الرئيسية »  الـنـثـــر»  غرفة المرشدي.. حائط مبكانا القديم

غرفة المرشدي.. حائط مبكانا القديم

عدد مرات المشاهدة :2227 - 05/ 2/ 2008

محي الدين الجابري

غرفة المرشدي.. حائط مبكانا القديم

 
 
لي منك هذه البقايا التي تنهش الروح . هذه الهشاشات من الألماح الطرية، التي أعب منها خيالاتي صباح مساء / ولي منك قبل كل هذا وذاك قراضة أحلام فضية تتراكم منذ أمد، كأنني سأعود ثانية / محملا بكل كلمات الحنين / وشوق اللحظة / لكن حائط مبكانا القديم لم أجده كما هو ... البناء كان في الموقع ذاته / لكن البوابة مقفلة / تلك التي تمنيت طويلا أن تقفل علينا في ساعات الليل لنشعر بشيء من الطمأنينة في زمن الخوف والرعب / لكن كرم آل المرشدي كان يأبى أبدا أن يكون الباب مقفلا....
اليوم / وجدتها مقفلة / المدخل كله مقفل / حتى النظرة التي تمنيت أن أختلسها / لم أجدها / لم أتمكن منها / عندها عرفت أن العالم تغير / وأن الزمن كان قد قطع بنا أشواطا..
تحسست شعر لحيتي / وعرفت دون أن أنظر في مرآة ما / أن البياض هو الذي تبقى لنا / لا غير.
ولنا أيضا هذه الصور، أشباه لحظات ضائعة / وألوان لوحات متراكمة في الزوايا / ظلال وأضواء / وأشعة شمس لا نتمنى أن نراها في صباحات عراق يحكمه الدكتاتور / أشعة شمس تفرح لها حتى العصافير / لكننا كنا كائنات ليلية / هاربين من الجبهات / هروبا كان أطوله هروب المرشدي الذي نجتمع إليه / وكان لكل منا تجربته مع الخوف / تجربة مع دم يتيبس في عروق الجسد كلما رأينا لونا خاكيا / حتى الجندي العادي الذي هو أكثر رعبا منا كان زيه يخيفنا / وكنا نخشى دائما من هذا وذاك من معارفنا / أن يدرك حقيقة ما نحن عليه من مخاطر ومجازفات.
غرفة المرشدي / أو مشغله والمرسم الذي يعمل فيه / أو هي فيرميناداثا / أو براثاسكل / فيها تصدح أنغام الحب كل ليلة / وفيها ينتشر عبق جولاتنا في العصر كل مساء / ذكريات، وصور، وتجارب، وآلام / وحنين، ورغبة، وقصص حب فاشلة، تتراكم / وقوانين سهر لم نضعها بل وجدنا أنفسنا نعرفها جميعا / حتى من ينضم إلى المجموعة حديثا / على أن الكثيرين منا كانوا لا يجدون في هذه الزاوية من العالم ما نجده نحن من الملاذ الآمن – نسبيا –
هي سخرية / وغرابة / أن تحتل أنت وأصدقائك يا رسول / نصف البيت ذي الغرفتين فقط / بينما يحتل أهلك كل أهلك النصف الآخر أو قل الغرفة الأخرى /
لكنه الحب وحده الذي استطاع أن يحل المعادلة الصعبة طوال تلك السنين /
إخوتك مع والديك في غرفة واحدة / ونحن في الغرفة الأخرى لنا ضجيجنا / نقاشاتنا / صياحنا غضبنا همسنا / ذكرياتنا / حكايا سرية عن تلك أو هذه ممن نعرف أو لا نعرف / خليط من الهياجات التي لا تنتهي إلا إلى حوارات ساخنة أخرى، وأحاديث في السياسة / تقفل دائما على ذكر سيء الذكر طاغية زماننا الذي سرق منا كل شيء / واختزل تلك الأعمار الغضة إلى حديث ذكريات بائس /
يا حائط مبكانا القديم / الذي نحمله في جنباتنا أينما اتجهنا / أين أنت منا اليوم / بعد كل هذا التجوال المخيف / وهذه الرحلات الممتدة منذ سنين وسنين....
كأنما أنت زهرة خشخاش نجرحها بين أمد وأمد / لتسيل دموعا.... وحنينا
على حائط مبكانا القديم / كانت الألوان تشع في الصباحات / تشرق في فترة بعد الظهر كأنها تستجيب لرائحة بخار العنبر المشخابي اللذيذ، حين تعده الخالة أم رسول، مع الكثير من بهار (( الهله )) و (( المرحبا )) / و ذلك الوجه المرحب دائما بكل من يأتي / الأخوة يخرجون إلى العمل في الصباح والأب معهم / وأصدقاء رسول المرشدي تنقل إليهم الأواني في ساعة الغداء في حين يكدح الآخرون من أجل لقمة العيش / ويكدح رسول المرشدي من أجل دنانير معدودة يستحصلها من لوحات البورتريه لفلان أو فلان.
على حائط مبكانا القديم تعرفنا إلى اللون واللوحة نحن الذين ننحدر من بيوت الفقه والأصول في النجف ولا نعرف من الثقافة إلا أمريء القيس / والمتنبي / وإذا تطورنا قليلا فقد نكون تعرفنا على إيليا أبو ماضي / أو جبران خليل جبران / مع معرفة لا بأس بها بالعقاد وطه حسين وكثير من الشعر الذي هو الفن الأكثر انتشارا في النجف وبيئاتها العلمية / لكننا لم نكن نعرف أبدا أي شيء عن الرسم واللوحة والفنون البصرية / لم تكن لنا إلا معرفة ضئيلة بالمسرح والسينما / لكن ذلك المكان الذي آوانا سنين عديدة لم يكن مشغلا أو مرسما لفنان تشكيلي كرسول المرشدي حسب / بل كان مشغل أفكارنا ومتابعاتنا / وحواراتنا حول ما نقرأه ليل نهار من روايات حديثة وكتب نقد ومسرح وسينما /
في ذلك المكان الذي تحتفل فيه الألفة بالمعرفة / عرفت رامبرانت / ودافنتشي / ومايكل أنجلو / وتعرفت على فائق حسن / والرحال / وكاظم حيدر / والناصري / وغيرهم من الفنانين العراقيين / وهناك تعرفت أيضا على عمالقة الفنون الأخرى في السينما والمسرح والموسيقى / ومن هناك أيضا أخذت الكثير من المعرفة في عالم الأدب الحديث / رواية وشعرا / كنا ببساطة نتلاقف أي شيء يصل إلينا من المعرفة / كان نهمنا كبيرا ورغبتنا لا توصف في التهام كل سطر وكل ورقة / حتى إنني قرأت في تلك الفترة كتابا عن السينما مترجما عن الإنجليزية طبعته وزارة الإعلام آنذاك وكان اسمه ( فن السينما ) كان الكل يتهرب من قراءته لسبب بسيط أنه يقع في ما يقرب من ألفي صفحة وكان يشكل علامة بارزة في مكتبة المرشدي لأنه الأضخم على الإطلاق والطريف في الأمر أن المرشدي كان يسميه ( المخدة ) وكان كثيرا ما يدعم به خشبات لوحاته حين يشرع في مغازلة اللون بإيقاع منسجم مع حركة ريشته الفاتنة .
هناك تعرفت على رائحة الزيت والأنواع الأخرى من الألوان وأدوات الرسم ومفردات التشكيلين / وهناك صرت أحب رائحة الخشب المختلطة برائحة الزيت وصار مشهد صديقي الفنان رسول المرشدي ويداه منقوعتان ملطختان بألوان الزيت أثيرا عندي كأنما أنا في تلك اللحظة أرى مشهدا من مشاهد الخلق الكوني / لا لحظة من لحظات إبداع رتيب تعوده المرشدي من كثرة ما استغرق في العمل على البورتريه / ليواصل العيش .
كنت أدرك تماما أن ذلك الشاب سيفتح يوما ما نافذة واسعة على عالم الفن ويزينها بالكثير من أعماله الإبداعية / لم نكن نفكر يوما - ونحن في السادسة عشرة أو أكثر أو أقل قليلا - أن العالم سيتغير بنا إلى هذا الحد / كنا نعرف تماما قدراتنا وطاقاتنا / وكنا ندرك حجم ما نحن فيه من الضياع / وسببه . . لكننا لم نكن أبدا قادرين على التغيير أو الخروج من تلك الحياة الخانقة التي كنا نزينها بالضحك المتواصل من أجل أن نبقى / كأننا أدركنا دون اتفاق مسبق أن الضحك هو الوسيلة الوحيدة المتوفرة لدينا للدفاع عن أنفسنا أمام موت يستشري في شارع عراق الدكتاتور / موت رخيص نسمع في بعض الصباحات أصوات رصاصاته في الحامية العسكرية في النجف وهي تلعلع قبل أن تجهز موائد إفطار الناس معلنة إعدام طائفة أخرى من شبابنا المتهمين بالهروب من الخدمة .
حائط مبكانا القديم / كيف استطعت أن تتحمل ثقل تلك الأيام السود / وأن تبقى شاهدا على عمر ضائع / وحياة حلوة مرة / تشبه إلى حد بعيد طعم الدواء المحلى الذي يعالج به الأطفال . . . حياة كان لابد لها أن تستمر وإن ترجل منا أحدنا يوما.... أو سقط لنا صديق في الجبهات أو في الحاميات العسكرية.
لم أكن حين شرعت في الحديث عن حائط رسول المرشدي / أرغب أن يكون حديثي حزينا... هكذا... لكنه حائط مبكى ....
فماذا عليك أن تقول أمام حائط مبكى؟؟؟؟



شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: