تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنـثـــر»  بيتي الوحيد الحزين

بيتي الوحيد الحزين

عدد مرات المشاهدة :1000 - April 06, 2008

منير العبيدي

بيتي الوحيد الحزين

 
 
الشارع الرئيسي المؤدي إلى الجسر الذي يعتلي نهر ديالى ، و يقود الى بعقوبة القديمة ، من ذروة تقوسه في الوسط يعرضُ على امتداد البصر بانوراما البساتين ، أتركه منعطفا إلى اليسار فأدخل شارع المستشفى .. أسيرُ تاركا ورائي أسيجة  بيوتٍ بنية ، بيجية أو تلك التي تحمل لون الاسمنت الحائل تطوق أشجار الزيتون و البرتقال و النارنج و النخيل ، بيوت الستينات بطرازها و أجوائها تعكس " بذخ " الطبقة الوسطى المتواضع الحميمي ، الطبقة التي شهدت آخر عهود ازدهارها في الستينات يوم كان المعلم الشخصية الأبرز في  المجتمع . ينتهي الطريق الذي يبلغ اقل من كيلومتر واحد متعامدا على نهر ديالى عند السدة التي اذا ما اعتليتها ينكشف أمامي النهرُ يجرى هادئا في العمق و بساتين الهويدر في الضفة الأخرى : أشجار البرتقال تلوذ بالشموخ الفاتن للنخيل السامق . من أول فتحة على اليسار و قبل ان تبدأ بيوت ( الدهلكية )  حيث ينتهي سياجُ المستشفى منعطفا الى اليسار  ، قبل أن أصل محطة البستنة ، ادخل شارعا فرعيا ، يمينُه بيوتٌ متطامنة الى بعضها ، متكئة على بعضها ، حين تبقى وحيدة تتهامس الى بعضها  بحفيف حدائقها التي تحمل ملامح البساتين أكثر من حدائق بغداد المفروشة بالحشيش الأخضر و التي تكشف نفسها للشمس . لدينا الحدائقُ هنا : نخيلُ تمرٍ ، برتقالٌ ، أشجارُ تين و زيتون ، تظلل مرأبَ السيارةِ فيه " قمرية " عنب و أخيرا عريشة جهنمية ربما لتكسر ايقاع الطابع البستاني للحدائق ، شاهدا على طبقة أزيحت بفظاظة عن المسرح و تركت آثارها . فرعين و أدخل في الثالث ، هذه المرة البيوت على يساري و يميني و أطفالٌ يلعبون ، سيلوحون لي بأيديهم الصغيرة لأنهم يعرفونني ، و قبل النهاية و قبل ان أصل الى تعامد لشارع عرضي حيث بيت الدجيلي ، عند البيت قبل الأخير ، قبل بيت مكي انظر إلى باب فاتحِ الزرقةِ صغيرة بعرض متر واحد ، ربما تكون معمولة من قبل حداد في أواخر الخمسينات أفتح الباب و ألج إلى الداخل ، فيكون الياس مثل حرس الشرف يحفني من الجانبين ، أكون عندئذ في حديقة البيت .  
هذا هو بيتي .
إنه بيتي الحزين الوحيد .
يتفقد البيت من غابوا ، تفتش عيونُه الغرفَ و المسالكَ . الصالة و الحديقة  تبحث عمّن رحلوا وتركوه وحيدا و حزينا . يفتقدُ البيتُ ما اعتاده طويلا : رائحة الشاي ، إيقادَ المدافئ ، تحضيرَ الفطور ، اندلاقَ الحليب على الطاولة ، الصراخَ المتذمّر ، التهدئة و التهوينَ ، قطعة القماش التي سارعت للمسح ، تقريع َمصطفى الذي تنحى جانبا مطرقا في الزاوية شاعرا بالذنب ، خطوات ( توده ) الصغيرة حافية تهرع و تصطف إلى جانبه تضامنا تواسيه تتطلع إلى وجهه منحنية قليلا إلى الأمام لتلم بوجهه المُطرق ، صوتَ فيروز الرنّان ، حاملَ الفرح ( عودك رنان ، رنة عودك إلي ) ، الخطوات المرتبكة للصاحين توا من نوم صباح الجمعة ، أنفاسَنا التي تعلق بخارا على الزجاج ، القطة التي تنظر خللَ زجاج شباكِ المطبخ ، أصوات بيت (حجي مهدي ) تعبر معتلية السياج عند ظهر البيت ، حفيف النارنج و الصوت المكتوم لسقوط الثمار على الأرض الهشة .
اللوحات : ( حديقة أبو فريدون ) ، ( ليلة اغتيال القمر ) ، ( الموت الابيض ) ، ( كتب و فانوس ) ، ( كابوس )  تشتاق لمن ينظر إليها ، يعيد اكتشاف أسرارٍ فيها ،  يرى مرة أخرى مكامنَ الجمالِ في ألوانها و بناءها ، يشم فيها عطرَ اللونِ المتقادم ، يمسحُ بقماشِ (الململ) المبتل ببقايا دفء الماء المغلي الغبارَ عنها ، يرشها بالوارنيش يعيد لها استقامتها على الجدار عائدا خطوتين الى الوراء متطلعا إليها بودِّ صديق  .
تبحث الكتبُ عمّن كان يقلبها ، ينفخ عن حوافها الغبار ، تفتقد من تعانق عيونُه كلماتها ، من تهزه قصائدها و قصصها ، من يمعنُ التأملَ في معانيها ، من يفكُ مغاليقَ رموزها الممتنعة ، من يمسك بمعجم ألـ ( The Advanced Learner s Dictionary ) ليلاحق الكلمات ، معانيها و تأويلاتها . 
تفتقد النخلتان نشوةَ التلقيح ، رعشة النشوة التي تهز الشجرة الراسخة ، شعورَها المغيّبَ بالأنوثة و هي تعانقُ عطرَ الرجولة لحبوبِ الطلع الفوّاحة بالذكورة ،  تتطلع لمن يزيحُ عنها حملَ الشيص لسنوات تتلاحق ، يبحث جذعُها عن ملمس باطنِ القدم المقوسة و هي ترتقيه و رنين (التباليه) على جذعه الشائخ ، يفتقد (التكريب) ، القصَّ اللذيذ ، الأنيقَ للزوائد ، لليفِ المتلفِّ على الكرب . 
يفتقد شذى زهر ( الشبوي ) الذي تسلق السياج من يستنشقه .. بنا ، بوجودنا ، يدرك نفسَه ، بنشوتنا ينتشي ، بمديحنا يفتخر ، يجول ممتطيا الهواء مادا ذوائبه الى الشارع الإسفلتي ، طالا على بيوت الجيران مرسلا لوامس عطره الى أطراف الحديقة محيطا بجذع النخيل المتبرم و النارنج الصبور و ( اللالنكي ) الأنيق . العطر الأنيق الممراح ، المرحب به في الأماسي الطرية ، كان ، قبل وحدته ، يشاكس العذارى العابرات يلتف حول الأجساد الممشوقة و يطوق تدويراتها المثيرة ، يقتحم خفاياهن اللذيذة يكشف بميسمه مكامن السر و الشهوة .
إنه الآن يجول وحيدا ،  وحيدا ، وحيدا الا من نفسه .
بيتي كئيب يتفقد بحزن من غابوا وتركوه وحيدا .



أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

raaed في October 29, 2008
raaed قرأت هذا المقال خمس مرات او اكثر كنت احن الى تلك الصورة التي رسمتها بقلمك لا بفرشاتك
كل يوم افيق في غربتي اتخيل ان اقدام تودة تقترب مني او ان توتو يلعب بسياراته حتى ادرك اني بعيد جدا جدا لا زلت احن الى الفسيل الذي انتظرته طويلا ولازلت اشم رائحة الخبز من تنور الطين المنبعث من بيت ابو علي
أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن