الرئيسية »  الـنـثـــر»  الرسائل المتبادلة بين أنطونين أرتو وجاك ريفيير

الرسائل المتبادلة بين أنطونين أرتو وجاك ريفيير

عدد مرات المشاهدة :1770 - 28/ 3/ 2008

حسين عجة

الرسائل المتبادلة بين أنطونين أرتو وجاك ريفيير

 
 
ومقالة موريس بلانشو المتعلقة بهذه الرسائل * 
 
من جاك ريفيير إلى أنطونين أرتو
1/5/1933
سيدي،
أعتذر عن عدم تمكني من نشر أشعارك في "لانوفيل رفي فرنسيس" (المجلة الفرنسية الجديدة).
لكني قد اهتممت فيها كثيراً إلى حد الرغبة في القيام بالتعريف بكاتبها. إذا كان بإمكانك المرور
على المجلة في يوم الجمعة، ما بين الساعة الرابعة والسادسة ما بعد الظهر، سأكون سعيداً
برؤيتك. ألتمس، يا سيدي، أن تتقبل صدق مشاعري الأكثر تعاطفاً.
جاك ريفيير.  
 
من أنطونين أرتو إلى جاك ريفيير
5/6/1933
سيدي،
هل تود السماح لي، ولو سبب لك ذلك إزعاجاً، بإعادة تناول بعض التعابير التي وردت في
نقاشنا ظهر هذا اليوم. ذلك لأن مسألة قبول هذه الأشعار تحظى لديك باهتمام أكبر مما أحظى
به أنا شخصياً. أتحدث، بطبيعة الحال، عن قبولها المطلق، عن وجودها الأدبي.
أنا أعاني من مرض عقلي مرعب، فأفكاري تتخلى عني على جميع الأصعدة. بدأ من فعل التفكير البسيط وحتى تجسيد الكلمات الخارجي؛ الكلمات، أشكال التعبير، اتجاهات الفكر الداخلية، وردود الأفعال العادية. أعيش بملاحقة دائمة لوجودي العقلي. لهذا ما أن أتمكن من القبض على شكل ما، مهما كان عدم اكتماله، حتى أقوم بتثبيته، خشية فقدان الفكرة بكاملها.
أنا أحيا فوق نفسي، أعرف ذلك وأتألم منه، بيد أني أقبله، خوفاً من الموت كليةً. كل ما أقوله هنا أقوله بصورة سيئة، وأخشى أن يدخل في حكمك عليَّ التباساً مفزعاً. لذا، وإكراماً للعاطفة المركزية التي تملي عليَّ هذه الأشعار ولأجل الصور والانعطافات الحادة التي تمكنت من العثور عليها، أرشح هذه الأشعار إلى الوجود. فتلك الانعطافات، وهذه التعابير التي تلقيتها بشكل رديء، والتي تلومني عليها، قد أحسست بها جميعها وأنا أقبلها.
لتتذكر : أنا لم أرفضها. فهي صادرة عن القلق العميق لفكري وسأكون سعيداً عندما لا يُستبدل ذلك القلق بالموت المطلق الذي أشعر به أحياناً.
هنا أيضاً أخشى الالتباس. أريد أن تعرف جيداً بأن الأمر لا يتعلق بوجود ناتج عما نسميه، تقليدياً، بالإلهام، لكنه يرتبط بغياب كامل، بضياع حقيقي. لذلك قلت لك بأنه ليس في حوزتي أي شيء، أي عمل معلق، فالأشياء القليلة التي عرضتها عليك هي كل ما يشكل المزق التي تمكنت من الحصول عليها من العدم المطلق.
يهمني تماماً أن لا تتعامل مع تجليات الوجود الروحي القليلة تلك، التي تمكنت من الحصول عليها لنفسي، وكأنها لا تتمتع بأي وجود، بسبب بعض اللطخات أو التعابير السيئة التي تحيط بها.
لقد بدا ليَّ، عندما قدمتها لك، بأن العيوب القائمة فيها، عدم تكافؤها لم يكن صارخاً إلى حد تحطيم الانطباع العام لكل قصيدة منها.
لتصدقني، يا سيدي، بأني لا أضمر أي هدف مباشر أو وضيع، فأنا لا أطمح بشيء سوى التخلص من مشكلة تخنقني. ذلك لأنه ليس بمقدوري الأمل في أن يضع الزمن أو العمل حداً لحالات الغموض هذه أو إلى تلك العيوب. لذا، أطالب بكل إصرار وقلق بالاعتراف بوجودها الناقص هذا.
السؤال الذي أود الحصول على إجابة عنه هو : هل تفكر بأننا نتعرف بصورة أقل على الأصالة الأدبية والقدرة على الفعل في شعر مختل، ولكنه مليء بالجماليات الحادة مما هو في شعر مكتمل، غير أنه بلا اهتزاز داخلي عظيم؟
أعترف بأن مجلة كالمجلة الفرنسية الجديدة تشترط مستوى شكلي معين ونقاوة عظيمة في المادة، لكن إذا ما وضعنا ذلك جانباً، هل أن جوهر فكري مشوشاً إلى تلك الدرجة وجماله العام قد أصبح ضعيف الفاعلية، بحكم اللانقاوة وعدم الدقة التي تتخلله، إلى حد لا يستطيع فيه تحقيق وجوده الأدبي؟ أن كل مشكلة فكري موضوعة في هذا السؤال.
كل ما أريد معرفته هو إذا ما كان لي الحق أو لا في الاستمرار في التفكير، عبر الشعر أو النثر.
سأسمح لنفسي، في غضون أحد أيام الجمع القادمة، إهدائك كتيبي الشعري الصغير "نرد السماء" الذي قام بنشره السيد "م. كونفلر"، وكذلك واحداً من مجلدات المعاصرين الصغيرة : اثنتا عشرة أغنية. سيكون بمقدورك، حينئذ، أعطاء تقيمك النهائي بأشعاري.
أنطونين أرتو. 
  
من جاك ريفيير إلى أنطونين أرتو
23/6/1933
سيدي،
قرأت بعناية ما وددت أنتَ إخضاعه لحكمي وأعتقد، بكل أخلاص، بأني تمكنت من تهدئة قلقك الذي عبرت عنه في رسالتك، قلقك الذي مسني عن قرب، لاختيارك لي كأمين لأسرارك. لقد أخبرتك، منذ البدء، بأن أشعارك تتضمن على رعونة، وتنطوي بشكل خاص على حالات غرابة مقلقة. لكنها
 تبدو لي متناظرة مع نوع من البحث من جانبك، أكثر من كونها ناتجة عن عجز في السيطرة على أفكارك.
من الواضح بأنك لا تتوصل، بصورة عامة، إلى وحدة انطباع كافية (وذلك ما يمنعني، في هذه اللحظة، من القيام بنشر أي من قصائدك في المجلة الفرنسية الجديدة). لكني قد أعتدت، بما يكفي، على قراءة المخطوطات لكي أدرك بأن تكثيف وسائلك باتجاه موضوع شعري بسيط غير محظور عليك بحكم مزاجك، غير أنه يتطلب شيئاً من الصبر، حتى وإن أدى ذلك إلى مجرد القيام بحذف صوراً أو خطوطاً متنافرة، ومن ثم فأنك ستصل إلى كتابة أشعار متماسكة تماماً ومتناغمة.
سأكون متلهفاً دائماً لرؤيتك، للتحدث معك أو قراءة أي شيء يطيب لك عرضه عليَّ. هل ينبغي عليَّ أن أرسل لك النسخة التي جلبتها لي.
ألتمس منك، يا سيدي، تقبل صدق مشاعري الأكثر تعاطفاً.
جاك ريفيير.   
 
من أنطونين أرتو إلى جاك ريفيير
سيدي،
يحق لك نسياني. كنت قد قدمت لك، في غضون شهر حزيران الأخير، اعترافاً عقلياً صغيراً.
طرحت عليك سؤالاً. هل تود السماح لي اليوم بإكمال ذلك الاعتراف، بتناوله ثانية، بالذهاب معه
 حتى الشوط الأخير من نفسي. لا أبحث عن تبرير لنفسي في نظرك، إذ قلما يهمني أن أبدو موجوداً أمام أي شخص كان. فأنا أحتفظ، من أجل شفائي من أحكام الآخرين، بذات المسافة التي أحتفظ بها حيال نفسي. أرجو أن لا ترى بما أقول هنا أي شكل من أشكال الوقاحة، لكن الاعتراف الأكثر أخلاصاً، العرض المؤلم لحالة فكرية.
منذ وقت طويل كنت أرغب في الحصول على أجابتك.
عرضت نفسي عليك كحالة عقلية، شذوذ بسيكولوجي حقيقي، ولقد أجبتني أنت بطريقة أدبية عن أشعاري، التي لم أبالي بها، أي التي لا يمكنني المبالاة بأمرها. لقد امتدحتُ نفسي لأني لم أكن مفهوماً عندك، لكني أدرك اليوم بأني لم أكن واضحاً بما يكفي، ولتغفر لي هذا أيضاً.
لقد تخيلت إثارة اهتمامك، أن لم يكن عبر أهمية أشعاري، فعلى الأقل من خلال ندرة بعض الظواهر العقلية التي حتمت على أشعاري أن تكون هي ما هي عليه، فيما كان بمقدوري بالدقة الذهاب معها إلى النهاية المتطرفة للكمال. ثمة تأكيد غروري هنا، أنا أبالغ، وعن عمد.
ربما كان سؤالي خادعاً، لكني قد طرحته عليك أنتَ، وليس على أي أحد آخر، وذلك بحكم الرهافة الشديدة والنفاذ المرضي لذهنك. لقد أطريت نفسي بتقديمي لك كحالة، حالة عقلية مجسدة، لأني أفكر بأنك تتمتع بفضول التعرف على كل التشويهات العقلية، كل عقبات الفكر المحطمة، لقد فكرت أيضاً بإثارة انتباهك إزاء القيمة الحقيقية، قيمة فكري الأولية، وعلى نتاج عقلي.
أن توزع أشعاري، عيوب الشكل تلك، وهذا التهدم المستمر لأفكاري، لا ينبغي إرجاعه إلى نقص
في التمرين، أو عوز في الوسائل التي أستخدمها، ولا حتى إلى تطوري الذهني، بل إلى الانهيار المركزي في روحي، في فكري، إلى عدم قدرتي على القبض على المكاسب المادية العابرة لتطوري، وكذلك إلى الانفصال الشاذ في عناصر الفكر نفسه (إلى غريزة التفكير، إلى كل واحدة
من طبقات التفكير النهائية، مروراً بكل الحالات، جميع تشعبات الفكر والشكل).
ثمة، إذاً، ما يحطم فكري، شيء ما لا يمنعني عن الوجود بالطريقة التي تمكنت حد الآن من الوجود بفضلها، لكنه يرهقني. يجعلني معلقاً، إذا كان بالإمكان قول ذلك. شيء ما سري يخطف مني الكلمات التي قد حصلت عليها، يحط من توتري العقلي، ويهدم، عشوائياً، مادة فكري، ينتزع مني، إلى حد الذاكرة، كل الانعطافات العقلية التي يعبر المرء من خلالها عن نفسه، والتي تترجم بدقة القوالب الأشد تلاحماً، الأكثر تموضعاً، ووجوداً للفكر. لن أصبر على ذلك. ولا أنوي وصف حالتي. كنت أود التحدث عنها كفاية وحسب، لكي تصدقني وتفهمني. لتثق بي، إذاً. لتعترف وتتمسك بحقيقة هذه الظواهر، لتقر طريقتها الخفية وتكرارها الأبدي، لتسلم بأنه كان بمقدوري كتابة هذه الرسالة أول أمس، لو لم أكن مأخوذاً ضمن تلك الحالة. وها أني، ثانية، أطرح سؤالي، هل تعرف رهافة العقل وهشاشته؟ ألم أتحدث معك كفاية عنه، لكي أبرهن على تمتعي بعقل أدبي، مثلما يوجد حرف "ت" أو حرف "أ" وحرف "س" وحرف "م". لترجع لعقلي وحدة قواه، تماسكه المفقود، ديمومة توتره، كثافة جوهره الخاص. (يمكن اعتبار كل هذا أمراً طفيفاً، موضوعياً). ولتقل ليّ إذا ما كان بالإمكان ثانية منح أشعاري (القديمة) ما كان ينقصها، وبدفعة واحدة؟
هل تعتقد بقدرة الانفعال والضعف المتطرف أن يترافقا سوية ضمن العقل السليم، وهل يمكننا، في
 آن معاً، الاندهاش والاكتشاف؟ وعلى أية حال، إذا كنت قادراً على الحكم على عقلي، فأنا لا أستطيع أن أحكم على ما ينتجه إلا إذا امتزجتُ معه كليةً، عبر نوع من اللاوعي السعيد. هذا ما سيكون معياري.
سأبعث لك، إذاً، لكي ننتهي من كل ذلك، سأقدم لك النتاج الأخير لعقلي. فهذا النتاج لا يشكل سوى شيئاً بسيطاً بالنسبة لي، مع أنه أفضل من العدم. أنه كل ما تبقى لي. ذلك لأن القضية الأساسية، عندي، هي معرفة إذا ما كان من الأفضل كتابة ذلك أو عدم القيام بالكتابة نهائياً.
أنت من سيقدم الإجابة على هذا السؤال، أما بقبولك لتلك المقالة الصغيرة أو برفضها. ستحكم عليها من وجهة نظر المطلق. غير أني أعترف لك بأني سأكون سعيداً جداً إذا ما فكرت أنت بأنه ما زال بإمكاني أن أكون شيئاً ما، بالرغم من عدم امتلاكي لنفسي بكاملها، فعندما أكتب لا أكون أنا نفسي بكل كثافتها واتساعها.
لذلك، يا سيدي، أطالبك في أن تكون مطلقاً حقيقياً. لتحكم على هذا النثر بعيداً عن أي ميل، أو مبدأ، أو ذوق شخصي، ولتحكم عليه عبر شريعة روحك، بواسطة صفاء عقلك الأساسي، ولتتناوله ثانية من خلال قلبك. إذ قد يشير هذا النثر إلى العقل، إلى روح حية، ستحصل بالتأكيد على مكان لها. أكرماً للإشعاع الملموس لتلك الروح، لا تطرح ذلك النثر جانباً إلا إذا أحتج عليه وعيك وبكل قواه. لكن إذا كنت تحتفظ بأي شك، فليذوب لصالحي. أني أضع نفسي تحت حكمك.
أنطونين أرتو. 
نهاية رسالة نوقشت فيها بعض أطروحات جاك ريفيير عن الأدب
قلت لي : من أجل تقديم وجهة نظر عن قضايا كهذه، ربما ينبغي التمتع بتماسك عقلي آخر، أو نفاذ بصيرة أخرى، حسناً، ذلك هو ضعفي الشخصي وعبثيتي الخاصة الكامنة في امتلاك الرغبة في الكتابة بأي ثمن، رغبتي في أن أعبر عن نفسي. أنا إنسان تألم كثيراً من عقله، ولهذا يحق لي الكلام. أعرف كيف يمكن استغلال ذلك. لقد ارتضيت، مرة وإلى الأبد، إخضاع نفسي إلى دونيتي. ومع ذلك، أنا لست غبياً. أعرف بأنه سيتم التفكير بذلك أبعد مما أفكر فيه أنا، وربما بطريقة أخرى. لا أنتظر أي شيء سوى تغيير عقلي، أن يفتح أدراجه العالية. إذ قد أغير بعد ساعة أو ربما غداً تفكيري، بيد أن تفكيري الحاضر قائم الآن، ولن أدعه يضيع.
أنطونين أرتو. 
 
صَرْخَةٌ 

يفتح الشاعر الصغير مصاريع
قلبه
تتراطم فيما بينها السماوات.
يقتلع النسيان السمفونية من جذورها.
يا سائس دار المجانين المكلف بحراسة
الذئاب لا تشك بالحانقين المتكومين
تحت المضجع العظيم للقبة المتدلية
من فوقنا.
يا أيها الليل وأيها الصمت لتسكتا
كل تلوث
فالسماء ذات الخطوات الواسعة
تتقدم من مفترق الضوضاء.
تأكل النجمة. تنشر السماء
المائلة شراعها على الذرى
يكتسح الليل الفضلات
غذاء عظيم قد أفرحنا.
فوق الأرض بزاق يتمشى
وإذ تحيه عشرة ألف يد بيضاء
يتسلق البزاق المكان
حيث اختفت الأرض.
هكذا دخل السلام على الملائكة
إذ لا ينبغي أن ينادى على أي فحش
عندما يرتفع الصوت الحقيقي للعقل
الذي أنادي عليه.
السماء الأشد انخفاضاً من النهار
قد بخرت البحر.
حلم غريب بالرغم من وضوحه
قد ولد على الأرض بانحراف.
الشاعر الصغير الضائع
يهجر موقعه السماوي
مع فكرة أرض أخرى
مشدودة على قلبه الصغير.
*
تقليدان قد التقيا
لكن أفكاري المغلقة
لم يكن فيها المكان
المطلوب،
علينا إعادة التجربة.

من أنطونين أرتو إلى جاك ريفيير
22/5/1924
كانت رسالتي تستحق، على الأقل، إجابة منك. لتعيد لي، يا سيدي، رسائلي ومخطوطاتي. ربما كان بمقدوري العثور على شيء ذكي أقوله لك، من أجل تحديد ما يفصلنا عن بعضنا، لكن لا فائدة من ذلك. فأنا عقل لم يتشكل بعد، غبي : لتفكر بيّ مثلما تشاء.
أنطونين أرتو.  
 
من جاك ريفيير إلى أنطونين أرتو
باريس في 25/5/1924
سيدي العزيز،
لكن نعم، أنا أتفق معك بأن رسائلك تستحق الإجابة، لكني لم أتمكن بعد من تقديمها لك : هذا كل ما هناك. أتوسلك أن تعذرني.
ثمة شيء ما قد حيرني : التعارض ما بين الدقة الخارقة للفحص الذي تقوم به لنفسك أنت  بالذات، والغموض، أو على الأقل، انعدام الشكل في نتاجاتك.
لقد أخطأت أنا، دون شك، في رسالتي للسنة الماضية، عندما حاولت جعلك تطمأن بأي ثمن : قمت بذلك كالأطباء الذين يزعمون شفاء مرضاهم برفضهم تصديق ما يقولون، بإنكارهم لغرابة حالاتهم، وذلك بوضعها بالقوة ضمن ما هو عادي. هذا منهج سيء. وأنا ألوم نفسي عليه. فحتى في غياب أي شاهد، ستكفي كتاباتك المعذبة، المهزوزة، المتهدمة، وكأنها مُبتلعة من هنا وهناك بإعصار سري؛ ستكفي لتأكد ليّ على حقيقة ظواهر ذلك "التآكل" العقلي الذي تشكو منه.
لكن كيف يمكنك الإفلات منه حدّ محاولتك وصف ألمك؟ هل ينبغي الاعتقاد بأن القلق هو ما يمنح تلك القوة وهذا الوضوح، اللذان ينقصانك عندما لا يتعلق الأمر بقضيتك؟ أو أن الاقتراب من مادة العمل التي تحاول القبض عليها هي ما يتيح لك، فجأة، مثل هذا التمكن المؤكد. وعلى أية حال، أنك تصل إلى نجاحات كاملة فيما يتعلق بعقلك أنت، نجاحات ينبغي عليها منحك ثقة بهذا العقل ذاته، طالما أنه هو نفس الوسيلة التي تهبك تلك النجاحات.
هناك اعتبارات أخرى ربما كان بمقدورها مساعدتك، لا على أمل الشفاء، بل لكي تتحمل على الأقل بصبر ألمك. أنها اعتبارات عامة. تتحدثُ أنت، في موضع معين من رسالتك، عن "هشاشة العقل". ذلك ما هو مؤكد، وما تتم البرهنة عليه بشكل كبير من قبل نتائج الطب العقلي، في دراسته للاضطرابات العقلية وتصنيفه لها. لكن ربما لم تتمّ بعد كفاية البرهنة على مسألة أن الأفكار المسماة اعتيادية، هي أيضاً نتاجاً لميكانيزمات خطيرة.
فأن يوجد العقل بمفرده، أن يتطور على حساب الفرد وبنوع من الأنانية، وبدون جعل ذلك الفرد يتوافق مع العالم، كل هذا لا يمكن دحضه، كما يبدو في أيامنا.
لقد بين "بول فاليري"، بطريقة رائعة، ذلك الاستقلال الذي تتمتع به الوظيفة المفكرة فينا، وذلك في كتابه الشهير "أمسية مع السيد تيست". فإذا أخذنا العقل لوحده، ما هو سوى قرحة، تنتشر وتتقدم باستمرار، وفي كل الاتجاهات. لقد وضعت أنت يدك على واحدة من عذاباتك، وذلك عندما تحدثت عن "غريزة التفكير، في كل طبقة من طبقات الفكر النهائية". منافذ العقل لا تحصى، لا تعيقها أية فكرة، ولا تسبب لها أية فكرة لا التعب ولا الاكتفاء، فالعقل يجهل حتى تلك المسكنات الوقتية التي تحصل عليها قوانا الفيزيائية أثناء العمل.
فالفرد الذي يفكر يستهلك نفسه حتى النهاية. وإذا ما وضعنا الرومانسية جانباً، ليس هناك من مخرج للفكر إلا الموت.
ثمة أدب بكامله –أعرف بأنه يشغلك وبالقدر الذي يثير فيه اهتمامك يثير اهتمامي- هو فاعلية مباشرة، لكنه أيضاً، إذا جاز لي القول، حيوان داخل العقل. ذلك لأنه يمثل جانباً واسعاً من حقل أنقاض، وأن الهياكل المنتصبة فيه غير قائمة إلا بفعل الصدفة.
تتحكم فيه المصادفة وكذلك نوع من التعددية الكئيبة. إذ يمكننا القول بأن ذلك الأدب هو التعبير الأكثر دقة ومباشرة عن هذا الحيوان الخرافي الذي يحمله كل فرد منا معه، والذي يسعى، اعتيادياً وبالغريزة على أعاقته، بفضل الوقائع والتجربة.
لكن، لتقل لي، هل هذا ما ينبغي تسميته "بهشاشة العقل"؟ فعندما أشكو أنا من ضعف، تشكو لي أنت من مرض آخر، ناتجاً عن زخم بالقوة، من تمكن مفرط.
ها هي فكرتي بصورة أشد كثافة : العقل هش لأنه بحاجة إلى عقبات-عارضة. فإذا ما ضاعت تلك العقبات تحطم.  يبدو ليّ بأن ذلك "التحطم" للفكر "ضمن مادته" والذي يثقل على عقلك، لا سبب له سوى تلك الحرية العظمى التي تمنحها له. المطلق هو سبب جنونه. فلكي ينتشر العقل، لا بد له من حاجة ما، حاجة أن يصادف في طريقه عتمة التجربة السعيدة. أن علاج الجنون الوحيد هو الأحداث البريئة. ما أن تُسَلْم إلى خطة العقل، حتى تَقبلْ عبر هذا بكل الاضطرابات، وبشكل خاص كل أشكال الذهن الرخوة. فإذا كان الفكر يعني، كما تحاول أن تقول ذلك غالباً، الخلق، يجب على هذا الخلق، وبأي ثمن، أن يظل نسبياً، إذ لا يمكن الحصول على الأمان والاستمرار، الحصول على القوة، إلا إذا تمّ إلزام العقل في شيء ما.
أعرف ذلك : هناك نوع من الثمل في لحظة انبثاقه النقي، في تلك اللحظة التي يفلت فيها من المخ مباشرة، ويلتقي بعدد من الأماكن والطبقات والخطوط التي ينتشر عبرها. أن هذا الانطباع الذاتي
عن الحرية المطلقة، وحتى الفساد الذهني المطلق، هو ما حاول "سرياليونا" ترجمته من خلال أيمانهم بالبعد الرابع للشعر. غير أن عقوبة ذلك الاندفاع ليست بالبعيدة : يتحول الممكن الكوني إلى مستحيلات مجسدة، والشبح المقبوض عليه سيجد، حتى ينتقم لنفسه، عشرين شبحاً داخلياً كي تشلنا، وتفترس جوهرنا الروحي.
هل يعني ذلك أن على وظيفة العقل العادية أن تظل كامنة في عبودية التقليد المعطى، وأن لا يكون التفكير سوى إعادة إنتاج؟ لا أعتقد. يجب اختيار ما نريد "إرجاعه" وليس بالضرورة أن يكون شيئاً محدداً، أو معروفاً وحسب، بل مجهولاً أيضاً، فلكي يحصل العقل على كل قوته، ينبغي على ما هو مجسد أن يتيح الظهور إلى ما هو أسطوري. كل "فكرة" ناجحة، كل كلام مؤثر، الكلمات التي نتعرف عبرها على الكاتب هي دائماً نتاج مصالحةٌ بين تيار عقلي، يصدر عنه الكاتب، وجهل يقع فيه، مفاجأة ما، إعاقة ما. فدقة التعبير تتضمن دائماً على بقايا فرضية؛ على الكلام أن يضرب على مادة صماء، بشكل مبكر قبل بلوغها العقل. لكن حتى عندما تُفتقد المادة والعقبة تماماً، يواصل العقل، بجمود وبلاهة، وتنحل جميع الأشياء في ما هو عارض.
ربما أحكم عليك أنا، في آن معاً، من وجهة نظر تجريدية وعبر اهتمامات شخصية جداً : ومع ذلك، يبدو لي أن حالتك يمكن تفسيرها عبر التأملات التي تحدثت عنها قبل قليل، باستفاضة نوع ما، وهي تدخل في المخطط العام الذي حاولت رسمه. فبالقدر الذي تدع فيه قوتك العقلية تنحني على المطلق، بالقدر ذاته ستظل مثقلة بالندم، ينخرها العجز، متصارعة مع نفحات ساحرة تفككها. لكن ما أن توجه هذه القوة، بحكم قلقك العقلي، من فوق تلك المادة القريبة والمُلغزة، حتى تتكشف أمامك وتقوى، تصبح نافعة ونافذة، وستجلب لك فوائد إيجابية، أي حقائق معبر عنها بكل الوضوح الذي سيجعلها قابلة على التواصل وفي متناول الآخرين. ستصبح تلك القوة، إذاً، شيئاً ما يتجاوز عذاباتك، وحتى وجودك الشخصي، شيء ما يجعلك تنمو وتقوى، ويمنحك الحقيقة الوحيدة التي يمكن للمرء الأمل في الحصول عليها عقلياً، بفضل قواه الشخصية، الحقيقة الموجودة في الآخرين.
أنا لست متفائلاً بصورة دائمة، لكني أرفض الوقوع في اليأس منك. فتعاطفي معك عظيم، لقد أخطأت في تركك فترة طويلة بلا أخبار.
أحتفظ بشعرك. أبعث لي بكل ما تقوم به.
ألتمس منك أن تصدق أفضل ما عندي من مشاعر. 
 
من أن أنطونين أرتو إلى جاك ريفيير
باريس في 7/5/1924
سيدي العزيز،
للعودة إلى نقاش قديم، يكفي التخيل لحظة واحدة بأن تلك الاستحالة في التعبير عن نفسي تتعلق بالحاجات الأكثر ضرورية لحياتي، بالممكنات الأشد إلحاحاً –وبالعذاب الذي ينتج فيما بعد عنها،
 لكي تفهم بأني لن أتخلى بسبب من عدم المواصلة المثابرة.
فأنا متفرغ تماماً للشعر. وإذا لم أحقق نفسي بعد، فذلك عائد لأسباب خارجية، طارئة، لا علاقة لها بإمكاناتي الواقعية. يكفيني أيمان أحدهم بأن لدي إمكانية بلورة الأشياء في أشكال، بلورتها ضمن الكلمات المطلوبة.
كان عليَّ الانتظار لمدة طويلة، لكي أبعث لك بهذه البطاقة الصغيرة، الواضحة، مع أنها لم تكتب بصورة جيدة. يمكنك الحصول منها على النتائج التي تفرض نفسها.
شيء ما يظل غامضاً في رسالتك : الاستخدام الذي تفكر القيام به بشعري الذي قدمته إليك. لقد وضعت أصبعك على ناحية مني، فالأدب الخالص لا يعنيني إلا قليلاً، لكن إذا ما كنت تعتقد، بالمصادفة، من أن شعري صالحاً للنشر، فألتمسك أن تبعث لي بالبروفات، إذ يهمني تبديل كلمتين
 أو ثلاث منه.
مع كل أفكاري الطيبة
أنطونين أرتو.  
 
من جاك ريفيير إلى أنطونين أرتو
24/5/1924
سيدي العزيز،
كانت لدي فكرة قاومتها لفترة طويلة، لكنها عادت فأغرتني. لتتأملها أنت بدورك، إذ آمل أن تروق لك أيضاً. من ناحية أخرى، أنها بحاجة للبلورة. لم لا نقوم بنشر الرسائل التي تبادلناها، أو بنشر الرسائل التي كتبتها لي؟ لقد أنهيت للتو ثانية من قراءة رسالتك التي بعثت بها لي في 29/1، أنها فعلاً رسالة معتبرة.
لن يتطلب الأمر سوى جهد بسيط في تغيّير الموقع. أعني أن نعطي لمن يوجه الرسائل ولمستلمها أسماء مستعارة. ربما سيكون بمقدوري كتابة واحدة على أساس تلك التي بعثتها لك، ولكن بشكل متطور أكثر، وأقل شخصياً. وربما سنتمكن من إقحام قطعة من أشعارك أو من مقالتك عن "أكسلو"؟ سيشكل المجموع رواية مراسلة مثيرة بما يكفي.



شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: