أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
حول الموتى وسفينة نوح وما تبقى من الوطن
عدد مرات المشاهدة :2179 - January 16, 2008
منير العبيدي
غاب عن السفينة الجميع أو رحل عنا إلى الأبد، بعضهم لم يكن يدخلها ولكنه كان جزءا من تراثها، اغتيل فائق السعدي أمام منزله وقبله مؤيد سامي أمام أطفاله وكذا نجاح وياسين ومنير، ورحل أديب أبو نوار ورحل قبله د. قاسم... غادر فاروق مكرها الى بغداد، إبراهيم، وأنت يا كريم معتكفان، نوحٌ ترك سفينته التي هجرها الجميع، غادر أيضا عبد الأمير وأنا ألغيت مشاريع العودة... رعد الشفتاوي الذي، قبل أن يشن حراس الفضيلة هجومهم علينا، كان قال لي: "ألسنا أكبر حزب في العراق لو انتظمنا "؟ انظر!! .. قالها متفحصا الصفَ المنتظرَ عند أبي سامي ليشتري ما يشربه فيحلقَ فوق المأساة... قرأتُ إبراهيم يقول: "أدور بكأسي الفارغة"..
ثم بعدها ماتت بتول، كان كريم يناديها "بتول" بكل بساطة وبدون رتوش ولا يقول "أمي" أو "ماما"، إنها أمه الجميلة، تقبلني كأمي حين أزورهم في بيتهم... حين نخرج من السفينة يكون مثنى ممتنا لأني لا أغادر إلا وكريم معي، فكريم يثمل بعد أن يعب الكثير ولا يرضى بأنصاف الحلول، وحين نصل يكون باب السيارة لصقَ بابِ الدار، يفتحها كريم من جهته قليلا ولا يترجل ثم يبدأ بالحديث مرة أخرى بطيئا.. بطيئا.. بطيئا، حتى يطل احدهم علينا من باب الدار ليتأكد مَن القادم بعد أن يكون قد سمع صوت محرك السيارة وانتظر طويلا دون جدوى، ثم يعود مطمئنا لطقسنا.
نتجول كريم وأنا في السوق المزدحم بالوجوه والصياح والخضار والسمك والذباب، كريم يعرف كل واحد تقريبا، يتوقف للسلام على الجميع. أنا تعلمت طبخ الخضار المخلوط هنا حيث أجده جاهزا مخلوطا ومجمدا، هو يقوم بذلك منذ وقت مبكر مذ كنا في العراق حينها كان أشهر عازب في بعقوبة، يجمع كل ما هو متوفر من خضار السوق ويعمل منه طبقا ليس فيه لمسة انثوية، بل لمسة الصبر الذكوري للعزاب.. هو يكلم الجميع ويأخذ من كلٍ ما يشاء ويعطي لهم شيئا يدسوه في جيوبهم دون أن يحسبوه، نعرج عند صابئة سوق الذهب تحت عرائش الذهب الملتمع نتحدث عن الدولار في أكثر بورصات العالم غرائبية. نتوقف عند (سامي) السمّاك، يستميلنا لسمكة يقول انه احتفظ بها لنا، فأشتري منه صبورا. في السوق تجد آخر النكات وآخر التلميحات عن "القائد" فمن جهة الشارع المقابلة أو حتى من الجانب الأخر لخريسان يصيح علينا (وحيد ماهي) رافعا يده "لدي واحدة جديدة" فنهرع إليه.. قال مرة أن عليه يعمل (over time ) لكي يستطيع أن يأكل كبة، قطعة واحدة من (إسماعيل أبو الكبة) الذي كان ينصب تجهيزاته في السوق... هل تتذكر بائعي الكبة ومرفقاتهم مثل أبو ضويه في "تحت موس الحلاق"؟؟..... ذهبنا أنا وصباح الأنباري الى بيت فاروق القصي في الريف. كان ثمة قطعة ارض زراعية اشتراها فابتنى له بيتا عليها. هنا أكلتُ الصبور أول مرة، مُذها وأنا ابحث عنه كلما توفرت الفرصة. أنت تعرف: فاروق اسمر البشرة يعيش في الأدغال كما يرى ثامر وحين ننوي أن نذهب يقول محي او ربما ثامر مطر: "هيا! أتذهبون الى أفريقيا"؟؟؟ " أحراش وفاروق، لا بد أنها أفريقيا. وحين سبحنا في نهر ديالى عند الجسر، كان فاروق يرتدي (شورتا) أخضر قال ثامر متأملا: انظروا إليه! أليس هو كباذنجانه بالمقلوب؟؟!.
من سماها سفينة نوح؟ هل هو محي أم ثامر، ثامر لا، لم يكن يتردد عليها، انها حقا سفينة نوح فصاحبها اسمه نوح وهي التي يدخلها الراغبون بدون قيود من مشارب شتى، اجلب ربعك، أجلب نصفك، اجلب قنينة كاملة مع من تشاء، مع ما تشاء جبس رمان برتقال لبن رائب، (باكله)، وتعال. مثقفو بعقوبة وجدوا فيها ضالتهم حين استمع "القائد" لنصيحة الشيخ الذي قادنا إلى أولى بوادر الأسلمة في حملته الإيمانية، قال له: عليك بالخمر أنها أم الكبائر! فأغلقت البارات وتشرد المئات والالوف!! الخمر هي اذن ام الكبائر، أليس القتل هو أم الكبائر و أباها؟... قلت إنها طلقة الرحمة على بغداد. بغداد بدون حاناتها و نواديها الليلية مدينة أشباح فلا تكسي ولا بائع مكسرات ولا (باجة الشوصة) و لا الأصوات المازحة آخر الليل، ولا ضجيج المثقفين المتحلقين حول طاولة بعد مسرحية او معرض يتناقشون يطرون أو يتشاتمون أو يتعانقون، لقد جعل منا شعبا من العاقلين، مثل التلاميذ الشطر ينامون منذ الثامنة ولا يزعجون حفيظة السلطة. ولكن هل كانت تلك طلقة الرحمة حقا؟؟ أي أسم نطلق على ما جاء بعدها إذن؟
****
غادرنا هؤلاء جميعا وفجعنا برحيل (أديب أبو نوار)
قال لي أديب يوما: "لقد بدأت احبك"!!
ألم يكن أديب يحبني قبل ذلك؟ لا ادري ... ربما. أنا لم أسأل نفسي.
كتب لي على الماسنجر: افتقدك! قلت له افتقدك أنا أيضا يا أديب. كنت افتقده حقا، رغم إننا كنا جنبا الى جنب مع بعضنا في الكثير من الأحيان دون أن نعبر عن مشاعرنا إزاء بعضنا، ربما لم أكن افتقده عندما كنتُ هناك أو ربما تمر أيام لا يلفت نظري غيابُة، و ربما هو يفعل الشيء نفسه طالما، أنا عنه وهو عني، لا نبعد أكثر من 10 كيلومترات ونستطيع أن نتهاتف (لحظة! انتظر! سأضيفها إلى القاموس، " نتهاتف " لا يعرفها قاموس حاسبتي أشّر تحتها بخط احمر فأضفتها إلى القاموس) ولكن ما أن نتغرب ونقيم في وطن آخر حتى نسأل عن الكثير من الناس بل حتى عن الذين ربما لم نلتق بهم إلا نادرا ولا يجمعنا بهم جامع.
ثامر، أخي، هو فينا أول من جرب غربة طويلة، طويلة جدا، سألني حين زرته في تونس، بعد عشرين لم نلتق فيها، عن أسماءٍ أنا نفسي لم أكن أتذكرها إلا حين أصادفها في ا لشارع وسألني عن أخبار الكثيرين بل واخبرني عن شيء حدث لفلان وفلان، جعلني أسهم وأتذكر وأقول: صحيح، صحيح!! من أين لك هذه المعلومات؟
كان أديب يتصل وينقطع وأنا أقول: إنها نزوة الشعراء، كان حزينا، حزينا جدا، عزيت ذلك للظرف.. كتب لي: "اكتب و دموعي تسيل" آلمني حينها، آلمني كثيرا، كيف يمكنني أن أصل إليه في هذه اللحظة؟
حين قررت الإقامة في الـعام 2000 في برلين كان منصور يهرع إليّ.. بعد شهر من العذاب والتردد قررت الإقامة في ألمانيا كمن يتجرع العلقم، و سكنت في غرفة مؤجرة في قلب برلين في (سكارلتزر شتراسه). كنت حزينا جدا كما لم أكن من قبل. قبلها كنت أسافر كثيرا و كان أحلى ما بالسفر العودة، بها يغدو كل شيء جميلا و جديدا.. ومَن غضبت عليهم ستحتضنهم بود وتنسى وتسامح.هذه المرة عرفت أن لا عودة لي. كان منصور يأتيني حاملا قنينة من نبيذ، كلما اتصلت به و قلت له: انا حزين وقد افعل أي شيء، كنت أنظر من شباك الغرفة الفسيح الى الأرض، من الطابق الرابع، القطار معلقٌ على سكتِهِ فوق الشارع يهدر ويعوِلُ كأنما يبشرني بفجيعة قادمة.
أوَ تبكي؟ سألتني مرة.....
ـ أنا؟!! سألتها باستغراب: ولا أسهل من ذلك!
لماذا تعتبرني لا أبكي أبدا؟ ما أن اكتب او أقرأ حتى تسيل دموعي... سالت دموعي أكثر من مرة عند مراجعتي لترجمة قصة "ليلا تنام الفئران"، رغم إنني نسيت تماما إني لا بد أن أكون قرأتها قبل ذلك مترجمة إلى العربية قبل أن أغادر. كتب ابني لي بعد أن أرسلت له رابطا ليقرأها منشورة: بابا أنت ترجمتها على أي حال أفضل من الترجمة الموجودة في المجموعة "قبو البصل"... ماذا تقصد " على أي حال؟! وقبو البصل؟!! ".. أحقا إنها موجودة في قبو البصل الذي قرأتُه ليس أقل من ثلاث مرات؟ لم أتذكر، وأنا أترجمها، إنني قد قرأتها سابقا.عذرا عزيزيّ سامي وفهد هذا ابني وتعرفون" عين الرضا عن كل عيب كليلة "
كان أديب يكتب لي في أيامه الأخيرة ولم أكن اعرف إنه مصاب بمرضه الرهيب حتى كتب لي بعدها كريم الدهلكي أنه يحتضر في إحدى مستشفيات السليمانية... مم؟ سألت.. فأعلمني كريم. ثم جاءتني التعزية من سعد محمد رحيم على البريد الالكتروني كتب ـ أعزيك و أعزي نفسي.. قبل أن أقرأ مقالَ النعي الذي كتبه سعد في الحوار المتمدن.
****
أكتب عن الموتى دائما متأخرا وأبكيهم متأخرا دائما، تكون الصدمة أولا ولا أكون مصدقا ... بقيت أشهرا انتظر مقدم موفق الخطيب ليكذب خبر موته بنفسه رغم إنني تابعت رحلته الأخيرة من الطب العدلي حتى الدفن، كنت أنتظر دخوله قاعة أصدقاء الفن في أية لحظة، أنتظر أن أسمع صوته يهدر بمقطوعة بتهوفنية بطريقة احتفالية.. ترارارا.. يحمل في الغالب أصيصا يعيد به تزيين القاعة ويغمز.. قال هذا يومٌ خاص في حياتي تعال نشرب قدحا من البيرة، أما أنا، كما قال، فعدا إني سأشرب في كل الأحوال إلا إني سأسمح لنفسي أيضا أن أراهن على سباق الخيل هذا اليوم فقط في السنة، فقط هذا اليوم. سألتني هيفاء: ألم يقل لك لماذا كان ذاك اليوم يوما خاصا؟ كان لديها ما تحب أن تقوله ولم تقله.
ـ لا... لا أعرف، لم يقل لي شيئا!...
كانت هناك حانة أنيقة مزينة بسيراميك جميل لم افطن لوجودها في أحد الشوارع الصغيرة التي تربط بين الكرادة داخل والكرادة خارج يؤمها المراهنون ويستلمون النتائج بالتلفون وهم يحتسون أقداحا من البيرة، يا إلهي كما كنا متقدمين؟! سيذبحوننا الآن على نصف واحدة من هذه! راهن موفق وشربنا أوصلته منسابين بالسيارة متلألئة تعكس أضواء محلات المنصور والمساء يهبط في قافلة السيارات المتزاحمة، هنا شربنا كأسا آخرا.. حين غادرته إلى بعقوبة لم أكن اعرف انها آخر مرة أراه فيها، كنت أعب في طريق العودة نسيم الطريق المطرزة بالبساتين، لو كنت اعرف كنت تأملت وجهه اكثر.
ظهرا رن الهاتف كان على الجانب الآخر هيفاء وصوتها يتهدج مرعوبا تقول هل موفق معك؟
ـ لا لم يكن موفق معي تركته في المنصور عند الغروب ـ موفق مفقود! كان صوتها مرعوبا كما لو كانت تحس بالكارثة بقي موفق مفقودا حتى وجدوه في الطب العدلي في اليوم التالي. قال ابنه لي: هل تعرف؟ حين كنت معهم و هم يغسلوه ارتسمت على وجهه ابتسامة!!.. بقيت مع ذلك لشهور لا أرسم أبدا وانتظر دخوله من باب القاعة وهو يترنم تره را را... كنت متأكدا انه سيفعلها ولكنه لم يأتِ أبدا. لا أدري لماذا ولا أعرف حتى الآن لماذا لم يعد موفق الخطيب إلينا.
ثم بعدها ماتت بتول، كان كريم يناديها "بتول" بكل بساطة وبدون رتوش ولا يقول "أمي" أو "ماما"، إنها أمه الجميلة، تقبلني كأمي حين أزورهم في بيتهم... حين نخرج من السفينة يكون مثنى ممتنا لأني لا أغادر إلا وكريم معي، فكريم يثمل بعد أن يعب الكثير ولا يرضى بأنصاف الحلول، وحين نصل يكون باب السيارة لصقَ بابِ الدار، يفتحها كريم من جهته قليلا ولا يترجل ثم يبدأ بالحديث مرة أخرى بطيئا.. بطيئا.. بطيئا، حتى يطل احدهم علينا من باب الدار ليتأكد مَن القادم بعد أن يكون قد سمع صوت محرك السيارة وانتظر طويلا دون جدوى، ثم يعود مطمئنا لطقسنا.
نتجول كريم وأنا في السوق المزدحم بالوجوه والصياح والخضار والسمك والذباب، كريم يعرف كل واحد تقريبا، يتوقف للسلام على الجميع. أنا تعلمت طبخ الخضار المخلوط هنا حيث أجده جاهزا مخلوطا ومجمدا، هو يقوم بذلك منذ وقت مبكر مذ كنا في العراق حينها كان أشهر عازب في بعقوبة، يجمع كل ما هو متوفر من خضار السوق ويعمل منه طبقا ليس فيه لمسة انثوية، بل لمسة الصبر الذكوري للعزاب.. هو يكلم الجميع ويأخذ من كلٍ ما يشاء ويعطي لهم شيئا يدسوه في جيوبهم دون أن يحسبوه، نعرج عند صابئة سوق الذهب تحت عرائش الذهب الملتمع نتحدث عن الدولار في أكثر بورصات العالم غرائبية. نتوقف عند (سامي) السمّاك، يستميلنا لسمكة يقول انه احتفظ بها لنا، فأشتري منه صبورا. في السوق تجد آخر النكات وآخر التلميحات عن "القائد" فمن جهة الشارع المقابلة أو حتى من الجانب الأخر لخريسان يصيح علينا (وحيد ماهي) رافعا يده "لدي واحدة جديدة" فنهرع إليه.. قال مرة أن عليه يعمل (over time ) لكي يستطيع أن يأكل كبة، قطعة واحدة من (إسماعيل أبو الكبة) الذي كان ينصب تجهيزاته في السوق... هل تتذكر بائعي الكبة ومرفقاتهم مثل أبو ضويه في "تحت موس الحلاق"؟؟..... ذهبنا أنا وصباح الأنباري الى بيت فاروق القصي في الريف. كان ثمة قطعة ارض زراعية اشتراها فابتنى له بيتا عليها. هنا أكلتُ الصبور أول مرة، مُذها وأنا ابحث عنه كلما توفرت الفرصة. أنت تعرف: فاروق اسمر البشرة يعيش في الأدغال كما يرى ثامر وحين ننوي أن نذهب يقول محي او ربما ثامر مطر: "هيا! أتذهبون الى أفريقيا"؟؟؟ " أحراش وفاروق، لا بد أنها أفريقيا. وحين سبحنا في نهر ديالى عند الجسر، كان فاروق يرتدي (شورتا) أخضر قال ثامر متأملا: انظروا إليه! أليس هو كباذنجانه بالمقلوب؟؟!.
من سماها سفينة نوح؟ هل هو محي أم ثامر، ثامر لا، لم يكن يتردد عليها، انها حقا سفينة نوح فصاحبها اسمه نوح وهي التي يدخلها الراغبون بدون قيود من مشارب شتى، اجلب ربعك، أجلب نصفك، اجلب قنينة كاملة مع من تشاء، مع ما تشاء جبس رمان برتقال لبن رائب، (باكله)، وتعال. مثقفو بعقوبة وجدوا فيها ضالتهم حين استمع "القائد" لنصيحة الشيخ الذي قادنا إلى أولى بوادر الأسلمة في حملته الإيمانية، قال له: عليك بالخمر أنها أم الكبائر! فأغلقت البارات وتشرد المئات والالوف!! الخمر هي اذن ام الكبائر، أليس القتل هو أم الكبائر و أباها؟... قلت إنها طلقة الرحمة على بغداد. بغداد بدون حاناتها و نواديها الليلية مدينة أشباح فلا تكسي ولا بائع مكسرات ولا (باجة الشوصة) و لا الأصوات المازحة آخر الليل، ولا ضجيج المثقفين المتحلقين حول طاولة بعد مسرحية او معرض يتناقشون يطرون أو يتشاتمون أو يتعانقون، لقد جعل منا شعبا من العاقلين، مثل التلاميذ الشطر ينامون منذ الثامنة ولا يزعجون حفيظة السلطة. ولكن هل كانت تلك طلقة الرحمة حقا؟؟ أي أسم نطلق على ما جاء بعدها إذن؟
****
غادرنا هؤلاء جميعا وفجعنا برحيل (أديب أبو نوار)
قال لي أديب يوما: "لقد بدأت احبك"!!
ألم يكن أديب يحبني قبل ذلك؟ لا ادري ... ربما. أنا لم أسأل نفسي.
كتب لي على الماسنجر: افتقدك! قلت له افتقدك أنا أيضا يا أديب. كنت افتقده حقا، رغم إننا كنا جنبا الى جنب مع بعضنا في الكثير من الأحيان دون أن نعبر عن مشاعرنا إزاء بعضنا، ربما لم أكن افتقده عندما كنتُ هناك أو ربما تمر أيام لا يلفت نظري غيابُة، و ربما هو يفعل الشيء نفسه طالما، أنا عنه وهو عني، لا نبعد أكثر من 10 كيلومترات ونستطيع أن نتهاتف (لحظة! انتظر! سأضيفها إلى القاموس، " نتهاتف " لا يعرفها قاموس حاسبتي أشّر تحتها بخط احمر فأضفتها إلى القاموس) ولكن ما أن نتغرب ونقيم في وطن آخر حتى نسأل عن الكثير من الناس بل حتى عن الذين ربما لم نلتق بهم إلا نادرا ولا يجمعنا بهم جامع.
ثامر، أخي، هو فينا أول من جرب غربة طويلة، طويلة جدا، سألني حين زرته في تونس، بعد عشرين لم نلتق فيها، عن أسماءٍ أنا نفسي لم أكن أتذكرها إلا حين أصادفها في ا لشارع وسألني عن أخبار الكثيرين بل واخبرني عن شيء حدث لفلان وفلان، جعلني أسهم وأتذكر وأقول: صحيح، صحيح!! من أين لك هذه المعلومات؟
كان أديب يتصل وينقطع وأنا أقول: إنها نزوة الشعراء، كان حزينا، حزينا جدا، عزيت ذلك للظرف.. كتب لي: "اكتب و دموعي تسيل" آلمني حينها، آلمني كثيرا، كيف يمكنني أن أصل إليه في هذه اللحظة؟
حين قررت الإقامة في الـعام 2000 في برلين كان منصور يهرع إليّ.. بعد شهر من العذاب والتردد قررت الإقامة في ألمانيا كمن يتجرع العلقم، و سكنت في غرفة مؤجرة في قلب برلين في (سكارلتزر شتراسه). كنت حزينا جدا كما لم أكن من قبل. قبلها كنت أسافر كثيرا و كان أحلى ما بالسفر العودة، بها يغدو كل شيء جميلا و جديدا.. ومَن غضبت عليهم ستحتضنهم بود وتنسى وتسامح.هذه المرة عرفت أن لا عودة لي. كان منصور يأتيني حاملا قنينة من نبيذ، كلما اتصلت به و قلت له: انا حزين وقد افعل أي شيء، كنت أنظر من شباك الغرفة الفسيح الى الأرض، من الطابق الرابع، القطار معلقٌ على سكتِهِ فوق الشارع يهدر ويعوِلُ كأنما يبشرني بفجيعة قادمة.
أوَ تبكي؟ سألتني مرة.....
ـ أنا؟!! سألتها باستغراب: ولا أسهل من ذلك!
لماذا تعتبرني لا أبكي أبدا؟ ما أن اكتب او أقرأ حتى تسيل دموعي... سالت دموعي أكثر من مرة عند مراجعتي لترجمة قصة "ليلا تنام الفئران"، رغم إنني نسيت تماما إني لا بد أن أكون قرأتها قبل ذلك مترجمة إلى العربية قبل أن أغادر. كتب ابني لي بعد أن أرسلت له رابطا ليقرأها منشورة: بابا أنت ترجمتها على أي حال أفضل من الترجمة الموجودة في المجموعة "قبو البصل"... ماذا تقصد " على أي حال؟! وقبو البصل؟!! ".. أحقا إنها موجودة في قبو البصل الذي قرأتُه ليس أقل من ثلاث مرات؟ لم أتذكر، وأنا أترجمها، إنني قد قرأتها سابقا.عذرا عزيزيّ سامي وفهد هذا ابني وتعرفون" عين الرضا عن كل عيب كليلة "
كان أديب يكتب لي في أيامه الأخيرة ولم أكن اعرف إنه مصاب بمرضه الرهيب حتى كتب لي بعدها كريم الدهلكي أنه يحتضر في إحدى مستشفيات السليمانية... مم؟ سألت.. فأعلمني كريم. ثم جاءتني التعزية من سعد محمد رحيم على البريد الالكتروني كتب ـ أعزيك و أعزي نفسي.. قبل أن أقرأ مقالَ النعي الذي كتبه سعد في الحوار المتمدن.
****
أكتب عن الموتى دائما متأخرا وأبكيهم متأخرا دائما، تكون الصدمة أولا ولا أكون مصدقا ... بقيت أشهرا انتظر مقدم موفق الخطيب ليكذب خبر موته بنفسه رغم إنني تابعت رحلته الأخيرة من الطب العدلي حتى الدفن، كنت أنتظر دخوله قاعة أصدقاء الفن في أية لحظة، أنتظر أن أسمع صوته يهدر بمقطوعة بتهوفنية بطريقة احتفالية.. ترارارا.. يحمل في الغالب أصيصا يعيد به تزيين القاعة ويغمز.. قال هذا يومٌ خاص في حياتي تعال نشرب قدحا من البيرة، أما أنا، كما قال، فعدا إني سأشرب في كل الأحوال إلا إني سأسمح لنفسي أيضا أن أراهن على سباق الخيل هذا اليوم فقط في السنة، فقط هذا اليوم. سألتني هيفاء: ألم يقل لك لماذا كان ذاك اليوم يوما خاصا؟ كان لديها ما تحب أن تقوله ولم تقله.
ـ لا... لا أعرف، لم يقل لي شيئا!...
كانت هناك حانة أنيقة مزينة بسيراميك جميل لم افطن لوجودها في أحد الشوارع الصغيرة التي تربط بين الكرادة داخل والكرادة خارج يؤمها المراهنون ويستلمون النتائج بالتلفون وهم يحتسون أقداحا من البيرة، يا إلهي كما كنا متقدمين؟! سيذبحوننا الآن على نصف واحدة من هذه! راهن موفق وشربنا أوصلته منسابين بالسيارة متلألئة تعكس أضواء محلات المنصور والمساء يهبط في قافلة السيارات المتزاحمة، هنا شربنا كأسا آخرا.. حين غادرته إلى بعقوبة لم أكن اعرف انها آخر مرة أراه فيها، كنت أعب في طريق العودة نسيم الطريق المطرزة بالبساتين، لو كنت اعرف كنت تأملت وجهه اكثر.
ظهرا رن الهاتف كان على الجانب الآخر هيفاء وصوتها يتهدج مرعوبا تقول هل موفق معك؟
ـ لا لم يكن موفق معي تركته في المنصور عند الغروب ـ موفق مفقود! كان صوتها مرعوبا كما لو كانت تحس بالكارثة بقي موفق مفقودا حتى وجدوه في الطب العدلي في اليوم التالي. قال ابنه لي: هل تعرف؟ حين كنت معهم و هم يغسلوه ارتسمت على وجهه ابتسامة!!.. بقيت مع ذلك لشهور لا أرسم أبدا وانتظر دخوله من باب القاعة وهو يترنم تره را را... كنت متأكدا انه سيفعلها ولكنه لم يأتِ أبدا. لا أدري لماذا ولا أعرف حتى الآن لماذا لم يعد موفق الخطيب إلينا.
قيم هذا المقال
الفن يُلامس الجنون أحياناً ليخرجنا من واقع مرير الى عالم يتناغم فيه
الجمال والإبداع ... في قصيدة الشاعر "صالح الطائي" :
انتقالية الكلمات ومزجها في قالب متماسك ...
أرجو أن يكون باستطاعتي نقل وإعادة ما كتبه الشاعراللبناني الكبير :
"أنسي الحاج" عند صدور كتاب :'إنجيل شخصي" للشاعر اللبناني اللامع:
"عقل العويط" قائلاً :"الشعر هو ما ...
روعه اكثر من ما في الخيال
روعه لاغير
ليت ان يكون لسانك لدي حتى يكون سلاحي الناعم فاكون محبوبا في قلب ما احب
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
هل الغازُ هو آخرُ غزواتِ غزّة!


التعليقات (2 تعليقات سابقة):
وبعقوبة وازقتها نفتقد الكبة اللوز وسمكي ومحلات لوزة وفايق السعدي
والجاي يم الحسينية ووقفة شارع الاطباء ومسواك الصبح خلف جامع الفاروق نفتقدها جميعها
أضف تعليقك