة لمشاعر شخصية قد تفتح العين على حقيقة موضوعية، تعرضت أوائل الستينات لإغتيال، في بعض تلك المقابر أبناء عمومتي، هذا قاس، عرض وقائع بغير فن قصصي أو سواه. تأطير الموضوعي بالذاتي ترويض لكليهما، فن وثقافة، يمارسه فنان تلقائيا. في السهو طغيان. السهو أو تعمده بغياب الرقابة الذاتية أو الأخلاقية قد يصادر حياة كاملة، أكان من فنان في عمل إبداعي، من فرد في تجربة خاصة، أو من حزب في تجربة بلد. بين السهو والصحو حارب البعث حينه متمردين هبوا بدعوة أجنبي، والصولات مدعومة من أجنبي، فلمن الغلبة الأخلاقية؟ الغلبة تتحقق بالأخلاق قبل السلاح. ألاحظ أيضا إن معظم مناهضيه المنساق مع التيار الجديد استفاد من البعث أمس، يناهضه اليوم لكسب من ظرف إحتلال، رهط يفهم المواطنة أخذا فقط، لهذا أيضا هان شأن الوطن، الواجبات عنده مثالية أغبياء، لزوال الفرق برأيه بين المدنس والمقدس، لزوال مفهوم الوطن الجغرافي عموما، لهذا الوطن المراد تمزيقه، لا لذاك حيث تحميه أساطيل ونووي، هكذا يفتخر ذلك الرهط بالدنس باعتباره وسيلة لتحقيق مبادئ، يعزز تصوره منتج ثقافي مشجع على سلبية، فيلم مثلا عن انتحار رجل نظيف، بعد فصله من وظيفته لتغير الوقت، يضيق به عالمه وبه هو يضيق، فلا مكان له في عالمنا يريد الفيلم أن يقول. وكان الأجدى في رأيي لو ظل بطل خائب يقاوم، بل يدافع، حتى لو من غير أمل، لا ينسحب إلى ظل وعتمة، هذه ليست مجرد كلمات عابرة كبيرة، بل حصيلة عمر وعر وعمل شريف. بالمقاومة والدفاع يتألق معدن الرجل في الأقل، الفقر المادي ليس هو الأسوأ، بل الفقر الروحي، العصي على فهم شغوف بالكسب حسب. البعض يرى في المقاومة دحضا لتفاهم، ليستبدل التعبير إذن بدفاع مشترك مشروع عن وطن.
لا تحتاج أمة مثقفين وأدباءا منتحرين، معنويا أو جسديا، بل أبطال شغل وعقل حقا، يدعون إلى الجميل الفاضل الصحيح، ويدحضون بالدليلِ القبيحَ الرذيلَ الخطأ.
بغياب التفاهم والمصالحة الحقة يسير رهط الخيبة المستفيد ومعه البلاد إلى الخلف، وهو ساه ولا همه.
منعطف ثان لأدب حديث
موضوع الستينات وأدبها في العراق والعالم العربي كتب ونشر عنه الكثير، مستشرقون في أوربا وروسيا أعدوا عنه رسائل ومقالات، بعضه ترجم إلى العربية، البعض الآخر ما زال في لغته الأصلية. أطروحة دكتوراة كتبتها في معهد الاستشراق عن أدب الستينات. ما زال موضوعه حارا. بعد حركة الشعر الحر، التي بدأت من العراق أيضا، أصبح أدب الستينات المنعطف الثاني لتأريخ الأدب العربي الحديث. الحركة الأدبية عموما، كانت وما زالت، في العراق خاصة، في صلب الحركة الوطنية والسياسية. محاولة فصل بينهما يُتصدى لها بقسوة أحيانا، تم تسفيري من الاتحاد السوفياتي قبل يومين من الدفاع عن اطروحتي في القصة العراقية الستينية ذكرت. أحد نقدين وجها إلى تلك الأطروحة في دفاعي الأولي عنها أمام لجنة معهد الاستشراق كان عدم استخدامي المراجع الماركسية، الثاني طولها وضرورة اختصارها. ذلك ثبت بمحضر أكاديمي للمعهد لو ظل محفوظا عندهم. أرسلتها مترجمة نهاية السبعينات مع سينمائي عراقي إلى لبنان للنشر، قال بعد حين ضاعت بالحرب. شاعر معروف أيضا حمل مخطوطة رواية لي إلى اليمن لنشرها، قال أيضا ضاعت في حربها. مسؤول تضامن وصداقة في القاهرة أضاع أيضا مخطوطة لي رغم إعجابه بها. وزيرة ثقافة سوريا أرجعت مخطوطتي وفي رسالتها الرسمية إلىّ (درست مديرية التأليف والترجمة روايتكم بما أمكن من الدقة وأثنت على جهودكم الإبداعية. وها نحن نعيدها إليكم مع الاعتذار عن نشرها) هكذا، مع ثناء، دون ذكر أسباب عدم النشر، هي نفس المخطوطة التي أثنت عليها منشورة بروفيسور(ة) الأدب العربي بجامعة ستوكهولم، القائلة قبل ذلك لو لبرهان ثلاث روايات أخرى بمستوى (الجسور الزجاجية) استحق نوبل، حينه لم تكن قرأت لي غير (الجسور..) السيدة الفاضلة هذه رشحت وكانت وراء حصول نجيب محفوظ على نوبل. أيضا اعتذرت وزارة الثقافة والفنون العراقية منتصف السبعينات عن نشر (الجسور الزجاجية) لأسباب سياسية، عدم إثارة طرف في الجبهة آنذاك، وأيضا بالرسالة الرسمية إلي ثناء عليها (أحيلت روايتك إلى خبيرين اتفقا في مطالعتيهما على أن الرواية عمل جيد يدل على موهبة روائية متميزة ذات أصالة.. ولو قدر لها أن تظهر لكانت إضافة جيدة للرواية في العراق). بعد صدورها عن دار عويدات اللبنانية منع الحزب الشيوعي أنصاره من الكتابة عنها وذكرها في مجالس. ثم تسفيري مخفورا إلى الشام. وفي عودتي منها بجواز مزور إلى روسيا منتصف الثمانينات سرقوا حقيبتي أول وصولي فندق (كوسموس) شيوعي عراقي نظيف هناك هتك السر مهموما: هذا تدبير الكي جي بي. معها اختفت إلى الأبد مخطوطة روايتي (زهرة النفط). مديرية السياحة هناك اعتذرت برسالة إلي عن اختفاء الحقيبة وقدمت تعويضا يعادل.. مائة دولار. سترتي الجلد فقط فيها بأكثر من ذلك. اليوم حمدا للحاسوب تحفظ الوثائق أفضل، ولا تسلم من قرصنة متطفلين وفايروسات عابرة قارات. هكذا تطور بعض الأدب العراقي منذ الستينات، زهرة برية شقت بقوة تربة صلبة، تحت سماء مرعدة من غير رعاية، وعلى مقربة ومبعدة تفتحت أخرى في فيافي أحزاب ودلال أحباب، والذي عنده أحباب يشبع.. ذلك في الأقل شعار باحث فالح جدا عبد جبار، حصل منه على مائة ألف دولار بضربة تجار.
لست آسفا على ما خسرت، مواقفي في الحياة تغنيني، الحياة عندي موقف قبل كل شئ، ولو كان خطأ يبقى مقياسا. تلك كانت لمحة نحو مخطوطات وأطروحة من وعن الستينات وكيف يمكن أن تكون أمثولة، بل أمثلة ليتبين شاب مبدع أخطاره، ما قد ينتظره، بين تكتلات كاسرة وجهود خاسرة.
لتشابك الوضع الثقافي بالسياسي عميقا، بل حتى الرياضي بالسياسي في العراق، أدى مؤخرا لإلغاء لجنته الأولمبية، تواصلت النقاشات والبحوث عن دور الثقافة في الحياة الاجتماعية. لا بأس كثر الحديث عن ماهية الثقافة وطبيعة ذلك الدور، عن علاقة المثقف بالسلطة، عن أنواع الثقافة، عن تفاعل حضاري نعتّه مثاقفة، عن تعدد الثقافات في مجتمع واحد، عن تعدد الخيارات في مجتمع معاصر، إلى غير ذلك من محاولات قلمية ترسم ملامحنا الروحية العربية الحديثة، تتغير تتبلور في خطوط جديدة مع الصعود والنزول على تخوم القرن الواحد والعشرين، هذا طبيعي، المجتمعات، كاللغة، كالأفراد، تنمو مع ثقافاتها، تتحول من حال إلى حال، جديد يقام أحيانا على قديم، هكذا بنوا دور عبادة، أعمالا أدبية، كشكسبير حين استلهم حكايات عصره لإبداعه الجديد في زمنه، هكذا بنوا على ذلك الإبداع وغيره إعمالا معاصرة حديثة، أهرامات في ألمانيا وأمريكا على فكرة أهرام مصر، البعض على البعض في عملية تواصلية ينفي متسرعون استمراريتها هنا وهناك، تقديسا لحاضر مبتسر، تُستبدل جذوره الأرضية البعيدة بأخرى فضائية. جذور الانسان المعاصر متعددة نعم، في أكثر من اتجاه، لكن يظل، حاليا في الأقل، جذره حيث يقف أرفد له من جذر عابر محيط، أو طامح إلى قمر يتلاشى فجرا. روايته إذا أُختصِرت أو أُقتبسِت تبقى التفاصيل حياته. رواية ملهمة لمحبين نبيلين تُضغط في رسالة هاتفية، لعاشقين مؤقتين، لا ضير ربما حتى في هذا، لو كانت الغاية هي الكمال. إنما يَستبدل المتعجلُ الطموحَ النبيلَ بجموحٍ غير أصيل، نحو انتفاع مادي ملموس، على حساب روحي محسوس، هكذا يخنق وجوده، يُسقط مشروعه الحياتي في حضيض بعد حين. معلوم السوبرمان لا ولن يوجد، أو لو خلقوه غدا بهندسة وراثية تمنحه حاسة شم كلب، قوة بصر صقر، سرعة و خفة قرد، وداعة باندا، ينقلب حتما على خالقيه وعلى البشرية، يتآمر مع أترابه لإنهاء وجودها المتشاكس. والنياندرتال المسكين لو أعادوا خلقه ينتحر في أقرب فرصة، متخلصا من غربته بين متوحشي اليوم، حال يسمع أو يتفرج على أخبار ما يحدث في غزة والعراق.
بالحذف والتركيب يبني المثقف
والمثقف يبني ويطور ذاته بالحذف والتركيب. إذا فعل ذلك طبيعيا، عن وعي، بزيادة معرفته، أكثر من معارفه، بتعميق تجاربه الحياتية والأدبية، أكثر من تجارته الأدبية، فإنه يبني وينمو بلا خوف من إخفاق. القيم العالية الداخلة في تركيب عالمه الروحي تمنعه أو هكذا المفترض من استخدام معارفه سلبا ضد الغير، ضد محيطه، مستغلا المعرفة لتنكيل وسواه، مضمر أو معلن. ترك نموه الروحي لمغذيات ومقويات شهوة النجاح، لمتطلبات الشهرة والحصول على حظوة، يجعل الشهرة والنجاح وبالا عليه في مستقبل، في شكل نتاج غير حصيف مرفوض، في كلام أو تصرف غير حميد. يحتك بعائق لنجاحه وشهرته فإذا الجذور القديمة التي لا تموت دائما تدفع إلى السطح خبيأها، ينفضح الأصل ويضيع الأمل.
في أكثر من نتاج وتصرف، من أسم معروف وغيره، خلال سعيه إلى تعريف وشهرة، يتبدى ما يثير العجب أحيانا، كيف تفسر تصرف شاعر وآخر وغيرهما، حين يرفع الأول عقيرته يشتم من قدّره، يمثل دور رقيب على أمور ما عرفها، يرفع ساقه كراقصة متقاعدة، والرقص الحقيقي فن محترم، يضعها بغير أدب ولا فن على مائدة عامرة، في حضرة أكثر من مثقف وأديب، احتجاجا على صديق له في مسألة بينهما، وإن كان هذا يستحق ربما أكثر من ذاك، يفح في ثمل وخيلاء: أوصلوا إليه قدمي هذه أضعها فيه..
ما كان مني آنذاك غير مغادرة المجلس في الحال بعد أن أصبح مقردة فجأة، جذبتني إليه سمعة الضيف كشاعر لا يشق له غبار، وله في الإمصار اعتبار، إلخ..
الأديب لا يسيئ الأدب حتى بأدب. في يوم تال فعل ذلك الشاعر ما هو أسوأ، تبادل مع شاعر آخر، أصغر منه، رش الوجه برذاذ على حضيض. أكشف هذا وأنا أشهد تدهورا يجرف حياتنا الثقافية نحو هوان، سببه ليس المحتل فقط، بل وأيضا مثقفون شكوا منه. تصور الرصانة والعقلانية فيهم يتبدد بما يصدر منهم. بحب للذات طغى وتجبر. لقد أصابوا حين سحبوا من ذلك الشاعر لاحقا جائزة عربية مرموقة، فهل اتعظ معتاد العض؟ لا. تسمعه مؤخرا يصرح بمهابة أنه حصل على تلك الجائزة التي (كانت) مهمة، يريد القول نعم كانت مهمة، قبل أن تسحب منه. يضع نفسه حَكما على حَكم. يتغافل قد استكملت قيمة بسحبها منه. وحين يفوز بها العام المنصرم أديب عن جدارة، لكتاباته الطليعية الفنية الجيدة، فإن ذلك الشاعر يصرح: فاز بها ذلك الكاتب لمواقفه. هكذا: لمواقفه، لا لإبداعه الأدبي! في قولته هذه انتقاص من أدب الفائز واستحقاقه. وحين يُسأل عن الرواية العراقية يجيب: لا توجد رواية عراقية. هكذا بجرة كلام ألغى حضرته إبداع وآلام عشرات الكتاب الجيدين في عقود. العتبى طبعا ليست عليه، هو لا يفهمها، بل على الذي يسأل ولا يرد كما ينبغي على رد فج. لا غرابة. حياتنا الثقافية الحالية شبه خاضعة لمتكسبين من صنابير ثقافة، أوقفهم عليها ذو قدرة طامع لمزيد، مشجعا على غض النظر عن ثقافة وطنية ذات جدوى مقابل ترويج لثقافة طائفية ضيقة وأخرى كوسموبوليتية فضفاضة، رفع أحد ألويتها ذلك الشاعر مع نقشة وطنية خاصة صغيرة.







del.icio.us
Digg
هل الغازُ هو آخرُ غزواتِ غزّة!


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك