أدب فن: معرض يجمع بين اللوحات والنفايات وقطع السكراب معرض يجمع بين اللوحات والنفايات وقطع السكراب ================================================================================ رشا فاضل on 26/ 5/ 2008     حين دُعيت لحضور المعرض التشكيلي الذي اقامه كل من الفنانين بديع الآلوسي وماهر الآلوسي وضعت في ذهني تصورات كثيرة لشكل اللوحات المشاركة خصوصا انها لوحات تشكيلية وهذا يعني انها ستكون مفتوحة على قراءات متعددة ورؤى مختلفة، غير ان السؤال الملح الذي بقي في ذهني هو كيف سيكون تمازج الحضارات على اللوحة خصوصا ان الفنانين المشاركين مقيمان في فرنسا منذ اكثر من عشرين عاما؟لا انكر اني توقعت ان ارى سوريالية لن تجد تقبلا يليق بهذا الفن المقدس لدى الشعوب المتحضرة –فنيا- ! حزمت اوراقي وجهزت كاميرتي واتجهت صوب المعرض الذي اعطاني عنوانه القاص جمال نوري اكثر من مرة ولكني قبل ذهابي كتبت له: ارجو إعطائي عنوان المعرض مرة اخرى لأني بلا ذاكرة ! وليأسه من حفظي للعنوان شفويا أرسله لي في رسالة وتذكرت قول ماركيز: من لا ذاكرة له فليصنع له ذاكرة من الورق .. وفعلا .. كان الورق ذاكرتي البيضاء والسوداء دوما! أمام جمعية الخطاطين العراقيين  توقفت وتأكدت من العنوان قبل ان أدخل فهي ملاصقة لأحد المراكز الصحية وخفت أن أكون مخطئة في البناية خصوصا إانها مبنية بنفس الطراز والألوان، حال دخولي رأيت شخصا يحمل كاميرا يقف في الباب المفضي للمعرض ورأيت القاص جمال نوري ود . فرج ياسين فاطمئن قلبي تماما وتيقنت إني في المكان المناسب، وقبل دخولي إلى غرف المعرض وجدت لافتة دائرية حمراء معلقة على الباب تقول : ممنوع الدخول! توقفت عندها قليلا .. وشعرت إن هذا المنع المثبت على اللوحة الحمراء الصغيرة يدعوني للدخول ويحرضني على عبوره لرؤية اللوحات التي تختبيء خلفه رغم الشك الذي ساورني للحظات انني اخطأت العنوان كما اخطأه الأصدقاء قبلي وأنّ عليّ أن اتأنى قبل دخولي .. ولكن .. هيهات ان يتهذب فضولي الذي افضى بي بسرعة نحو الداخل لأجدني اعود لحيرتي مرة اخرى وانا استقبل كومة من النفايات موضوعة في وسط الممر وبعد خطوات من الدخول كتب تحتها (مدينتك بيتك حافظ على نظافته)!! وتأكدت حينها إني دخلت إلى المركز الصحي فعلا وأنهم يقومون بحملة تنظيف على غير عادتهم، فقررت العودة وأنا اداري  ضحكتي وخجلي امام الآخرين، وقبل خروجي  لمحت الإعلامي رياض الجابر يلتقط بعض الصور لقطع ( السكراب ) والحديد المكسو بالصدأ وقناني الماء الفارغة المرصوفة على امتداد الممر! ووجدتني اتجه صوبه وأسأله بسرعة: اين المعرض؟ فحيّاني بابتسامته وقال لي بما يشبه الهمس: هذا هو المعرض! ولم اتمكن من كتم ضحكتي ودهشتي وأنا اتطلع لقطع الحديد المصفوفة حولي اضافة الى الرمال المفروشة تحت بعض الاغصان وجذع شجرة يابس تتعلق في جوانبه بعض الاضوية المثبتة داخل قناني الببسي كولا والسفن آب الفارغة!بقيت أتجول وأنا اتصور ان الأمر ليس اكثر من نكتة ترفة لشخص مترف بمزاجه الفرنسي الذي لا يتلائم مع روح العراقي المستقرة فوق انفه تماما..! ذهبت لأبحث عن صاحب المزاج الفرنسي الفنان بديع الألوسي الذي عرفناه من خلال شقيقه التوأم الذي يشبه ولكن بنسخة عراقية حيث ان الفنان بديع الالوسي يترك شعره على طبيعته بلا تسريح وهذه سمة اكثر الفنانين اما النسخة العراقية (كفاح الآلوسي ) فتخضع لضوابط الزمان والمكان لذا نجده يسرح شعره الى الخلف وهذا هو الفارق الوحيد من حيث المظهر ولكن من حيث الفكر ثمة توائم فكري مدهش بين الشقيقين تجلى لنا في الحوار المفتوح مع المدعوين وزوار المعرض الذي اجراه الفنان بديع الآلوسي بعد انتهاء تجوالنا ، اثناء بحثي عن الفنان بديع الآلوسي وجدت ان هنالك غرفتان لم ازرهما بعد ورأيت بعض الزوار يتجولون فيها فدخلت اليها بسرعة ووجدتني محاطة بعدد من اللوحات التشكيلية المرسومة بالّلون الأبيض والأسود بشكل رئيسي مع تعليقات وعبارات واسئلة تضمنت الرسوم وتداخلت في خطوطها وكانت هذه اللوحات للفنان بديع الآلوسي حيث وجدته مندمجا يشرح بعض اللوحات لعدد من الزائرين فأجلت سؤالي وغادرته الى الغرفة الأخرى، فوجدت مزاجا مختلفا للوحات حيث تداخلت الالوان مع بعضها محتفية بمفردة كانت مشتركة في معظم اللوحات ان لم تكن جميعها وهي مفردة النقطة. وكان هذا التنوع  يشير الى اختلاف كبير في المزاج اللوني وطرق التعبير التي اختلفت عن اللوحات الاولى  فقد كانت للفنان ماهر الآلوسي الذي تفّرد في احتفائه بأللون والنقطة. من خلال تجوالي في ارجاء المعرض وهو تجوال كان فيه الكثير من الإرباك اذ لم تكن البيئة مهيئة تماما للإحتفاء بالفن وسبر أغوار اللوحات كما هو مفترض حيث ان كل لوحة تحمل الكثير من التصورات والدلالات المنفتحة على  رؤى متعددة يمكن تنفيذها للحصول على نتاجات إبداعية كثيرة لا تقتصر على الرسم فقط  لكني لن اغرق في المثالية وأدعي اني تمكنت من تأمل اللوحات كما ينبغي، اذ لا يمكنني ان اتحول الى كائن فضائي خارج زماننا المهدور المرتبك فقد كانت الحرارة مرتفعة والكهرباء مقطوعة كعادتها ورغم كل هذه الصعوبات التي تبدأ من ايجاد مكان للمعرض والتي لا تنتهي بانقطاع الكهرباء حتما... تمكنا من التقاط بعض الأفكار التي تبوح بها اللوحات التي اثارت الكثير من الأسئلة وهي بهذا تكون قد حققت غايتها التي حملها اسم المعرض ( تساؤلات) ثبّتت بعضها على ورقة مرفقة مع بطاقة الدعوة.  وهي اسئلة تبحث في العملية الإبداعية وقد بدأت الأسئلة برؤية خاصة للإبداع من الفنان بديع الآلوسي حيث عرّف الإبداع على إنّه الإزعاج / الصدمة / الإندهاش. اما الساحر الذي يقوم بكل ذلك فهو المبدع والذي اشبهه ببرغوث في جسد لكنه نائم. وأضاف في المقدمة التي سبقت الأسئلة: تعالوا نطرح الإبداع بشكل جديد مستعينين بجوهر الفلسفة حيث تؤكد ان التساؤل او الاسئلة الصغيرة او الكبيرة متحركة بينما الأجوبة ثابتة. دعونا نثير الاسئلة العامة اولا راجيا ان تنتبهوا الى مسألة مهمة كلما كثرت الاسئلة وتنوعت وتعددت وتعمقت يقودنا ذلك الى ماهو ايجابي وجوهري، وهذا مؤشر صحّي وجميل على عمق فهمنا للموضوع.اما الأسئلة فقد تعددت وتنوعت واحاطت بكل مايخص المبدع من كل النواحي وكانت مركزة وعميقة بحيث لا يتسع لها الوقت كما أشار الدكتور فرج ياسين، ومن هذه الاسئلة: - ماهو الابداع بالنسبة لك ؟ - هل الابداع فردي ام جماعي ؟ - هل ان الابداع  مقصور على الانسان ؟ لماذا ؟ - هل الابداع وراثي ام مكتسب ؟ - هل الابداع الهام ام انه يمر بمراحل تتمثل بقدح الفكرة وإعدادها وإحتضانها ؟ - هل الابداع في الفن على صعيد التشكيل هو نفسه في مجال الأدب أو العلم ؟ - هل الابداع خروج عن القانون الثابت ؟ لماذا ؟ - هل ان كل ماهو جميل إبداعي ؟هذا بالإضافة الى اسئلة اخرى  تتعلق بالجمهور أذكر منها : - ماذا نعني بالجمهور؟ - هل نعني بالجمهور المثقف ام العامة ؟ - هل الجمهور يحفز الفنان ام يعيقه؟ - هل يمكن ان نخلق جمهورا مبدعا ؟ كيف ؟ وبأي السبل؟كل هذه الاسئلة التي دارت في الحلقة النقاشية الحميمية بين الجمهور والفنانَين أثارت اسئلة اخرى كانت تتركز بشكل أساسي حول ماشاهدناه من اعمال ولوحات عرضت بطريقة غير مألوفة في اجوائنا، لكن الآلوسي كان مصرا على مناقشة الإبداع بشكله العام، بعيدا عن المعرض رغبة منه في الوصول الى نتائج وافكار جديدة ومبتكرة من شأنها وضع الحجر الأساس لمدرسة جديدة لم يكن هو مبتكرها لكنه فتح لنا النوافذ لرؤية العالم بشكل مغاير او قراءته من جهة اخرى، فالاسلوب الذي استخدمه في معرضة هذا كان ينتمي بشكل أو بآخر الى ما يطلق عليه بأسلوب (الفن البيئي) الذي يتخذ من الرموز والايحاءات والاشياء المهملة في حياتنا وسائل تعبيرية عن الذات والأفكار والهواجس، انه اسلوب لم يرَ النور بعد في مجتمعاتنا العربية بشكل عام، لكن التساؤلات هي التي تقودنا الى المعرفة دوما، وهي حتما التي ستشرع الأبواب امام النور الإبداعي بكافة اشكاله، هذا ما أكد عليه الحضور من خلال نقاشهم الذي  دار حول محاور متعددة كلها تخص الإبداع، بإتفاق ان العملية الإبداعية ليست نتاجا فرديا، ولعلي اذكر مقولة أدونيس (كلنا نتائج لأناس سبقونا) تأكيدا على هذا المعنى ولا يفوتني ذكر ماقالته الفنانة التشكيلية عواطف الدوري وهي تؤكد ان الابداع موجود في كل الجمال المحيط بنا وفي كل الانجازات التي من شأنها النهوض بالانسان، وفي ختام كلامها تسائلت بألم: هل مايفعله الظلاميون الآن هو الإبداع؟ واستمرت الاسئلة الإحتجاجية وفي تكاتفنا وحضورنا وجدنا الكثير من الإجابات التي تدعو للتفاؤل، رغم ان الكثير من الأسئلة بقيت عالقة في اذهان عدد من الحاضرين بسبب العجز عن ترجمة وفك شفرات الرموز التي حملها المعرض وروحه المشاكسة التي استحوذت على اعجاب الجميع ودهشتهم بهذا الإنجاز الإبداعي الذي تحدى الكثير من العوائق الزمانية والمكانية والشخصية وظهر لنا ليشهد احتفائنا بالفن وباللوحة وباللون، بكف  تناظر لهب الموت وهو يستعر في أحشاء وطن لم يقل كلمته الأخيرة بعد .