أدب فن: يوميات كاتبة يوميات كاتبة ================================================================================ حسين عجة on 12/ 4/ 2008     فرجينيا وولف ترجمة: حسين عجة 1918 الاثنين، الخامس من أغسطس/آب فيما كنت أنتظر شراء دفتر أسجل فيه انطباعاتي أولاً عن كريستيانا روستي، ثم عن بايرون، إذ من الحري تثبيتهما هنا. لأنه لم يبق لدي أية نقود، بعدما اشتريت كميات كبيرة من مؤلفات لاكونت دي ليزل. تتمتع كريستانا بإحساس كبير بأنها ولدت شاعرة، كمعرفتها العظيمة بنفسها. لكن إذا كان عليَّ الاستشهاد بحالة ضد الله، فستكون هي أول شاهدة قد أنادي عليها. أن قراءتها شيء كئيب. فهي قد ضحت بنفسها أولاً من أجل الحب، والذي هو الحياة أيضاً، ومن ثم ضحت بها من أجل الشعر على خلاف مع ما كانت تعتقد بأن دينها يطالبها به. كان هناك شخصان يعشقانها. يتمتع الأول منهما في الحقيقة بخصوصيات ذاتية. كان يمتلك وعياً. فيما لم يكن بمقدورها الزواج سوى من شبح مسيحي خاص. ولم يكن بمستطاع هذا الشخص الحفاظ على ذلك الشبح لأكثر من بضعة شهور وحسب. ففي النهاية كان قد طور نوعاً من الكاثوليكية الرومانية وفقدَ نفسه. الأتعس من ذلك كانت حالة السيد كولنس –طالب رائع حقاً- يعيش في عزلة عن العالم، شخص ذو عقلية متفردة بتوجيهه لكريستينا، ولا يمكنه أبداً الدخول في حظيرة المعتقد أبداً. عند هذه النقطة كان بإمكانها مبادلته زيارات عطوفة في محل أقامته، وذلك ما قامت به حتى نهاية حياتها. كذلك قامت بإخصاء شعرها. فهي قد انطلقت تنظم مزامير على شكل قصائد؛ وبالتالي وضعت كل قصائدها في خدمة المعتقدات المسيحية. وبالنتيجة، كما أعتقد، قد أخضعت موهبة أصيلة ورقيقة لحالة من الحرمان والضعف القاسيّين لم تكن تتطلب سوى حرية لكي تحصل لنفسها، كما يمكننا قول ذلك، على شكل أكثر رهافة من شعر براوننكز. كانت تكتب بسهولة كاملة، بالطريقة العفوية الطفولية التي يمكن للمرء تخيلها، كما هو الحال عموماً مع أية موهبة حقيقية؛ لكنها لم تتطور بعد. كانت تمتلك القوة الطبيعية على الغناء. وهي تفكر كذلك. عندها مخيلة. كان يمكنها أن تكون، كما يمكن لشخص جاهل لمح ذلك، مُنفلتة وطريفة. وكتعويض عن كل تضحياتها تلك، كانت قد ماتت داخل الرعب، الشك والعبودية. ومع أني لم أقم إلا بتقليب شعرها، أعترف  بأني عند قراءتها كنت أشعر بأني ذاهبة نحو واحد من أولئك الناس الذين كنت أعرفهم من قبل.   الأربعاء، السابع من أغسطس/آب  كانت قد أستقطرتُ يوميات "آشهام"(1) من ملاحظاتي الدقيقة للزهور، السحب، الماشية وأسعار البيض، ولكوني كنت وحيدة، ليس ثمة من حدث آخر أسجله. كانت مأساتنا هي الضجة التي يحدثها الجارور، وإثارتنا هي عودة الخادمات في الليلة الماضية من "لويز" محملات بكل كتب "ل.س"عن الحرب والتعقيبات في المجلات عن الكتب الصادرة التي تعود لي، ومقالة "بريلسفورد" عن عصبة الأمم المتحدة، وكذلك كتاب كاترين مانسفلد "النعمة". قذفت بكتاب "النعمة" صارخة "أنها مخلوقة لذلك! في الحقيقة، لا يمكنني رؤية إلى أي حد يمكن للإيمان في حالتها كامرأة وكاتبة أن يبقى بعد تلك القصة. قد يكون عليَّ قبول الواقع، فأنا أخشى من أن يكون عقلها أرض هشة، لا يغوص لأكثر من أنج واحد أو اثنين فوق صخرة عاقرة. ذلك لأن "النعمة" طويلة بما يكفي حرمانها من حظ الذهاب إلى ما هو أعمق من ذلك. لكنها بدلاً من هذا، تقبل بنوع من الأناقة؛ وكل إدراكها فقير، رخيص، كذلك لا تمتلك تلك الرؤية التي يتمتع بها عقل مُثير، مهما كان عدم اكتمالها. أنها تكتب بشكل سيء للغاية. والنتيجة، كما قلت، تمنحني انطباعاً عن قسوتها وصلابتها ككائن بشري. سوف أعيد قراءتها ثانية؛ لكني لا أفترض بأن رأي سيتغير. فهي تقوم بذلك بالدقة من أجل أرضاء نفسها وأرضاء "ميري". لقد شعرت بالراحة من عدم قدومهما. أو أنه من العبث قراءة نقدها الشخصي هذا في قصة؟ على أية حال، أنا سعيدة تماماً في مواصلة قراءتي لبايرون. فهو يتمتع على الأقل بالفضائل الرجولية. في الواقع، لقد تمتعت بسهولة تخيلي الأثر الذي يخلقه عند تلك النسوة غير القادرات على الارتفاع إلى مستواه. ومع ذلك، ستطالب به الكثيرات منهن أيضاً. منذ طفولتي (كما يمكن لكيلتلر قول ذلك، وكأن هذا سيبرهن له بأنه شخصية مرموقة بصورة استثنائية) كنتُ معتادة على اقتناء السيرة الذاتية الكاملة لأحدهم، كما كنت أرغب في بناء الشكل المُتخيل للشخص بكل ما يمكنني الحصول عليه من فتات الأخبار عنه. فعندما يتملك المرء الحماس، يكون اسم كوبر أو بايرون، أو أي أحد غيرهما، قد شرع ضمن صفحات لا مثيل لها. لكن بعد ذلك، وفجأة، يصبح ذلك الشكل نائياً، ولا يغدو سوى واحداً من الأموات العاديين. فأنا متأثرة أكثر برداءة أشعار بايرون -بالطريقة التي يستشهد بها "مور" بكلمات أعجاب لا توصف. لماذا يعتقدون بأن هذا الديوان يمثل أجمل نيران الشعر؟ فقراءته قلما تختلف عن قراءة "ل.أ.ل" أو "الا ويلر فلوكس". لقد أقنعوه بعدم القيام بالشيء الذي يعرف بأنه كان قادراً عليه، والذي كان يتمثل بكتابة الهجاء. فهو قد قََدمَ إلى الوطن من الشرق وأشعار الهجاء (محاكاته لهوراس) في حقيبته مع كتابه "الطفل هارولد". لقد كان مقتنعاً بأن "الطفل هارولد" هو أفضل شعر كان قد كُتَبْ. لكنه عندما كان فتياً، لم يكن يؤمن أبداً بقصائده؛ وهذا دليل، عند شخص متزمت وواثق من نفسه، على أنه لا يتمتع بأية موهبة.  لكن "وردزورث" و"كيتس" يُصدقان ذلك، تماماً كما يصدقان كل شيء. غالباً ما تذكرني طبيعته "بروبرت برووك"، مع أن ذلك سيكون على حساب "برووك". ومهما يكن، يتمتع بايرون بقوة رائعة؛ وذلك ما تبرهن عليه رسائله. وله، من نواح عديدة، طبيعة غاية في الرهافة، مع أنه إذا لم يضحك أحد من تصنعاته فأنه سيتحول في تماثله مع هوراس أكثر مما يتمناه المرء. يمكن الضحك عليه من قبل امرأة فحسب، لكن بدلاً من هذا، فهن يعبدنه. لم آتي بعد على ذكر السيدة بايرون، فهي عوضاً عن الضحك، لا تفعل سوى الاستهجان. وبهذا تصبح بايرونية.    (1)آشهام دار بالقرب من "لويز" أجرناها من عام 1913 إلى عام 1918، كنا نستخدمها في مناسبات عطل نهاية الأسبوع وفي العطلات الصيفية. في نهاية عام 1918 انتهى عقد الإيجار، فاشترينا بيت "مونكس هواس" في "رودرمل"     الجمعة، التاسع من أغسطس/آب  في غياب أي اهتمام إنساني يجعل المرء سعيداً ومسالماً، قد ينبغي عليه الاستمرار في قراءته لبايرون. ولأني قد ذكرت بأني مستعدة، بعد مرور قرن، على السقوط في حبه، ربما يكون حكمي على قصيدته "دون جوان" غير منصفاً. فهي أكثر القصائد الطويلة قراءةً، كما أعتقد : نوعية تعود في جزء منها لانبثاق منهجه الاعتباطي المأخوذ بالصدفة. فالمنهج هذا اكتشاف بحد ذاته. أنه ما يبحث عنه المرء عبثاً –شكل مطاطي يتحمل كل ما يختاره الشخص كي يضعه فيه. ولذا سيكون بمقدوره كتابة كل ما يَأتي عبر مزاجه. فهو لم يكن مفروضاً عليه أن يكون شاعرياً؛ وبذلك يفلت من عبقريته الشريرة لرومانسية مزيفة ومتخيلة. فعندما يكون جدياً يصبح مخلصاً : وبالتالي يتوقد في أي موضوع يرغب فيه. أنه يكتب ستة أناشيد من دون أن ترتجف خاصرتيه. من الواضح أنه يتمتع بتلك القدرة الظريفة التي سيطلق عليها أبي "السير ليزلي" الطبيعة الرجولية العظمى. أشدد على أن هذا النوع من الكتب اللاشرعية هو أكثر إمتاعاً من تلك الكتب النظيفة التي تحترم بورع الأوهام دائماً. وبالرغم من ذلك، لا يبدو أنها تشكل مثالاً بسيطاً يمكن اقتفائه؛ فهي في الحقيقة ككل الأشياء الحرة والبسيطة لا يمكن أن تُنجز بنجاح إلا بحذق وطبيعية. غير أن بايرون يكتظ بالأفكار –خاصية تمنح شعره مادة وتدفعني على القيام بنزهة في الحقل الريفي الذي يحيط بداري أو في غرفتي أثناء قراءتي لها. في هذه الليلة سأتمتع في انتهاء قراءتي له –ومع أني لا أستطيع القول لمَ كنت أتمتع بكل واحد من مقاطعه الشعرية، لا بد وأن يكون هذا لذة لم أكن أعرفها من قبل. بيد أن الأمر هو هكذا دائماً، إن كان الكتاب جيداً أو رديئاً. ففي ذات الطريقة، يَعترفُ "ماينارد كينز" بأنه كان يقص صور الكتاب الذي يقرأه في اليد الأخرى، لكي يعرف بالدقة إلى أي حد يمكنه مواصلة قراءته.     الثلاثاء، التاسع عشر من أغسطس/آب  في نفس الوقت أنهيت قراءة مسرحية "ألكترا" لسوفوكل التي كانت ملقية هنا، مع أنها لم تكن في النهاية صعبة على القراءة بصورة مرعبة. أن الشيء النظر الذي كان يؤثر بيَّ دائماً هو الطبيعة البسيطة للقصة. فكما يبدو ليس ثمة ما يمنع من خلق مسرحية منها. وقد يكون مصدر ذلك وجود موضوعات تقليدية كانت قد وُضعت وتم تحسينها وتحريرها من كثرة الزيادات بفضل الصقل الذي قام به ما لا يحصى له من الممثلين والمؤلفين والنقاد، حتى أصبحت تشبه مادة زجاجية ترتدي ثوباً شفافاً عند البحر. فحتى لو كان كل واحد من المشاهدين يعرف مسبقاً ما الذي سيحدث، فالعديد من اللمسات الرقيقة والمرهفة ستقال له بالرغم من ذلك، ومن ثم يمكن الاقتصاد في قول الكثير من الكلمات. على أية حال أن شعوري هو دائماً بأن المرء لا يستطيع القراءة دائماً بعناية تامة، أو أنه يولي كل سطر ولمحة ثقل كاف، وبالتالي فأن العري الظاهري لا يشكل سوى سطحاً. ومع ذلك، تبقى قضية القراءة المغلوطة للانفعالات الموجودة في النص قائمةً. عموماً لقد شعرتُ بالإنهاك في معرفة قدرة "جيب" على الرؤية، وشكي الوحيد هو إذا لم يكن عاجزاً عن رؤية الشيء الكثير –مثلما أعتقد بأن على المرء أن يفعل ذلك مع مسرحية إنكليزية رديئة، إذا ما كان عليه أن يعمل. ففي النهاية، يبقى سحر الإغريق قوياً وصعباً على التقدير دائماً. إذ يشعر المرء من المفردات الأولى بالفارق التعيس ما بين النص وترجمته. أن المرأة البطلة هي ذاتها في اليونان كما في انكلترا. أنها من نوع أميلي برونتي. فـ "كلتمنستر" و"الكترا" هما أم وأخت، ومن ثم لا بد لهما من التمتع بحب ما، مع أن ذلك الحب يمكن أن يتحول في الأخير إلى كراهية شرسة. أن "الكترا" هي نمط المرأة التي تضع العائلة فوق كل شيء آخر؛ الأب. فهي تحمل أجلالاً حيال التقاليد أكثر من أولاد الدار؛ فهي تشعر بأنها ولدت من جانب الأب أكثر من جانب الأم. من الغرابة أن يلاحظ المرء، بالرغم من ذلك، كم أن الأعراف مزيفة تماماً وحمقاء، فهي لم تظهر تافهة وغير جديرة بالاحترام كما هي عليه أعرافنا الإنكليزية. فالكترا كانت تعيش مطوقةً أكثر بكثير في الحياة من امرأة في وسط العصر الفيكتوري، بيد أن ليس لهذا من تأثير عليها، ما عدا أنه يجعلها أكثر قسوة وسمواً. فهي لم تكن قادرة على الذهاب للتنزه وحدها، وهذا ما لا ينطبق عندنا إلا على الخاد  الثلاثاء، العاشرة من سبتمبر   مع أني لست الشخص الوحيد في "سوسيكس" الذي قرأ ملتون، أعني كتابة انطباعاتي عن "الجنة المفقودة" أثناء قراءتها. وهي انطباعات تصف إلى حد بعيد الشيء الذي خلفته في ذهني. لقد تركتُ العديد من طلاسمها دون قراءة. فقد كنتُ أنزلق بسهولة من فوقها لكي أصل لتذوق أريجها الكامل. لكن مهما تكن رؤيتي، واتفاقي إلى حد ما مع الفكرة القائلة بأن ذلك الأريج الكامل هو التعويض عن ثقافة راقية، أظل مع ذلك مذهولة من الفارق العظيم ما بين هذا الشعر وغيره من الأشعار. فأنا أؤمن بالعلو المتسامي واللاشخصي للانفعال. لم اقرأ أبداً "كوبر" وأنا ممدةً على الأريكة، غير أني أستطيع تخيل الأريكة باعتبارها بديلاً مُدرجاً "للجنة المفقودة". أن مادة ملتون مصنوعة برمتها من الروعة، الجمال والسيطرة على وصف أجساد الملائكة، المعارك، الفرار، والأماكن المسكونة. أنه يتعامل مع الرعب وعظمة الفساد السياسي والسمو، لكنه لا يبال أبداً بعواطف القلب الإنساني. هل ثمة من شعر عظيم تُرك مرة في مثل هذا الضوء الضعيف المتعلق بأفراح وأحزان المرء؟ لا أتحمل الحكم على الحياة؛ ونادراً ما أحسست بأن ملتون قد عاش أو عرف الرجال والنساء، فيما عدا مناكدات الشخوص من حول الزواج وواجبات المرأة. أنه في طليعة الفحولين، غير أن احتقاره متولد من سوء حظه الذي يبدو بأنه كان آخر كلمات الحقد في نزاعاته العائلية. لكن كم كان كل ذلك ناعماً،  قوياً ومحبوكاً! أي شعر! يمكنني أن أتصور بأن شكسبير نفسه سيبدو بعد ذلك قلقاً، شخصانياً، حاراً ويعوزه الكمال. كذلك بمقدوري إدراك بأن هذا هو الجوهري، وسيكون ما عداه مجرد شعشعة. فرهافة الأسلوب التي لا يمكن وصفها، والتي تكون ظلاله الواحدة بعد الأخرى مرئية، ستكون وحدها من يجعل المرء يحدق فيها، بعد أن تكون الأشغال السطحية المتوالية قد تم التخلص منها منذ وقت طويل. ففي العمق البعيد يظل المرء قادراً على القبض على مزيد من التركيبات، الإسقاطات، أشكال السهولة والتحكم الكامل. بالإضافة إلى ذلك، وبالرغم من أن رعب السيدة مكبث أو صرخة هاملت لا مثيل لهما، فأن كل شخوص هاملتون مُهيبة؛ أنها تنطوي على الكثير مما يفكر به الرجال عن مكانتنا في الكون، عن واجبنا حيال الله، إزاء ديننا.