تصفح الأرشيف
الأولى السابق آب/أغسطس, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  المفكرة الفنية»  رسائل المبدعين

رسائل المبدعين

عدد مرات المشاهدة :2159 - April 27, 2008

شوكت الربيعي

رسائل المبدعين

    
 
رسالة مناجاة ملونة الى المبدع ماهود أحمد رفيق رحلة الشتاء والصيف في الفن والأدب وفي الحياة  

  
طابت أوقاتكم  أيها الصديق الوفي ماهود.   سررت كثيرا بوصول رسالتك فأزاحت عنا القلق لشدة تراكم المخاوف وكانت تمر بي لحظات وساعات أعاني فيها وحديدا دونما رفيق، ولو شاهدني الناس لحزنوا على وجعي، حتى تعاطف معي من ليس يعرفني. ويخف وجعي وأساي كلما أعود إلى (بشر الحافي) وإلى قواميس الصبر، لعلي أجد فيها من هو أشد حزنا وألما .. وإذا المكلومون يسدون الأفق بآلامهم ، فأتراجع وأصبر.  

وكنت في اقصى زاوية من غرفة المكتبة، منتظرا مغادرة البيت. إلى أين ؟ لا أدري . ربما إلى ساحل بحر عمان - هنا بإمكاني أن أطل على البحر من أي بقعة أشاء . كنت أحمل في اليمنى كيسا فيه رغيف خبز شعير وتمر و( ماء) .لأن السكر والضغط يشتدان علي في لحظات ضعف! ي وابتسمت أم رواء قائلة: (ها.. يلله نمشي ). تخطينا عتبة الدار المتربة، فنحن نعيش في منطقة الغبرة الشمالية وأرضها مازالت زراعية وبساتين ( شوية أرخص بالإيجار- 150 ريال شهريا عدا الماء والكهرباء وبلاوي الأكل والتنقل ) وواصلنا السير جنبا الى جنب باتجاه أماكن بيع السمك (الزوري شوية أرخص وتازة مال اليوم).السواحل لم تكن بعيدة عن منزلنا. مررنا على بضعة(صرائف وجماليات طينية )خربة منهدة عبر طريق متربة خالية من المارة، سوى القطط والكلاب وعربة خيل بيت جارنا (حسن).مرتكنة إلى جوار المدخل ببابه الوسيع. ونجتاز بضعة دكاكين كانت قد فتحت ابوابها الآن لنصل بعده بقليل الى نهاية شارع تقع على زاويته الشمالية (جمعية رعاية الأطفال المعوقين التي تعمل فيها أم رواء ) الركن الأيسر من الشارع. وتمتد على جانبيها البساتين مكتضة بالنخيل وأشجار الفواكه، وسرادقات متراصة من الخضروات، وجدران أسيجتها ذوات أبواب خشبية ضخمة متآكلة كالحة الألوان..جميع الشوارع هنا مزدانة بالنخيل على جوانه وفي كل مكان / العاصمة هنا جميلة ومرتبه واشتغل على تنظيمها الكثير من المعماريين المعروفين ومنهم د. محمد مكية .  

 الناس ،هنا يؤمنون كثيرا با لترابط الاجتماعي القوي والحسد والسحر ويظنون في ب قايا أشباح وأرواح تتقمص البعض. لهذا تصاعدت المخاوف مع قوة الانشداد للقول والحكي والتغيير المفاجيء بالطباع والسلوك وعدم الصبر على طعام واحد.والعدد الغفير من الناس طيبون جدا متعاونون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وما بدلوا تبديلا. القبائل والعشائر هنا (هي هي) كما في العراق : قبيلتي مثلا : ( الربيعي ) هنا لهم امتداد ونواجع ومرابع كثيرة معروفة في الوسط الاجتماعي.
تصاعد وجيب القلب مضطربا في صدري. وجرتني عربة الخوف إلى (مقعد من الخشب المتآكل ) فاختلطت عندي الأشياء. لمن أشكو.ضعف قلبي ؟ ألزوجتي المرتعبة ؟ لكانت الشقيقة تهجم عليها للتو لو أفاتحها بصعوبة التنفس. وكتمت سري في أعماقي مغادراً الساحل إلى البيت. اللهم صلي على محمد وآل بيت محمد.. ) اندهشت زوجتي متساءلة: نرجع للبيت ؟ بهذه السرعة ؟
هبت هذه الأيام يا ماهود رياح عصوف ونزلت أمطار لم نعهدها منذ ست سنوات . الآن تغير الجو فجأة، ريح شديدة عصوف، اطارت بقوتها صفائح سقوف بيوت الفقراء.اتجهنا إلى الجانب الشرقي للمدينة. إذ تبدأ خلفه مباشرةً، البساتين العامرة والحقول المديدة والنخيل المتسامق وأشجار الفواكه وبيادر القمح الذهبية ال! متمايلة بغنج، وقد لامستها نسائم باردة هبت عليها من الشمال مذكية أنفاسنا بعطر الرازقي والورد الجهنمي وأشجار البرتقال و"النومي" و"اللالنكي"، وغمرته بأشعة الشمس المنتشرة فوق سقوف المنازل، أنفاساً دافئة، تتخللها رائحة الأرض التي سقيت لتوها بالماء الخابط.هنا يا ماهود تشعر بالفصول الآربعة في آن واحد.هنل منطق من أجمل بقاع عمان تسمى الجبل الأخضر جوها بارد ومطرها منعش وبينما كنا نعاني من قيض وحر الصيف والرطوبة الخانقة تجد الجبل الخضر المنطقة الممطرة الباردة كما تجد منطقة مشابهة تسمى جبل شمس / تمطر في الصيف /يا إلهي ما اجمل هذه الطبيعة؟ طبعا لدينا في الشمال مناطق مشابهة وربما أجمل .
عثرت في جيبي على صورتي الشمسية التي التقطت (بكاميرا الصندوق السوداء- أرسلها لك الآن ) في الزقاق المقابل لمبنى المحكمة الشرعية القديمة مقابل بيت متصرف لواء العمارة المواجه لدائرة المعارف و (مركز شرطة اللواء) - يوم تعلمت الحكي في الصف الأول من مدرسة فيصل الثاني في العمارة وأدركت تهجي الأبجدية، ولعلي أجدها الآن وأنا في سنوات العمر التعبى، مصيدة فيها ثلاثون ألف فخ ساحر مثل تكوين الذبابة. وفي كل فخ (جين) ! ولكل (جين) كشف عن عالم الغيب في العلم والمعرفة . لهذا كنت مستغرقا في ت أمل الصورة والتفكير بملامح وجه الطفل الذي تلبسني، في زمانه ومكانه، هناك، وتمنيت أن يسامحني، وأن يغفر لي الآن هذه القسوة والأذى. ولعل ذلك يوضح سبب احتفاظي بصورة الطفل الذي كان يتقمصني في ما مضى من زمن النقاء والعافية، بعينيه اللتين استوطن الحزن فيهما، ولم يكن بريقهما كما ظننت، قابلا للنسيان. ومن خلالهما اكتشفت كيف أنظر إلى ملامح فكري وقلبي في تلك اللحظة. وإن كنت خائفا من تأمل عيني ذلك الطفل الذي يشعرني بفيض شقائي أعوم، وكأنما لايريدني أن اتنفس من أعماقه، ليهديني، بإشارة المبصرين، إلى الوعي الأجمل بالحياة، فتركني، إلى الآن (بصيرا) أتنزه في الضوء والألوان والأبجدية التي تنضدت فوق بعضها لتلد الأفكار والمواقف والرؤى. وبقيت الغريب عنه حتى الشهقة الأخيرة الآن. وبينما كان يسعى ليتهجى حروف أبجدية الذاكرة، مدافعا عن مستقبله. كنت أنصت مندهشا إلى وجيب قلبه و دقات حزنه، وسعة فضاء صبره، فلم أعد أصدق حديثا عن سعادة ما، غمرت سنوات الطفولة الاولى . فأنا لا أتذكر، لمرة واحدة، فرحة يتيمة علت وجوه أفراد عائلتي التي كانت منطوية تحت جناحي عمتي الكبرى (سكنة 1881-1974-) .. كانت عمتي كمثل ديمة سمحة سكوب في حنانها، نستغيث بحضور شخصيتها الواثقة في تعاملها مع الآخرين بحزم ورقة معا.. كانت «رجلا» في جسد انثى، بحكم الظروف الصعبة ومكابدات العيش الثقيلة التي دفعتها الحياة اليها. وظلت صابرة تجالد المحن، على أمل الخلاص نهائياً من ذلك الضنك الذي كنا نعيشه، وفي فترة مرض فيها أبي، كانت هي سيدة الدار بلا منازع.. حاولت ان تزرع فينا حب المدرسة والتربية والمعرفة. وإن كانت لا تقرا ولا تكتب، ولكنها تحفظ الكثير من الشعر النبطي في الأدب الشعبي وجعلت من بنت أختها جاسمية (1932 – 1995 ): شاعرة الأحياء الفقيرة، تقرا في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم (أيام عاشوراء) شعرا عن ماساة الحسين ومعركة الطف.. وترسخت هذه المناسبة لتجعل منها احتفاء سنويا. وبالرغم من فقد عمتي نور عينيها ثلاثة عشر عاما، وعاد البصر إليها حادا حتى تجاوزت التسعين من عمرها. ظلت حكيمة، لم تضيع الصبر الذي تعلقت بأطراف غيمته المغادرة إذ رأت فيه ضربة لازم .كانت صبورة لم تضعف ولم تذرف دمعة خوف واحدة قائلة: (كيف تبكي إمراة سلبوا منها المدامع) ؟ وكانت متمسكة بجذورها الفلاحية و(ربة) العائلة المتواشجة التي قامت وحيدة دونما ! معين، بأعباء الحياة اليومية، فكانت اختصاراً للمرأة التي فرضت عليها الحياة قساوة الطباع والرقة، والجسارة والسخاء معا .. وكانت ترعاني بشكل مفرط كما رعت أبي منذ ولادته من قبل.. وكنت أتباهى بحالي مغتنما عمق  محبتها لي. ( قالت لضيفتها : هذا ابن أخي شوكت، وياحسدي لعيني من تراه..)..ومن ذا يحتمل كتما لحبه، إذ اشتملت عليه ضلوع محبة عمتي. و قد غطى جناحاهاِ اخوتي فكانتِ لهم ( ثغراً اذا إستيقضوا،عيناً اذا َرقدوا )، وكنت الأوفر حظاً بينهم. إذ زينت أذني بقرطين من الفضة، وثقبت وسط أنفي، لأتنفس بسهولة، فالربو لا يسمح لي باغتراف ما أحتاجه من الهواء. ثم وضعت في ثقب أنفي (عرانا من الذهب المطعم بالحجرالأزرق) لتجميله، وأطلقت شعري منسدلا على الكتفين، مجعدا، (أشقر اللون على احمر) بسبب عجينة نبات الحناء التي ينقعون بها شعر رأسي اسبوعيا ، وعيناي البنيتان الصافيتان قد اجتازتا محنة الرمد القاسية. كما اختفت البثور التي ملأت جسمي بسبب ما يتركه (أبو خريان ) من طفح جلدي. وكنت (كلثومي) الوجه يغنيني تورد سحنة وجهي الأكثر رقة، على العكس من خشونة أخي (حكمت) الذي ولد بعدي عام 1941م وحمل فيما بعد إسم (عبد الجليل) و كان عنيدا متمرداً، من الصعب ترويضه. بينما تأثر أخي الثالث خليل ! (1950م) بسلوكي واهتماماتي في الرسم والقراءة والكتابة وحتى أختنا الوحيدة (حليمة-1952م) كانت قد حملت الصفات الرقيقة الهادئة إياها. ونحا أخونا الرابع ( فرحان -1955م) منحى أخيه (جليل) في شقاوته الطفولية. بينما اتصف الأخ الأصغر (عبد الله- 1957م) بالهدوء والانزواء واللعب منفردا، حتى صار الطفل الهاديء المدلل الأقرب بعدي إلى قلب العمة (سكنة) وأفراد الأسرة الآخرين، ومن يحظ برضاها، فقد كفته رعايتها.0فَكُـلُّ أخ في العائلة تَمَنَّـى فِي قَرَارَتِـهِ لَوْ أنَّـهُ قَدْ جُذِبَ بِشُعَـاعٍ مِنْـها. وكنت أغتنم عطفهم بسبب شبهي الشديد بملامح والدي. بل كنت الأكثر شبهاً من حيث العينين والفم والصدغين وامتلاء الوجه بالتقاطيع الرقيقة المصقولة كملمس المرمر، أو كسطح اللوحة التي رسمتها نقلا عن الرسام الاسباني ( كويا)، وبتوجيه من معلمي في الرسم (ياسين العزي) إذ فزت بجائزة مدارس اللواء عليها وأصبحت بعدها معروفا بين تلامذة المدارس الأخرى، وحصلت على بعض الجوائز الأولى في ثانوية العمارة...)   
 قطعت أصوات الأطفال الذين يلعبون برمال الساحل في لحظة خاطفة، وانشددت ثانية إلى متابعة صبية يلعبون كرة القدم ..! تأملت وجه زوجتي المتعب، قلقا، واستمعت إلى تساؤلي: (ها .. نمشي ؟ ). وا نبثـقت كلماتها الحزينة من بين شفتيها غائمة: (ها.. نمشي) ؟ أجبتا ساهيا:( إي يلله نمشي).. أستذكرت مخاوفي القديمة حينما مرض ( أبي ) بما ندعوه ( شرجية )، أدت إلى شل نصف وجهه. ولكن الأمر يبدو أعقد من هذا التفسير.. وخشيت على حلمي الوحيد أن تضيعه مني الأقدار، وانا مازلت آنذاك صبياً يافعا في خربةٍ كانت كالسوسن في سنين الغسق، التي أعطت أيامي معنىً آخر لحياة مجهولة آتية، زهرة أسرارنا فيها كانت عناء العذاب الذي استحضره في لحظات تدفق مخاوف الروح التي أغرقتني. . وكنت أتمنى أن أتجاوز بوجوده صعاب الحياة ومدارات اللوعة والأسى، وغوائل الزمن، حتى لكأني أتخيل كيف يكون مصيري بدونه. وغدوت لفرط مكابدتي، اكبر سنا من عمري الحقيقي. وها هي ذي اأمي، وعماتي، وبناتهن، يراقبن العوالم العزيزة تنهار أمامهن وقد بلغن من العمر عتيا .ولكنني ما زلت ارى وجوههن كما كانت في عزّ فتوتها وسحر مفاتنها. وأرى وجه ابي في اطيافي واحلامي يشرق وضاءا، يحاول أن يمسك بروحي التائهة الشرود. ليسمعها ما تهمس به خواطر قلبه، وانا في غمرة ليلتي تلك، وقد اوشك بصري ان يذهب حزنا على مرضه..متسائلا عن اليقين الراسخ، الذي سيشحذ قلمي ليمضي ! في وصف خصالهم ولطفهم وصبرهم، وإن هذا الوجيب الذي ملأ ملكوت الروح سيتوج ذكرياتي، لاقول ما لا استطيع الفكاك عنه.. تأملت عمتي(سكنة ) شحوب وجهي، ورأت تضبب عيني، فانكسر قلبها على مخاوفي، حزنا وأسى. وكان تعاطف أهلي الحميم قد أشعرني بالغصة تعاودني، وأكاد اتنفس فيها أريج مدامعهم. وتتضبب عيناي مجددا..واحس بعرق وجنتي يندّي جفاف شفتي الزامتين على الأسى واللوعة.. وتسري رائحة أبي كعطر البخور فيّ (ديوانه) المكتظ بالأبعدين والقربى وتنتشر معها سكينة المخاوف النبيلة.
ابتعدنا عن أصوات الصبية والأطفال على الساحل. أصواتهم تتلاشى الآن.. ما زال الدرب الترابي الذي أمامنا نديا من شدة هطول الأمطار خلال أيام الاسبوع الماضي. انطبعت عليه اقدام الغادين والرائحين، وأضلاف وحوافر، وعجلات الخيول الكثيرة. وانشق فيه قص في(مدربان) ضيق وسط حقل من الثيل يتسع لرعي الماشية، وتناثرت فوق بقايا زرع حصيد، بقع من اللون الأصفر الباهت، تؤججها بالعين ألوان المساحات المنغمسة باللون البرتقالي من ضوء شمس آيلة للغروب، وتمتص من بعضه، رمال ضفة دجلة الرمادية. وكانت الالوان المرتجفة فوق أوراق أغصان أشجار النبق و الكالبتوس وسعفات النخيل التي كانت تهتز ندية، متوزعة على مقربة من الشاطيىء، تحو لها مخيلتي الى متعة رائقة تعطر أنفاسي التعبى عندما كنت أتسلق جذوعا المتسامقة لألقي بنفسي من ذاك العلو إلى مياه دجلة.. فأبتسم (بروحي) وأنتبه لضحك صحبي، بعد أن تناهى لمسمعي تعليقاتهم:(إغزيلاتي إتضحكني وتناغيلي.) فيتصاعد مزاح ساخر من نوع آخر، يتداخل مع ضجيج، شباب كانوا  فرحين باستخدام رنين أجراس دراجاتهم الهوائية وهم ينوون عبور الجسر، توقفوا أمام عربة تحمل شابات نضرات و( نيشان عرس )، وفرحة شفافة تغمر وجوههن وقد انتفضت صدورهن المدورة، ناهدة، وعليهن ثياب (زرق، وحمر وصفر، وبنفسجي موشى بخطوط حمراء.)، اختلطت الهلاهل والأغاني وإيقاعات الطبول والدفوف والزغاريد، بأصوات زمجرة البواخر ودوي (محركات) السفن. وقد انسدلت جدائلهن من تحت خماراتهن. ولاح ضوء المساء مرتعشا فوق وجوههن المتوردة، وبدأ لهيب اللون البرتقالي يخفت تدريجيا على زنودهن البضة والسمراء، المزينة بأساور من فضة ونحاس وذهب بلون سنابل القمح. وكانت معالم الأشياء والبشر والأنعام تكاد ان تتحول إلى كتل داكنة نراها كاشباح تلوح من بعيد مستنفرة. وبدت البساتين الكثيفة خلفنا شديدة الحلكة، داكنة الاخضرار.. ونحن نزداد اقترابا إلى لحظة انغلاق! الجسر.  

التفت إلى وراء، ورفعت بصري إلى السماء، وانكسرت حزمات ضوء المساء المتسللة من بين فجوات الغيوم التي تتجمع لتوها مندفعة من الشمال نحو الجنوب.. غادر الناس الملعب، واختفت الاصوات. كنت في تلك اللحظة، طافيا في فضاء القلق والمخاوف. تعثرت.. احتذيت نعالي الذي انفلت من قدمي اليمنى.. ثم واصلت المشي والتفكير معاً. راقبت أصدقائي مليّا، وتذكرت كيف كنا في مدينتي (العمارة)نتمتع سنويا، بمشاهدة كرة القدم على (الملعب ذاته)، وكيف كنا ندفع (أربعة فلوس)أجرة عبورنا بالزورق إلى الجهة الغربية من نهر دجلة شتاء.. وفي الصيف كنا نعبره سباحة (مكوّرين) ثيابنا، عمائم نلوثها على رؤوسنا، حتى يكاد ماء النهر يغمرنا. ونطفو منسابين كالإوز أو طيور(الحذّاف) على سطح الماء الأصفر المشبع بالغرين المنجرف مع جريانه المندفع بسرعة نحو الجنوب... (نغط ونلبط) في تيار الماء الخابط القارص البرودة، المتلامع بانعكاسات وهج نور المساء .. ثم نتسابق انصاف عراة الى اشجار النبق ونتسلقها.. نقطف حبات النبق الناضجة الصفر منها والحمر والقرمزية.. و كنت لا أرغب بالسباحة وحيدا في هذه المنطقة من النهر بعد أن غرق فيها ابن خالي (صبيح! ) قبل خمس سنوات.. وكانت أمه( فهيمة 1922-1986م) تنوح حتى حَكاها طائرٌ غ َردُ.. تنطر لهفى (الشرايع ) والضفاف، وكانت (ركنة 1904- 1975 )عمتي وجدته لأمه تجوب( شريعة الشاطيء ) جيئة وذهابا، (تبكي حتى بكى من ليس يعرفها).. وظلت توقد الشموع على كربة نخل جافة.. (تشعل سعفة تسحبها من البستان للشط.. إجباره طويلة، أطول السعفات..تبقى مشتعلة إلى ان تصل للشريعة..). وظلّت مقيمةً، على ضفة دجلة، مكلومةً محزونةً، إلى أن طفت جثته فوق أمواج أحزانها.. توقف دفق الذكرى من الماضي الآن، بعد أن لكزني صديقى (ابراهيم جاسم خلف)، وهو يشير إلى غادة من صبايا (بائعات الخضرة) منبهرا بسعة عينيها وجمال جسدها المفتول بملابسها وعبائتها التي تحزمت بها فبدت وكأنها من فاتنات سومر المبهرات. كانت واقفة مع(صويحباتها) بانتظار عبور الجسر . أردت في تلك اللحظة أن أعبر زقاقا ضيقا ولكنه مكتظ بالسيارات والشاحنات، باتجه المنعطف المؤدي إلى  وانطلقنا بها مبتعدين عن المنزل. متنائين عن صوت الكلب الذي ربطته في مدخل الحديقة. وكانت الشمس قد توسطت النصف الغربي من كبد السماء، فاحتضنت الأطراف العليا لأشجار البرتقال والليمون والحمضيات وأوراق الكروم التي أزهرت وانتفضت ونحن في أواخر شهر آذار الذي سيفتح لها قلب الربيع في نيسان.. ألوان النخيل الباسقات مضاءة، تخفي في ظلالها بقعاً من الألوان الخضر الداكنة، سعفات النخل تهتز متغنجة، يمنةً ويسرةً بفعل اندفاع الرياح الشمالية. لمحت أطراف غيمة بيضاء، ناصعة البياض، يوحي شكلها بخارطة العراق.. هبطت الغيمة متقطعةً مندفعةً، فكأنها تلامس أشجار المشمش والتفاح، فجعلت ألوان أوراقها الخضر الشفافة، رقيقةً مضاءة، بينما اختفى صوت الكلب ولم نعد نسمع نباحه.. منبهات السيارات وضجيج أصوات متداخلة أخرى في الشارع، اجتاحت مسامعنا الآن. شعرت بامتلاء ثقيل وبدوار مرهق. اللعنة على الغدة الدرقية ما زالت تضغط على المجرى التنفسي. أنا بحاجة إلى الأوكسجين. فتحت زجاج نافذة السيارة وأخذت أاااااااأخذت شهيقاً عميقاً. طوحتني الأفكار الكثيرة المتقطعة فوق أعشاب حديقة الذاكرة..
  أرى الآن حديقة النساء الوحيدة في مدينة العمارة، في (شارع سبع قصور) فهي ملجأ العذارى والحالمات والصبيّات والأطفال والأمهات. الأطفال والصبايا يركضون على امت 
داد مساحتها الصغيرة المطلة على ضفة نهر دجلة، مقابل (مرقد السيد نور) الذي يقع على الضفة الغربية من الشاطئ..
الحديقة تنبض بالحيوية كل مساء، ضحكات الصغار، كركرات المراهقات وهن يتحدثن عن أسرارهن وأحلامهن. صياح الباعة المتجولين من ساكني الصرائف المجاورة لقصور المترفين، يبيعون (حلوى السمسمية، اللوزينة، المكاوية، اللبلبي، شعر البنات، والباقلاء) وأنواعاً أخرى من لعب الأطفال الرخيصة الثمن.
كانت العصافير والطيور التي ملأت أغصان الأشجار في الحديقة، قد فزعت تماماً بسبب (الألعاب النارية)، وانتشرت تحوم عالياً وتدور حول أشجار الشارع وتوزعت على حدائق البيوت المجاورة. 
ها نحن نجتاز (حديقة النساء) وأمام مرآنا امتداد الجسر الحديدي المعلق فوق الستين متراً من عرض الشارع. ومشاعري تتوهج وهي تتماهى بأيام الطفولة والشباب في مدينتنا الصغيرة : العمارة .
 سألت نفسي: هل أواصل الحديث مع خاطري إلى آخر مدى؟. أنا الآن محاط بذكرى الأصدقاء والأحبة. ظهرت فجأة رغبة ملحة بالتوجه الى دارنا في منطقة الغبرة الشمالية  بمسقط لكي افتح جهاز الكمبيوتر لأقرا رسالة وصلتني من أعز صديق في العمر وهو ما تبقى من حطام الدنيا . رسالة من الفنان الناقد المبدع الدكتور ماهود أحمد. ردا على مقالة سبق وأن نشرتها في مجلة آفاق عربية ضمن الملف الفني الملون  ذي الملزمة الواحدة الملف الذي واظبت على تحريره ونشره من عام 1982م - 1988في بغداد.
 ودمتم بخير بخير عزيزي ماهود .ز دمتم سالمين لصديقكم شوكت الربيعي - مسقط سلطنة عمان كتب في الرابع عشر من مارس آذار عام  2002م  .   
2  

الجزء الثاني من الرسالة الموجهة الى الرسام الكاتب د. ماهود أحمد  

تحدثت له فيها عن مشروع كتابة مقالة عن تجربته الفنية تحت عنوان
الوعي الاجتماعي في تجربة الرسام ماهود احمد، فوافق فشرحت له كيف عقدت العزم على الوقوف (بعين ناقدة) أمام لوحاته التي عكست الانفعالات المحبطة، الخائبة وأظهرت بشكل جلي، باعا في المعالجة التصويرية وخاصة البناء العام، الكتل الكبيرة والصغيرة، مساحات الضوء والظلال الحادة، التلاعب الفطن بمساقط الرؤية، الحساسية العذبة باللون ومعالجته وصياغته وخضوعه للبناء العام أمثال لوحاته: الشمر، مرد، الرأس، أسد بابل، عشتار، الأسطورة الزرقاء، ضاربات الودع، قارئة البخت، السأم، الحافة، الذئب، الفانوس، المرأة، العودة إلى الجذور، وأشرت الى ( عنصر الرمز متجسدا من خلال العناوين أيضا )..
 قلت له إزاء ذلك كله (ان تجربتك يا صديقي ماهود، كانت صادقة كل الصدق في تثبيت الوضع الاجتماعي لأشخاص المضمون  المرسومين حتى جعلتني أنا المشاهد  كأنني أشعر من أية طبقة انحدر هذا الرجل وتلك المرأة وفي أي وضع معاشي يحيا هؤلاء الفلاحون وأولئك الأطفال.
كنت  تعنى بخلق الانسجام بين الموضوع وبين مزاجك فبلورت بذلك الجانب التعبيري في نزعتك الواقعية وجعلتها تشتمل على حس معمق بالبيئة الاجتماعية ورموزها وقد ظهرت لوحاتك بهذا الموقف الاجتماعي ظهورا صعبا، إذ انك تلمست موقفك تلمسا.. ولكن تجربتك شقت طريقا صعبة حطبتها بفكرك وجهدك وموقفك بعد أن تجاوزت لجج ( الستينات) وخلصت ( ذهب) تجربتك من( زبد) التأثيرات الأجنبية التي كانت سائدة كالتجريدية الذهنية والشكلية المحظ..
انبثقت تجربتك (يا صديقي ماهود) كالنبع الصافي في مجرى لم يكن احد يفكر العوم فيه ولكن لرائحة المستقبل شفاعة أبانت عن عمق رؤيتك. فأعطيت بذلك لتجربتك بعدها الاجتماعي وشروطها الإنسانية وأكدت للفن أخلاقا نقدية حتى غدونا نميل إليها بشكل أعمق وصرنا نحب رؤيته المترعة بالثورية و( ماهود احمد) دقيق التوازن بين المنفعة التي يتعرفها العقل والجمال الذي يتعرفه لشخوصك المرسومين، يمثلوننا جميعا نحن الفقراء الذين نريد ترجيح فعل المستقبل لصالحنا بمقدار رجحان كفة الموقف الجمالي الواعي لتطور المجتمع..
لماذا نتذكر لوحاتك دون سواها من اللوحات التجريدية الشائهة ومن التجارب الشكلية المثالية ؟ لماذا نتذكر لوحات فائق حسن وعطا صبري وأكرم شكري وحافظ الدروبي واسماعيل الشيخلي وفرج عبو ولوحات كاظم حيدر ونزار سليم وخالد الجادر ومحمود صبري ومنحوتات ورسوم جواد سليم محمد غني واسماعيل فتاح وخالد الرحال وصالح القره غولي وعبد الرحمن الكيلاني وعيدان الشيخلي وعبد الرحيم الوكيل ؟ لماذا نتذكر ونميز ؟ ونقدر ونقرر ؟ لو لم يكن في مخزون ذاكرتنا مثل هذا الغنى والاكتناز المعرفي لما كان بمقدورنا بناء أية لبنة في صرح الحضارة.. ولو لم تكن ( لوحاتك يا عزيزي ماهود) مشفوعة بتلك الذاكرة لما كشفت تجربتك الفنية عن مداها وأبصرتنا بأصولها الاجتماعية ولأبتعدنا عن غاية الفن ودوره في الحياة الاجتماعية. لكن تجربتك قد تناولت جانبا مهما من شرائح المجتمع العراقي.. في عالم الاهوار.. و
المؤلف: شوكت الربيعي 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن