تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنـثـــر»  محمود البريكان.. العزلة ..النحر.. الريادة

محمود البريكان.. العزلة ..النحر.. الريادة

عدد مرات المشاهدة :905 - April 20, 2008

ناظم السعود

محمود البريكان.. العزلة ..النحر.. الريادة

  
  
يرتبط شهر آذار في أذهان ملايين الناس – ومنذ مئات السنين -  بالربيع وتجدّد دورة الحياة ولكنه منذ ست سنوات فقط ارتبط في أذهان أدباء العراق بواقعة مفجعة وداميه ألا وهي اغتيال الشاعر الرائد محمود البريكان في داره المنزوية في زقاق بصري  
هادئ( ولكنه لم يعد كذلك منذ تلطخت جدرانه بدم الشاعر)
فمنذ الأول من آذار 2002 لم يكن هناك من حديث في الوسط الثقافي العراقي وحتى غير العراقي يفوق حجما و أثرا و فجيعة من حديث الشاعر العراقي  محمود البريكان و نهايته المأساوية على  أيدي آثمة نقولها للأسف إنها بصرية أيضا ( بل عائلية) او هذا ما ظهر حتى ألان ! .
*    *
في ذلك الصباح الآذاري من عام 2002 استيقظ الأدباء والمثقفون على خبر فاجع يقول أن البريكان وجد صريعا بسبع عشرة طعنة في بيته المنعزل  ولم يترك القتلة فرصة لهذا الشيخ السبعيني الذي عاش في عزلة لأكثر من نصف قرن تاركا خلف بابه ألوان الحياة والشعر والأحبة فكانت فرصة لأسياد الظلام والمكتظين بشهوة القتل والطمع المادي ان يمارسوا سادياتهم ورغائب الإقصاء و تقنيات العدم إزاء كائن شعري ظل لصيقا بالعزلة والوحدة والهدنة الطويلة مع الحياة .. وقد ضج العراق يومها بتساؤلات صامتة مثل من قتل البريكان؟ ومن كان المحرض او الدافع على اغتياله بهذه الوحشية وهو الإنسان المسالم الذي كان بريئا حتى من نفثات الريح وأزيز الشهوات ؟ وهذه الأسئلة وسواها الكثير ظلت طي الصدور بسبب الجو الخانق الذي ضلل الجميع بدخان الصمت واللاابالية.
وكنا يومها نعمل في صحيفة (الزمن) وعرفنا من خلال اتصالاتنا الشخصية ان حقيقة القتل والقائمين به ستبقى بعيدة عن الظهور لأسباب لا تخفى على احد تتصل بأسرة الراحل تحديدا والجهات الساندة لها  وإن ما نشر في الصحف من أسماء ووقائع لا تمت إلى الحقيقة بصلة فكان علينا ان نبحث عنها , وقررت رئاسة التحرير ان ترسل الزميل وجيه عباس الى موقع الجريمة في مدينة البصرة وقد تصدى الزميل وجيه بشجاعة مشهود له بها  لتنفيذ هذه المهمة مع خطورتها وتراكماتها الأمنية والثقافية وحتى العائلية .
وبعد يومين كاملين عاد الزميل وجيه عباس من البصرة بعد ان اطّلع ميدانيا على الحقائق الغائبة او المغيبة لظروف جريمة اغتيال محمود البريكان و نشر تقريرا مطولا  أوضح فيه بالإشارة والتلميح الى الأيدي التي ساعدت او دفعت بهذا الاغتيال البشع الذي لم يشهد له تاريخ الأدب العراقي من قبل ذلك ان البريكان كان أول أديب يقتل بصورة علنية وخارج غطاء الجيش وزنازين الموت!.
 والغريب ان موضوع الزميل وجيه نشر دون ان يحرك ساكنا في دوائر الداخلية والعدل او محافظة البصرة التي اكتفت بالصمت المريب وهو نفس حال أدباء البصرة الذين سكتوا في حينها عن بشاعة الحادث او الواقفين خلفه فكانوا بمواقفهم هذه أشبه بشهود ضللوا العدالة والحقيقة وهذا ما لن يغفره لهم التاريخ , وقمت انأ بعد ذلك بإثارة الموضوع بأكثر من مكان ولكن الحقيقة ظلت نائمة وقد تناسى الجميع ان دم البريكان سيظل يطاردنا ما شاء لنا العمر ان نستكين  للصمت واللاابالية والعقوق.
قبر الشاعر المغدور محمود البريكانوقد مرت قبل أيام الذكرى السادسة  لنحر جسد الشاعر البريكان وما زلنا نواجه بالصمت والخذلان وكأن هناك من يريد أن تطمر الحقيقة في قبر الشاعر الراحل , لكننا نجهر  بالسؤال من هذا المنبر الحر:هل ان دم البريكان ضاع إلى الأبد ؟!   

 قبر الشاعر محمود البريكان
*    *
وطوال السنوات الست كان البريكان  حديث المجالس الأدبية ولا سيما بعد رحيله الدموي الذي لا يتناسب إطلاقا مع سيرته و مسالمته ووداعته التي أبعدته مضطرا او مكرها عن الأضواء والمجتمعات واللقاءات حتى لاحقته الشكوك و التساؤلات حول أسباب هذه ( العزلة ) التي استمرت لأكثر من نصف قرن تغيرت من خلاله جغرافية العالم وموازينه وتاريخه ولم تتغير عزلة محمود البريكان !
لأجل هذا فانا استغرب مثلا أن يقال ان البريكان قد رحل في ذلك الصباح الاذاري دعك ألان من فهم كيفية الرحيل و دوافعه فالذي أعيه ان البريكان وهو اللغز الأول في الشعر العراقي الحديث بلا منافس قد أعلن عن رحيله الأول منذ ان حكم على نفسه بالانقطاع التام عن حياته الأدبية و حتى غير الأدبية قبل رحيله الجسدي  بأكثر من نصف قرن ... و انطفأ و استعر خلالها الحديث و الجدل حول ( عزلة ) البريكان من دون نتيجة تذكر لان الراحل كان يرفض بشدة الدخول في الجدل الدائر حوله بل كان يبتعد عن الإدلاء بأية أحاديث أدبية أو صحفية او المشاركة في المهرجانات و الأمسيات الخاصة و العامة مما ولّد طلاسم متراكمة حول سيرته و شعره حتى جاء نبا ( قتله ) في 1/3/2002 ليضيف طلاسم جديدة حول هذا الشاعر الرائد لن يحل بسهولة 
ولمن لا يعرف البريكان لا سيما من أجيال ملحمة ( أمك على ألبير !) نقول انه من الرعيل الأول لحركة الشعر العربي الحديث و من ابرز أصوات القصيدة الجديدة بل كان أستاذا لرائدها الأول بدر شاكر السياب الذي كان يشيد بشاعرية البريكان و إمكانياته أربعينيات القرن الماضي و لكن عزوفه العجيب عن نشر ما يكتبه مع ان منجزه كبير هو ما جعل عدة دارسين و مؤرخين يغفلون عن ذكره في ريادة الشعر الحديث إلى جنب زملائه : السياب و ألبياتي و الملائكة .
 نعم لم يرحل البريكان قبل ست سنوات  بل انه تغصّص مرارة الرحيل المتكرر منذ عشرات السنين حين استكان الى عزلة أبدية ووحدة غير مسوغة ورفض دائم للحياة بكل صورها وهذا ما جعله لدى محبيه ومريديه راحلا قبل الأوان  بكثير! . و الحق إننا لا نستطيع ألان في الأقل ان  نحيل سبب عزلة البريكان الى موانع ذاتية تخصه هو ذلك ان هناك أسبابا موضوعية كثيرة تقف خلف هذه العزلة التي لم يشهد مثلها أي شاعر عربي آخر و لي هنا ان اطرح أسئلة ثقافية قد تفسر ما حصل للبريكان او سواه : كيف احتفى المحيط الثقافي العراقي بهذا الشاعر الرائد ؟ كم ندوة او احتفالية أقامتها مؤسساتنا الثقافية الغافية عن الشاعر ودوره التجديدي؟ ما هي الكتب التي تناولت شعر و سيرة البريكان ؟ ( لا توجد باستثناء جهد الشاعر عبد الرحمن طهمازي والناقد رياض عبد الواحد ).. هل تم إطلاق اسمه على احد شوارع ( العشار ) التي شهدته شاعرا و قتيلا ؟ ! هل أنشئت جائزة باسمه و لا سيما للشعراء الشباب؟  أظن ان هذه الأسئلة و غيرها كثير نكاد نطرحها مع كل مبدع عراقي يعاني من التجهيل و التهميش و الإلغاء و هو لما يزل على ذمة الحياة اما بعد ذلك حين يأتي خبر ( الرحيل الرسمي ) فيحدث الاهتمام بـ ( الراحل ) و تسوّد الصفحات ثم ينتهي كل شيء و يعود الراحل كأنه ( ما كان ) !
وقد تابعت بأسف شديد ما نشرته صحفنا و مجلاتنا بعد ذيوع خبر فجيعة البريكان و كيف ان الصحف مثلا اكتفت بنشر ( النعي ) الذي عممه اتحاد الأدباء لينشر في أسفل صفحات الأخبار  و المحليات و لم يكن أكثر من بضعة سطور عن ( الحادث المؤسف ! ) أما بقية ( القنوات ) فلا زالت مشغولة بخلافات نوال ألزغبي و ديانا حداد والخوف من تدخل القطب الأوحد بينهما ! .
والآن هل لازلنا نتساءل : لماذا مات البريكان ... من زمان ؟ !



أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن