تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  المفكرة الفنية»  ثلاثية صموئيل بيكيت

ثلاثية صموئيل بيكيت

عدد مرات المشاهدة :1739 - October 20, 2007

حسين عجة

ثلاثية صموئيل بيكيت

مقطع من رواية مولوي

تقديم :  
  

تقوم مجلة "أدب فن" بنشر مقطعاً من رواية "مولوي"؛ الرواية الأولى من ثلاثية صموئيل بيكيت الغنية عن التعريف (مولوي، مولون يموت، واللامسمي)، والتي تُرجمت إلى معظم لغات العالم، باستثناء اللغة العربية. من ناحية أخرى، تضع دار "ادب فن" هذه الثلاثية، ضمن قائمة الكتب التي تعدها للنشر قريبا. أما فيما يتعلق بالدافع الذي جعل المجلة تقوم بنشر ذلك المقطع، فيمكن إيجازه بالطريقة التالية: أولاً، لكي تجعل قارئها يطلع على جانب من ثراء وصعوبة هذا العمل النثري المتميز، الذي يضع ما يسميه الفيلسوف الفرنسي "الآن باديو""الشعر الضمني" قاعدة لتقدمه في عملية السرد المتواترة. كذلك تطمح دار "أدب فن" للنشر البوح لقارئها، عبر نشرها لهذا المقطع، عن عزمها على تقديم أعمال روائية عالمية، ذات مكانة استثنائية على صعيد عملية الإبداع الأدبي النثري التي عرفها القرن العشرين، والتي تشكل الثلاثية، دون أقل شك، أحدى علاماتها البارزة.
كذلك لا بد لنا من القول، هنا، بأن بيكيت كان قد كتب ثلاثيتة كاملة في اللغة الفرنسية أولاً، ثم قام هو بنفسه بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. أما ترجمتنا لها إلى اللغة العربية فقد اعتمدت في المقام الأول على النص الفرنسي، لكنها لم تحرم نفسها من مراجعة النص الإنجليزي، وذلك لملاحظة الاختلافات التعبيرية ما بين اللغتين، ولكي تتطلع وتتعلم من طريقة بيكيت في الترجمة التي لا يمكن القول عنها، دون مبالغة، بأنها كانت غاية في الدقة والمرونة. ومع ذلك، هناك بعض الفوارق البسيطة التي تكشف عن استحالة جعل النص المترجم، وإن كان مؤلف النص الأصلي هو منْ أضطلع بتلك الترجمة، يتطابق بحذافيره مع العمل الذي تمت كتابته، في البدء في لغة أجنبية.
يهدي المترجم المقطع التالي، كجزء من عمله، إلى الروائي والمبدع العراقي خضير ميري.
جميع الحقوق محفوظة للمترجم ولدار "أدب فن" للنشر.   (المترجم)

أنا في غرفة أمي. أنا منْ يعيش فيها الآن. لا أعرف كيف وصلتُ هناك. ربما في سيارة إسعاف، بعربة ما بالتأكيد. لا بدّ أن أحدهم قد ساعدني. وحدي ما كنت سأصل. هذا الرجل الذي يأتي كل أسبوع، ربما بفضله أنا هنا. هو يقول كلا. يعطيني قليلاً من النقود، ويأخذ الأوراق. مزيد من الأوراق، مزيد من النقود. نعم، أنا أعمل الآن، نوعاً ما كالسابق، فقط ما عدت أعرف كيف أعمل. ليس لهذا من أهمية، كما يبدو. أرغب التحدث الآن عن الأشياء التي بقيت لي، أن أقول وداعي وأموت. أنهم لا يريدون ذلك، كثيرون، كما يبدو. لكن نفس الشخص هو منْ يأتي دائماً. سترى ذلك، فيما بعد، يقول. حسناً. ما عادت لدي إرادة كبيرة، لتلاحظوا ذلك. عندما كان يأتي للبحث عن الأوراق الجديدة، كان يأخذ معه أوراق الأسبوع المنصرم. أوراق مُغطاة بإشارات لا أفهما. من ناحية أخرى، أنا لا أعيد قراءتها. حينما كنت لا أعمل شيئاً، لا يعطيني أي شيء، يوبخني. من جهة ثانية، لا أعمل أنا من أجل المال. من جل أي شيء، إذا؟ لا أعرف. صراحة، أنا لا أعرف أشياء كثيرة. موت أمي، مثلاً. هل كانت ميتة، عندما وصلت؟ أو أنها لم تمت إلا فيما بعد؟ أردت القول هل ماتت وتمّ دفنها. لا أعرف.
ربما لم تدفن بعد. على أية حال، أنا منْ يقطن في غرفتها في الوقت الحاضر. أنام في فراشها. أقضي حاجتي في وعائها. أخذتُ مكانها. لا بدّ وأني أصبحت أشبهها، شيئاً فشيئاً. لا ينقصني سوى أن يكون لي أبناً. ربما عندي واحداً في مكان ما. لكني لا أصدق هذا. إذ سيكون شائخاً الآن، مثلي تقريباً. كان ذلك مع خادمة صغيرة. لم يكن الحب الحقيقي. الحب الحقيقي كان مع واحدة أخرى. سترون ذلك. وها أني نسيت اسمها ثانية. أحياناً، يبدو لي بأني قد عرفت حتى أسم أبني، وقمت برعايته كذلك. ثم أقول في نفسي ذلك مستحيل. فمن المستحيل أن أكون قد قمت برعاية أحد ما. نسيت الكتابة أيضاً، ونصف الكلمات. ليس لذلك من أهمية، كما يبدو.
أتقبل أنا ذلك عن طيب خاطر. أنه مضحك ذلك الشخص الذي كان يأتي لرؤيتي. كان يقدم في أيام الآحاد دائماً، كما يبدو. فهو ليس متفرغاً في الأيام الباقية. كان دائم العطش. وهو نفسه الذي قال لي بأني بدأت بالخطأ، وكان عليَّ الشروع بطريقة ثانية. أقبل هذا طواعية. سأبدأ من البداية، تخيلوا ذلك، كشائخ مخرف. إليكم بدايتي. فهم يرغبون الاحتفاظ بها، إذا كنتُ قد فهمت جيداً. لقد تحملت الكثير من جراءها وسببت لي العناء الكثير. ها هي هنا. أنها البداية، هل تفهمون. فيما هي تقريباً النهاية، في الوقت الحاضر. هل هذا أفضل، ما أقوم به الآن؟ لا أعرف. السؤال ليس هنا. ها هي بدايتي أنا. لا بد وأنها تعني شيئاً، ما داموا يحتفظون بها. ها هي. هذه المرة، ومن ثم أخرى، كما أظن، وبعد ذلك سأنتهي، كما أظن، من العالم أيضاً. ذلك هو شعوري ما قبل الأخير. يتوقف كل شيء. عاجلا سيغدو المرء أعمى. المشكلة في الرأس. فهو ما عاد يتحرك بعد. يقول لن أتحرك بعد. كذلك يصبح المرء أخرساًً وتضعف من حوله الضوضاء. ما أن يتمّ تخطي العتبة، هكذا هو الأمر. إذ لا بدّ وإن يكون الرأس قد أُشبعَ. لحد يقول فيه المرء مع نفسه سأصل هذه المرة، وربما المرة الثانية أيضاً، وفي النهاية، هذا كل شيء. ذلك لأن المرء يصل بألم لصياغة فكرة كهذه، فهي واحدة، بمعنى ما. حينئذ، يرغب أن يكون حذراً، يفحص بانتباه كل تلك الأشياء الغامضة، ثم يقول لنفسه، بمعاناة، بأن الخطأ كان خطأه الشخصي. الخطأ؟ تلك هي المفردة المستخدمة. لكن أي خطأ؟ هذا ليس بالوداع، وأي سحر في تلك الأشياء الغامضة التي يريد المرء القول لها وداعاً، إذ سيكون من الغباء أن لا يقول وداعه، في اللحظة المناسبة. فإذا ما فكر بما يحيطه في ضوء الماضي، لن يبقى ثمة من ندم. لكنه لا يفكر في ذلك، بأي شيء يمكنه التفكير فيه؟ لا أعرف.
كذلك يمر أناس يصعب علي المرء تمييّز نفسه عنهم بوضوح. وهذا ما يجعله محبطاً. هكذا رأيت "أ" و"ب" يتقدمان ببطء، الواحد نحو الآخر، دون أن يعيرا انتباهاً لما يقومان به. كان ذلك على درب عارياً بطريقة مدهشة، أردت القول دون ذرى ولا جدران ولا حوافي  من أي نوع، في الريف حيث الحقول الشاسعة، التي كانت تجتر فيها أبقار ممدة أو واقفة، في صمت المساء. قد أبالغ وأضيف قليلاً من الرتوش ربما، لكن بشكل عام كان الأمر كذلك.
كانت الأبقار تمضغ، ثم تبلع، وبعد توقف قصير، تعاود المضغ من جديد. تتحرك عضلة الرقبة ويبدأ الاجترار بالسحق ثانية. لكن، قد يكون كل ذلك محض ذكريات. كان الدرب، الوعر والأبيض، يقطع المراعي الرقيقة، يصعد وينزل وفقاً للتموج. لم تكن المدينة بعيدة. كانا رجلين، يستحيل على المرء الخطأ في ذلك، واحد طويل والآخر قصير. كانا قد خرجا من المدينة، في البداية واحد منهما، وبعده الآخر، ثم عاد الأول على خطواته، أما لأنه كان تعباً، أو لأنه تذكر شيء ما. كان الطقس بارداً بعض الشيء، إذ كانا يرتديان معطفيهما. كانا متشابهين، لكن ليس أكثر من تشابه الآخرين.  مجال واسع كان يفصلهما، في البدء. لم يكن بمقدورهما رؤية الواحد الآخر، عندما كانا يرفعان رأسيهما ويبحثان في عينيهما، بسبب ذلك المجال الشاسع، وكذلك بسبب تعرج الأرض، التي جعلت الدرب يتموج، ليس بعمق، ولكن بما يكفي، ما يكفي. بيد أن اللحظة قد حانت لكي يتجها نحو نفس الحفرة، وهناك التقيا في النهاية. أن يقول المرء بأنهما كانا يعرفان بعضهما، كلا، ليس هناك ما يجعلنا نؤكد هذا. لكن، ربما بسبب ضجة قدميهما، أو لأنهما شعرا بشيء ما، بحكم غريزة غامضة، رفعا رأسيهما وتطلعا الواحد بالآخر، بعد عشرة خطوات، قبل أن يتوقفا، الواحد قبالة الآخر. نعم، لم يتقاطعا أبداً، لكنهما توقفا فجأة، الواحد بالقرب من الثاني، كما يفعل الناس ذلك غالباً في الريف، مساءً، على درب مهجور، شخصان يتنزهان ولا يعرف أحدهم الآخر، دون أن يكون لهذا من أهمية. على أية حال، صارا يعرفان أحدهما الآخر الآن، وسوف يتعرفان على بعضهما، كما أعتقد، وسيسلم أحدهما على الآخر، حتى وإن كان ذلك في عمق المدينة. استدارا نحو البحر، بعيداً من جهة الشرق، في ما وراء الحقول. بعيداً عن البحر الصاعد باتجاه السماء الشاحبة، وتبادلا بضعة كلمات. بعد ذلك، تابع كل واحد منهما طريقه،"أ" باتجاه المدينة، و"ب" عبر مناطق يبدو أنه لا يعرفها، أو يجهلها تماماً، ذلك لأنه كان يتقدم بخطوات غير واثقة وغالباً ما يتوقف لينظر من حوله، وكأنه يشبه فرد يحاول تثبيت نقطة دليل ما في ذهنه، إذ قد تتولد لديه الرغبة يوماً في معاودة خطواته، وهذا ما لا يمكن للمرء معرفته أبداً. كانت الروابي التي وجد نفسه برعب أمامها مخادعة، فهو لم يعرفها قطعاً من قبل، كان قد لمحها ربما من بعيد، من نافذة غرفته، أو من قمة نصب ما، في يوم كان فيه حزيناً، ولم يكن لديه أي شيء خاص يقوم به، ومن ثم كان يحاول العثور على عزاء في ذلك الارتفاع، ولهذا كان قد دفع ببنساته الثلاثة أو الأربعة حتى يتسلقه، وصولاً إلى السطح عبر سلّم حلزوني. من هناك، كان لا بد من رؤية كل شيء، البحر ومن ثم تلك الروابي التي يطلق عليها البعض اسم جبال، نيلية اللون في بعض جوانبها، تحت ضوء المساء، وتتدافع الواحدة خلف الأخرى حتى منقطع النظر، كانت تخترقها الوديان التي لا يمكن للمرء رؤيتها، لكنه يتوقعها، بسبب من تدرج الأصوات وغيرها من العلامات التي يصعب ترجمتها في كلمات، والعصية على التفكير حتى. ولا يمكنه توقعها كلها، حتى من ذلك العلو، فهو لا يرى إلا جانباً واحداً منها، سوى ذروة واحدة؛ ففي الواقع، كانت هناك جهتين وذروتين، منفصلتين بوادي. غير أنه صار يعرف الآن تلك الروابي، أي يعرفها أفضل من السابق، وإذا ما حدث له وإن تأملها من جديد، فسوف لن يكون ذلك، كما أظن، بنفس العينين، ليس ذلك وحسب، بل وأيضاً من الداخل. ذلك المجال الداخلي برمته والذي لا يمكن رؤيته، القلب والعقل وغيرهما من الكهوف، حيث تجتمع العاطفة والفكر،كل هذا سيأخذ وضعية أخرى. كانت الشيخوخة بادية عليه، وهذا ما يبعث على الشفقة، لرؤيته ينطلق وحيداً بعد تلك الأعوام، وكل الأيام والليالي، وحتى إذا ما أغضضنا النظر عن هذه الضجة القائمة مند الولادة، وقبلها أيضاً، والمتعلقة بذلك السؤال الذي لا يرتوي:
 ما العمل؟ ما العمل؟ ذلك هو السؤال المطروح، تارة بصورة تسمع بالكاد، دمدمة، وبوضوح تام، تارة أخرى، كترديد نادل الفندق : وماذا تشربون؟ وغالباً ما ينتفخ الصوت بعد ذلك ليصل حد الصراخ. وفي نهاية الأمر، يرحل وحيداً تماماً، أو تقريباً، عبر دروب مجهولة، عند هبوط الليل، ترافقه عصاه. كانت تلك العصا ضخمة، وهو يستخدمها لدفع نفسه إلى الأمام، وكذلك للدفاع عنها، عند اللزوم، ضد الكلاب واللصوص. نعم، كان الليل قد هبط، لكن الرجل كان بريئاً، براءة عظيمة، ولم يكن يخشى من شيء، بلى، كان يخشى شيء ما، بيد أنه لم يكن بحاجة للخشية من أي شيء. إذ لم يكن بالإمكان القيام بشيء ضده،أو بما هو قليل. غير أنه كان يجهل ذلك قطعاً. فأنا نفسي، إذا ما فكرت بذلك، كنت سأجهله أيضاً. كان يشعر بأنه مهدداً، بجسده، وبعقله، وبالرغم من براءته ربما. ما شأن البراءة هنا؟  ما علاقة ذلك بعملاء العفريت الذين لا يمكن عدهم؟ هذا ما هو ليس بالواضح. كان يضع على رأسه قبعة ناتئة، مثلما بدا لي  ذلك. وهذا ما حرك فضولي، فأنا أتذكر ذلك جيداً بأن تلك القبعة كانت دقيقة بطريقة لم أعهدها من قبل، مقارنة "بكاسكيت"، مثلاً،أو بشفقة على شكل بطيخة. نظرت إليه يبتعد والقلق يهيمن عليه، قلق ليس بالضرورة قلقه هو، في نهاية المطاف، لكنه يشكل هو فيه جانباً. ربما كان قلقي أنا ما سيطر عليه. لم يكن يراني. إذ كنت منبطحاً على المستوى الأكثر ارتفاعاً من الدرب وملتصقاً بصخرة لها بالدقة نفس لوني،أعني رمادية. من المحتمل أن يكون قد لمح الصخرة.
فهو كان يتطلع من حوله، وقد أشرت على ذلك من قبل، وكأنه كان يرغب في حفر صفات ذلك الدرب في ذهنه، كذلك لا بد وأنه رأى الصخرة التي كنت أختفي في ظلها، على طريقة "بيلاكا" أو "سوردلا"، ما عدت أتذكر. إذ لا يمكن لأي رجل، وبالأحرى أنا، أن يشكل بالدقة جزءاً من صفات الدرب. ذلك لأنه سيبحث ثانية عن تلك الصخرة، أعني إذا ما عاود المرور من هنا، بحكم معجزة ما، وبعد فترة من الزمن، وهو مغلوب على أمره، أو للبحث عن شي ما كان قد تغافل عنه، أو لحرق شيء ما، سيبحث عنها وليس عن الصدفة التي يتعلق بظلها الجسد الذي ما زال حياً. كلا، بالتأكيد أنه لم يرني، للأسباب التي قدمتها، وكذلك لأن ذهنه لم يكن خالياً لمثل هذا، ففي ذلك المساء، لم يكن لديه ذهناً يصرفه للأحياء، لكن، بالأحرى، يصرفه لذلك الشيء الذي لا يتزحزح عن مكانه، أو الذي يغيره ببطء للحد الذي قد يسخر منه الأطفال، حتى لا نقول شيئاً عن الشيوخ. وعلى أية حال، إذا كان قد رآني أو لا، أكرر القول بأني كنت أنظر إليه وهو يبتعد، وقد سيطر عليَّ (أنا) إغواء النهوض واقتفاء أثره، وقد أنضمُ إليه في يوم ما، بغية معرفته، ولكي أصبح أقل وحدة في النهاية. لكن، وبالرغم من وثبة روحي نحوه، وتوترها المطاطي، لم أره جيداً، بسبب من الظلام، وكذلك بسبب لون الأرض، التي كان يختفي في ثناياها من حين إلى آخر، ثم يعاود الظهور ثانية، على مسافة أبعد. لكني أعتقد بأنه كانت هناك أشياء أخرى، تستحثني وتجعل روحي تندفع نحوه من حين إلى آخر، مخبولة وبلا منهج. أتحدث، بطبيعة الحال، عن الحقول المبيضةِ تحت الندى، وعن الحيوانات التي كفت عن التيه، لكي تأخذ أوضاعها الليلية، وعن البحر الذي لا أقول عنه أي شيء، وعن خط الذرى المنحل شيئاً فشيئاً، وعن السماء التي وإن كنت لا أراها، كنت أشعر برعشة نجومها الأولى، أتحدث عن يدي الموضوعة على ركبتي، ومن ثم عن المتجول الآخر خاصة، "أ" أو "ب"، ما عدت أتذكر، والذي رجع بحكمة إلى داره. نعم، أتحدث كذلك عن يدي التي كانت تشعر بها ركبتي مرتجفة، والتي لم تكن عيني ترى منها سوى الرسغ، والقفا المليء بالأوردة وبياض السلاميات الأولى. لكن ليس عن هذه اليد أنوي التحدث في الوقت الحاضر، فكل شيء له وقته، ولكن عن "أ" أو "ب" الذي توجه نحو المدينة التي خرج منها للتو. لكن، في العمق، ما الذي كانت تنطوي عليه مشيته من عنصر حضري متميز؟ كان مكشوف الرأس، ينتعل حذاء رياض خفيف، ويدخن سيجاراً. كان يمشي بنوع من الكسل البطيء والذي بدا لي مبالغ فيه، إن كان ذلك عن خطأ أو صواب. غير أن كل ذلك لم يكن يبرهن على شيء، ولا يدحض أي شيء. ربما كان قد قدم من بعيد، وحتى من الطرف الآخر للجزيرة، وكان متوجهاً للمرة الأولى نحو تلك المدينة، أو أنه استدار باتجاهها بعد فترة طويلة من الغياب. كان ثمة كلب صغير يتبعه، من جنس "البورمانيان"،الضارب نحو اللون البرتقالي، كما أظن، لكني لا أظن بشيء. لأني لم أكن متأكداً من ذلك،في تلك اللحظة، ولست متأكداً منه حتى اليوم، مع أني قلما فكرت به. كان الكلب الصغير يتابع بصعوبة واضحة، على طريقة "البورمارنيان"، يتوقف أحياناً، يلتفت طويلاً، ثم يترك التفاتته تسقط، أعني يتخلي عنها، ويعاود القيام بها بعد مسافة. فالإمساك المعوي عند كلاب "البورمانيان" علامة على الصحة الجيدة. يستدير السيد، بعد لحظة معينة، مُعطاة سلفاً إذا كنتم تفضلون، فأنا لا ما نع عندي، على عقبيه، يأخذ الكلب الصغير بين ذراعيه، ينزع سيجاره عن فمه ويدس وجهه بجزته البرتقالية. كان سيداً، ذلك ما كان واضحاً عليه. نعم، كان "بورمانيان"، مائل إلى اللون البرتقالي، وكلما أمعنت النظر فيه، كلما أزداد يقيني. والحالة هذه، هل يمكن لذلك السيد القدوم من بعيد، برأسه المكشوف، وحذائه الرياضي الخفيف، سيجاره في فمه ويتبعه كلب من نوع"البورمانيان"؟ ألم تكن له هيئة شخص يطلع من المتاريس، بعد وجبه فاخرة لكي يقوم بنزهة مع كلبه، حالماً وضارطاُ، كما يفعل ذلك العديد من سكان المدن، عندما يكون الطقس رائقاً؟ لكن ألا يمكن أن يكون ذلك السيجار غليوناً، وحذائه الرياضي ذاك، ألا يمكن أن يكون مجرد حذاء عادي وقد أصبح أبيضاً من الغبار الذي يغطيه، وما الذي يمنع الكلب من أن يكون واحداً من تلك الكلاب السائبة، التي يلتقطها المرء ويأخذها بين ذراعيه، كعزاء أو لأنه كان قد تجول طويلاً وحيداً وبدون أية رفقة، ما عدا تلك الدروب التي لا نهاية لها، الرمال والحصى، المستنقعات والخلجان، وهذه الطبيعة التي تنتمي لنظام آخر، ومن بعيد لبعيد رفيق معتقل يود المرء الاقتراب منه، معانقته، حلبه، عندما يتقاطع معه صدفة وعينيه مغلقتين، لكي لا يزيد من مجاملاته. حتى يأتي ذلك اليوم الذي يلتقط فيه المرء كلباً ضائعاً، لأنه ما عاد  يطيق فيه بعد هذا العالم المحروم من الأذرع، ثم يأخذه بين ذراعيه، يحمله لزمن معين، يشعر فيه بحبه له، ومن بعد  يلقي به أرضاً من جديد. قد يكون الأمر كذلك، بالرغم من المظاهر. فها أن الشيء المدخن اختفى من اليد، والرأس قد وقع على الصدر. ولكي أكون أكثر وضوحاً، الأشياء التي سوف أفقدها أدير نظري عنها، أثبتها في ذهني حتى اللحظة الأخيرة، كلا، لا أستطيع. بهذا المعنى، كان ذلك السيد قد اختفى. عيناي في مكان آخر، كنت أفكر به، قائلاً لنفسي أنه يتضاءل، يتضاءل. كنت أفهم نفسي. أعرف بأني كنت قادراً على اللحاق به، بالرغم من شللي. لم يكن عليَّ سوى الرغبة في القيام بذلك. وبالرغم من هذا، لم أفعل ذلك. لأني كنت أرغب بالقيام فيه. فأن أنهض، أأخذ نفس الدرب، ومن ثم ألقي بنفسي متعرجاً بملاحقته، أو أنادي عليه، أي شيء أسهل من هذا. سيسمع صراخي، يلتفت ورائه ومن ثم ينتظرني. وسأصبح في مواجهته، أمام الكلب، متوقفاً بين عكازتي. وقد يخاف مني قليلاً، ومن ثم يشفق عليَّ قليلاً، وقد اشمأز منه أنا قليلاً. فأنا لست جميل المنظر، ورائحتي ليست طيبة. ما الذي أبتغيه؟ آه من هذه اللهجة التي أعرفها جيداً، والناتجة عن الخوف، الشفقة والاشمئزاز.أرغب في رؤية الكلب والرجل عن قرب، وأريد معرفة ذلك الشيء المُدخن، فحص حذائه والحصول على علامات أخرى. فقد يكون طيباً، ومن ثم يخبرني بهذا الشيء أو ذاك، سيسرد على أشياء كثيرة، من أين أتى، إلى أين هو ذاهب. سأصدقه، وأتعرف فيه على حظي الوحيد، فأنا أصدق كل الأشياء التي تُقال لي، ذلك لأني منعت نفسي طيلة حياتي من تصديق ما يقال لي، أما الآن، فأنا أبلع كل شيء، وبنهم. فما أحتاج إليه اليوم هو القصص، ولقد زمناً طويلاً لمعرفة ذلك.
 وها أني ثابت عندأشياء بعينها، أعرف بضعة معلومات عنها، معلومات كنت اجهلها وتزعجني، وكنت أتضايق حتى من تلك الأشياء التي لم تعذبني. أية لغة. بمقدوري معرفة مهنتي حتى،أنا الذي يهتم كثيراً بأمر المهن. لنقل بأني قمت بكل ما أستطيع عليه حتى لا أتحدث عن نفسي. فبعد لحظة، سأتحدث عن البقر، عن السماء، سوف تلاحظون ذلك. وها أن الرجل يبتعد عني، متعجلاً. فالبداية، لم يكن يبدو عليه التعجل، إذ كان يتجول،وقد أشرت على ذلك من قبل، لكن بعد ثلاث دقائق من الحديث معي صار متعجلاً وكان عليه أن يهرع. أنا أصدقه. وها أنا، ثانية، لا أقول وحيداً، كلا، فأنا لست من هذا النوع، لكن، كيف علي أن أقول، رجعت إلى نفسي، كلا، فأنا لم أتركها أبداً، وها أنا حر، بيد أني لا أعرف ما معنى ذلك، غير أنها الكلمة التي كنت أسمعها. حرٌ من أجل القيام بماذا، لكي يكف المرء عن عمل أي شيء، كلا، لكي يعرف، لكن ماذا، قوانين الوعي ربما، وعي الذات، معرفة أن الماء، مثلاً، يرتفع بالقدر الذي يغطس فيه المرء، وسيكون من الأفضل له كذلك أن يمحي النصوص، مثلما يسود الهوامش، أن يحشوها لحد يصبح فيه كل شيء أبيضاً ومصقولاً، وأن تسترد الحماقة وجهها الحقيقي، اللامعنى قعر دون مخرج. حسناً فعلت إذاً، في النهاية، قبول موقع المراقب، دون إزعاج نفسي. لكن، بدلاً من المراقبة، كنت ضعيفاً،فاستدرت بعقلي نحو الآخر، باتجاه الرجل الذي كان يحمل العصا. حينذاك، عادت الدمدمة ثانية. وعاد الصمت. تلك هي دورة الأشياء. قلت في نفسي من الذي يعرف إذا ما كان ذلك الرجل قد خرج من أجل استنشاق الهواء، مط جسمه، فك خدر أعضائه، وإزالة التخمة عن مخه، وذلك بترك الدماء تنزل حتى قدميه، ولكي يضمن لنفسه ليلة طيبة، استيقاظ سعيد وصبيحة ساحرة. هل كان يحمل معه خرجاً؟ ذلك ما كنت أريد معرفته وحسب. لكن مشيته تلك، نظراته القلقة والهراوة التي كان يحملها معه، هل يمكن التوفيق بين كل تلك الأشياء وما نطلق عليه اسم تجوال قصير؟ لكن قبعته كانت قبعة مدينة، عتيقة، غير أنها قبعة مدينة، من نوع تلك التي تطير بعيداً، عند أقل هبة ريح. اللهم إلا إذا كانت مشدودة بخيط تحت العنق، أو بقطعة من المطاط. خلعت قبعتي وفحصتها. كان ثمة خيط يربطها، منذ الأزل بعروة سترتي، نفس السترة، في كل المواسم. أنا أحيا إذاً منذ الأزل، من المفيد معرفة ذلك. أبعدت يدي التي قبضت على القبعة وظلت ماسكة عليها أبعد ما يمكن عني، وجعلتها بعد ذلك ترسم أقواساً. بعد ذلك، فحصت قفا معطفي ورأيته ينفتح وينغلق ثانية. أفهم الآن لمَ لمْ أضع يوماً وردة في عروة سترتي، مع أنها عريضة حد حمل باقة بكاملها. كانت عروة سترتي مخصصة لحمل قبعتي، قبعتي التي كنت أزينها بالزهور. لكني لا أريد التحدث لا عن قبعتي ولا عن معطفي، فالوقت ما زال مبكراً. سأتحدث عنهما، دون أقل شك، فيما بعد، حينما يحين الوقت لوضع قائمة بملكيتي وخيراتي. اللهم إلا إذا ما فقدتهما، من الآن حتى ذلك الوقت. لكن، حتى إذا ما فقدتهما، سيكون لهما مكانهما، ضمن لائحة خيراتي. بيد أني لست قلقاً، فأنا لن أفقدهما. ولن أفقد أيضاً عكازتي. لكني قد أتخلى عنهما، في يوم ما. لا بد وأني وجدت نفسي فوق ذروة، أو على أحد أطراف مرتفع غير عادي، وإلا كيف تمكنت من مد نظري نحو العديد من الأشياء القريبة والبعيدة، الثابتة والمتحركة. لكن، ما موقع هذا الارتفاع، ضمن ذلك المشهد المتموج قليلاً؟ وأنا، ما الذي جئت من أجله هنا؟ ذلك ما سنحاول معرفته. من ناحية أخرى،لا ينبغي علينا أخذ كل هذه الأشياء بجدية. فكما يظهر، هناك كل شيء في الطبيعة، و"الليزيوز" موجودة بوفرة. قد أخلط بين مناسبات مختلفة، وبين الساعات، في العمق، والعمق هو مسكني، آه ليس العمق المرهف، لكنه ما بين الزبد والطين.
 إذ قد يكون "أ" هو الذي كان هناك يوماً، و"ب" في اليوم الآخر، وأنا والصخرة في يوم ثالث، وهكذا دواليك فيما يتعلق بالعنا


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن