أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
رسائل المبدعين
عدد مرات المشاهدة :3186 - March 03, 2008
(تنشر "أدب فن" للمرة الأولى رسائل متبادلة بين مجموعة من المبدعين في حقول الأدب والفن، وتحاول أن تؤسس لهذا الفن الكتابي الإبداعي، الذي يلامس حساسية الفنان ونظرته ورؤاه ومشاعره، ودقة الملاحظة الممزوجة بالنقد وشفافية العلاقة المتبادلة مع الآخر.. وهنا ندعوا ونفتح ملفا لكل المبدعين الذين يرغبون بنشر رسائلهم المتبادلة مع أقرانهم، أن يرفدوننا برسائلهم تلك للأحتفاء بها واطلاع القراء عليها.
وفي هذه الرسالة الموجهة من الفنان والناقد التشكيلي شوكت الربيعي إلى الفنان علي جبار، نتلمس دقة الملاحظة والنقد واستعراض لتاريخ فني حافل، سواءا في العراق أو في البلدان العربية والعالم) أدب فن
شوكت الربيعي
بسمه تعالى اخي النحات الرسام علي جبار المحترم
مبروك على الروح المثابرة البارعة التي تتملك شغاف تطلعاتك الجمالية.. نحتا ورسما وتواصلا انسانيا بأحداث العالم وقضاياه المتشعبة السريعة ومنها الوعي المعمق بما يجري حولنا من تحولات على معراج الفن والثقافة المرتبطة بتلك القيمة الجمالية والاجتماعية، وكانت تجربتك تعبيرا مخلصا عن أفكار المستقبليين المتطلعين لتغيير وحدات ومفردات عالم آيل للسقوط باتجاه حياة أفضل ورؤى مستحدثة قادرة على التعبير عن الانسان المتقدم. أعمالك تتحدث عن مسيرة وحياة وآمال مستولدة من كل ذلك. فنك جزء من مجموع عمليات تستولد البراعة.
ضم موقعك الجديد أفكارا وحيوات، كانت تبدو وكانها مبعثرة على امتداد سنوات مضنية من البحث الميداني، جمعت مفرداتها عن شريحة مجتمع تنغمر أرواحهم وأجسادهم الآن في تفاصيل حياتهم اليومية، رصدتها (عيناك) وهم في سوادها، فوجدت معظم تخطيطاتها بين أنسجة ألوان ومساحات وأفئدة الفنانين التشكيليين والشعراء والعلماء والمبدعين كافة يظهرهذا الجهد إذن، في اللحظة الحافلة المطلوبة، وفي زمنها الحقيقي، في منحوتاتك أيضا على ماهو عليه من تفاعل في تكامليات المرحلة التأسيسية للفن التشكيلي، ليغدو مدخلا يؤرخ مسيرة الفن المعاصر في العراق والوطن العربي، وومضة، وخطوة من أصعب الخطوات في ميدان البحث عن محتوى وشكل التجربة التشكيلية الناهضة في رؤيتها وفلسفتها عبر الخصوصية التاريخية المبتغاة. لهذا تسعى تجربتك إلى تفسير جانب مبسط من تاريخ الوعي بالذات، هو مرحلة (طفولة) يجب ان تتجاوزها الفاعلية الإبداعية باتجاه خلق الذات وصنع تاريخها نحو الإضافة المعرفية. ولأول مرة في تاريخ الثقافة والفنون المعاصرة، تسعى صفوة من الفنانين والشعراء والروائيين والكتاب في هذا السفر، إلى جمع جهود الفاعلين، روادا وشبابا، محترفين وهواة، من أجل المستقبل. حاولت معهم أيها الفنان علي جبار في بناء (ساف) من معمار الفن، وأن يكون شكلا ومضمونا موحدا، لأن طبيعة البحث، تسعى إلى وحدة المكونات الجوهرية في الفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي والاسلامي. (وعلى هذا نستطيع أن نري في التجارب التأسيسيةا شكلا وليدا لخيال الأولين، ورمزا لفكرالمحدثين). تحية لك وللأصدقاء الذين يجاهدون بسمو تجاربهم للتعبير عن المجتمع، سهروا طيلة سنوات البحث الميداني. وكانوا سعداء بهذا الجهد بقدر ما كانوا حريصين على أن يكتب تاريخ الفن التشكيلي المعاصر من منطلق ورؤية عربية واسلامية ومن حرص على المسؤولية التاريخية أيضا. بالرغم من ان هذ الجهد، ما يزال بحاجة إلى وضوح رؤى الزمن القابل، ويفتقر إلى الكثير من عناصر الكمال. (ولكننا) نعتقد، بان المستقبل سيولد في حقول الإبداع التي نزرع في تربتها فسائل النخيل، ونبذر الورود والسنابل. وسندرك قيمة ذلك، حين نكبر وتمتد بنا الأعوام وتحتوينا سنوات اللهيب والقحط والجفاف والمخاوف، أو تحتضننا مرابع الربيع والفرح، وتأخذ حدقات بصائرنا مرائي الفن والحياة في ممراتها السرية والمكشوفة، عند ارتيادنا ضفاف الرحلة الأخيرة في ساعاتها المتناقصة، التي تناءت عنها مسافات الأحلام الوردية، وتباعدت عن مواصلة القبض على جمرة الإبداع والحب، سنغدو كالثمرة الناضجة التي تسقط من غصن منبتها على ثرى الأبدية..
أخي المبدع علي جبار.. تنطوي فكرة هذه الرسالة وغايتها، على الكثير من الأسئلة المثمرة التي تبرق في أذهان العديد من الفنانين التشكيليين الشباب، بسبب انشغالهم بالبحث والتجريبية والتشخيصية ومناهج واتجاهات الفن الحديث التي بدأت مع محاولة الفنانين الأوائل الذين مارسوا بحوثهم وتجاربهم الفنية، ضمن الفترة (التأسيسية). دون أن ينسوا ما جرى، عندما أعادت، حركات النهضة الاجتماعية في الخليج العربي (في العقد الثاني من القرن العشرين المنصرم)، إلى الضوء أولوياتها التعليمية الابتدائية، وقد تقدمت شوطا مهما في الثلث الاخير من القرن العشرين بعد انتشار وتوسع المعارف والمدارس والجامعات. وكانت الحركة الفنية التربوية قد ابتدأت "بالصورة" الواقعية والمشهدية الطبيعية والتشخيصية ثم اتجهت، بعد سفر هواة الفن للدراسة في اوربا وامريكا وفي معاهد وجامعات الفنون التشكيلية العربية في مصر والعراق والشام .. وبعد عودة (موفدي الفن) محملين بخبرات جديدة، استطاعوا ان يبلوروا لأنفسهم طرقا في الفن والتربية خلال الثقافة والفنون، فلجأ البعض منهم إلى تطبيق الإتجاهات والنزعات والمدارس الفنية السائدة في العالم، بينما نزع البعض الآخر إلى استلهام جوهريات التاريخ المشرقة. ومالت فئة اخرى من الفنانين نحو التجريد، واستلهام الحروف والارقام العربية, فانحسرت الملمحية والشخصانية من محاولات الرسم، وحلت مكانها الإشارية والإيحائية والرمزية والتعبيرية، في حين طورت معالجات النحت المدور والناتيء و(الريليف: إظهار ثلاثة أرباع الشكل) نحو مفهوم ارحب وأشد تأثيرا من "وسائل الرسم المتنوعة" والتوسع بمناقشة أسس " اللوحة" كما ينبغي أن تكون عليه القيمة الجمالية والابداعية.
هناك أعمال فنية نشاهدها بسعادة، و ننساها.. وهناك نتاجات تشكيلية نراها بنوع من التقدير، دون الموافقة عليها أو رفضها، ولوحات او تماثيل، تبقى معنا، لاننا أحببناها بعمق، فنقتنيها. وهناك أعمال لا تحتاج لتعليقنا.. إذن، فمشاهدة العمل الفني الحقيقي، هي حوار الرؤية الذي يتم بصمت. هذه العملية تعطي تجربة الذائقة الفنية بعدها الواقعي، فاللوحات المعلقة على جدران المتاحف وقاعات العروض الفنية، وفي مراسم ومحترفات التشكيليين، تتحدث الى مشاهديها. وهي عملية ممتعة للعقل والجسد، فيها لذة التوحد مع الفن. وهناك أعمال رسمت في ظروفها وبنت ساعتها، وكأنها منشورات سرية أو صرخة مظلوم، كلوحة الكورنيكا لبيكاسو ولوحات ريفيرا. إن الفن التشكيلي العربي جدير بالانتباه، كالكمأة في الصحارى، تتكاثر كلما أمطرت السماء. ويبقى أن نفرز منها الأفقي الغث، من المتجذر البارع. لكي يصبح وثيقة على معراج الفن العربي المعاصر. ويبقى أن نتحقق من أصالة تلك الوثيقة.. الهوية.. الذاكرة، وقيمتها الجمالية المتميزة. فلم نشعر بالملل من تدوين صفحاتها طيلة سنوات المتابعة الميدانية. إن الأعمال التي خلفها لنا الفنانون هنا، تعكس تعدد أوجه وتفاصيل الواقع وحياة الكدح الشعبية، وصور الناس بمجموعاتهم الكبيرة: طبقات اجتماعية تواجه واقعها اليومي المنهك، وتستمد منه دلالتها. كان الأوائل في محاولاتهم العفوية البسيطة، يرسمون البيوت الشعبية مكتظة بالجوع. ويرون الحياة بسعتها، كوة ضيقة ملونة بالحرمان, رسموا الناس، في زحمة العمل, وفي علاقاتهم مع الطبيعة ومفردات يومياتهم العادية..) كانت تلك هي اليوميات المدهشة التي رأيتها في الواقع وفوق مسطح لوحات رسمها هواة الخطوة الأولى. وكانت على عفويتها وبدائيتها، تبدو رائعة، معبرة عن حالات انسانية (على قلق)، كأن كل إنسان، يود مشاهدتها (لوحده)، فرسومات (فترة الستينيات) لا يمكن تكرارها في (السبعينيات) لأنها شديدة الإختلاف، ولكن استذكارها واستعادة جوهرها وتطويرها، تصبح أكثر سهولة في التحقيق والتنفيذ مع الفنانين الاستثنائيين من أمثال الراحلين: (شاكر حسن سعيد اسماعيل فتاح وجميل حمودي وسعد شاكر وخالد الجادر) ومن الاحياء: محمود صبري ومحمد مهر دين ورافع الناصري وماهود أحمد و غازي السعودي ومحمد عارف وعيدان الشيخلي وسعد الطائي ووداد الأورفلي وعبلة العزاوي. فهم كلما تقدموا في العمر، اكتسبوا ثقة بالنفس لا تصدق، وأصبحوا أكثر تحررا وتطورا واندفاعا نحو التجديد بالفن العربي، وفي أعمالهم الفنية، يمكن ملاحظة آثار قوة الفن الصادق المنفعل بالواقع الإجتماعي، والشعور بطاقته ووضوح رؤيته، التي تبدو أكثر صدقا مما نطلق عليها (لوحات ومنحوتات واقعية).
من الذي يقوم بتوصيل هذه الرؤى للمشاهد المتلقي سوى النقد؟ ومن يقرب هذه المفاهيم، ويلغي المسافة المبهمة بين الرائي والعمل الفني، سوى النقد الفني التشكيلي. ومن الذي يفسر ويحلل ويقدر ويحدد القيمة الجمالية في حرفيات العمل الفني وفي تصاعد المضمون مع الشكل المتقدم، سوى النقد الفني التشكيلي. نورد مثلا بسيطا، ولنقرأ مؤرخ الفن (ارفين بانوفسكي) عندما أوجز (عالم الفنان) وعلاقته باللون، على النحو التالي: (إيمانه باستقلالية القيم.. وإن من وظيفة الفن، (تحقيق تأثير جمالي من نوع خاص يخضع لقواعد الفنان الذاتية، ذلك لان له تأثيرا أقوى من تأثير الطبيعة)، حتى لكأننا نؤخذ بجمال الألوان ورقة الخطوط والإيقاع والحركة والتماثل والتوازن والتناسق والتنافر، منفردة أو مرتبطة ببعضها البعض مثلما تسحرنا غرائب الكون ومنظوماته وفضائه اللانهائي..أو تقلقنا فكرة دمار سيلحق بالعالم تشغل بال المبدعين فتغدو محورا لتفكيرهم.
ينظر المبدعون العرب إلى تجاربهم الشخصية في سياق عموم الحركة الثقافية والفنية في بلدانهم خارج حدود المعنى التقليدي المالوف، وبعيدا عن الرغبة في تدوين مجرد صفحات عن الفن التشكيلي، قد تكون مسكونة بخيبة الكاتب أو الفنان. وليس يكفي انبثاق صوت منهجي نقدي آت من أمكنة الإبداع ومسرات الإنجاز.. فهل سيكمن الجواب في (متى) ما وعى الفنان وأدرك واقتنع، بأن محاولته في البحث عن هويته الحضارية، تصاغ ضمن تجربة جمالية تمزج بين مفهوم: ان الفن (كيان من عمليات) وليس (كيانا من اشياء وضعية متراكمة)، كما تراها بعض مؤسسات الثقافة القائمة في الوطن العربي. وما بين تزاوج طاقة المثقف وانتاجه المرتبط غائيا بالمجتمع واقتصاد العالم، ينتج عنهما معرفة ثالثة نافذة من أشكال لها وجود المادة والروح معا، وجود قابل للتحول المتبادل، شكلا وموضوعا وكتلة. دون أن يؤلف نقضاً للمفاهيم والخصائص التي تتصف بها المادة، وتشكل (كيانا لطاقة متفاعلة باستمرار تمثل الصورة الجديدة للعالم). ويمكن التعبير عنها، باستخدام وحدات جمالية مستنبطة من المجتمع والواقع، ومستولدة من الطبيعية ورؤى الانسان الفاعل في الخصائص الاساسية: ومنها مصدر الوحدات الجمالية اللازمة لفن (العمليات) الذي تشعه كيميائيا بألوان الخطوط الطيفية، لتجد بالالوان النقية، تعبيرها الفني المتميز، وذلك (برسم صورة او تشييد نموذج) للعالم باعتباره، (كياناً من عمليات). ولئن أمكن تطبيق ذلك في مجال فن الانسان، فإن الفنان سيعيد ترتيب مفردات الطبيعة بمعمار جمالي آخر، يعبر عن فن انساني جديد. وسيعيد بواسطته، خلق نفسه ورؤيته ومواقفه، ضمن وحدات فن البشرية المستقبلي.. وبمساعدة مفهوم: (أن العالم كيان من عمليات). وهذه ليست إيقونة متخيلة من الرغبات، بقدر ماهي منهج وعلم، يمتلكان آلية تطبيق وضعية ملائمة.
الآن ما الذي ستفعله معرفتنا بتاريخ الفنون وبقيم النقد الفني التشكيلي، من اجل أن يؤدي دوره وغرضه وقيمته الجمالية والوظيفية، وبالصورة الموجزة، لكي يحتل مكانته نعم. عندما يعرف الفنان البارع الملتزم بقيم وتراث امته، دوره وواجبه، لكي يحتل مكانته اللائقة في الفن والحياة، فإنه سينتمي لتفاصيل هذا التوجه. وعندما يسعى الكاتب (في مجال تاريخ الفن والنقد الفني التشكيلي) لتفسير ذلك، وفي إطار ما يريد قوله، فانه سيأتي بالأدلة والبراهين، إذ هو يسعى إلى إدراك الفكرة وتوصيلها بسهولة ويسر وتبسيط الى المتلقي، بالايضاح والتحديد والتكثيف والتركيز والصدق. وهذا ما نسعى اليه أيضا في حديثنا عن التحولات الفنية التي شهدتها منطقتنا العربية ابتداء من ستينيات القرن العشرين المنصرم، وحتىالآن. كان لابد أن تؤكد مواقف الفنانين، على ضرورة التوجه ،مع سائر المثقفين، برؤاهم المستقبلية الإيجابية، إلى إحلال واقع أكثر إنسانية في حياة
البشر, دون مغادرة حدود الإبداع، والفصل بين ما يتضمنه الواقع، وما يتخيله المرء في (المشتهى والمأمول) عند التطبيق، لكي يكون ذلك الموقف مؤثرا وكبيراً، يعزز من حضور الفنون والآداب والعلوم والمعرفة الشاملة في المستقبل.. من هنا يظهر دور المثقفين في نشر وتدعيم الرؤية الإنسانية العالمية، ومنهم المؤرخون الذين تكمن أهميتهم بقدراتهم على استنهاض قيم ومباديء إنسانية سامية من أحداث وتجارب التاريخ، واستحضار الشواهد التي تدعم التوجهات العلمية، وتؤكد على الرؤية المنفتحة على آفاق الحرية. ومنهم أيضا رجال الإعلام, في توصيل الحقائق. ومنهم الأدباء بمواقفهم الجوهرية الثابتة، وتقديمها بصورة بارعة وجاذبة. ومنهم الفنانون ومسؤوليتهم الكبيرة في تنمية القيم الروحية والجمالية بخطاب يقدم رؤية موضوعية، وضعية متفاعلة مع أحداث العالم. ومنهم (المرأة العراقية خاصة، والعربية عامة) في تفاصيل الفروع الانسانية كافة، فهي تلعب دورا مؤثرا في مجمل التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، لأنها (كيان من عمليات) التحولات الاجتماعية والمعرفية والسياسية التي تعصف بجغرافية المنطقة ولها فكر وموقف ومنطلق وأفق يؤثر بالعوامل المجتمعية. تبحث ضمن حركة التاريخ الانساني، وبالحوار المشترك مع الحضارات الأخرى، عن لغة حياة جديدة من التطور العلمي بآلياته المتقدمة في إطار من المحبة والسلام. هل، نحن بحاجة ضرورية إلى دعم صفوة من المبدعين من الأدباء والفنانين والمفكّرين الاجتماعيين، لتفعيل ذلك التوجه؟ وهل ينبغي مواجهة «عوالم جديدة»، وقوّى ـ ماليّة وتقنيّة، جعلت القدرات التكنولوجيّة الجديدة ـ ميدان الكائن الحيّ والدراسات الهندسيّة المشتركة والإعلام والآلات الأوتوماتكية والاتّصال والشبكات والافتراضي والمخيال التقني. في ظل اكتشافات المناطق الرخوة من عالم الفقراء. أي في المجتمعات والحضارات التي ضعف فيها التقليد، وظهرت طبقات اللاّمساواة الجديدة. فاندرج كلّ من المبدع الحداثيّ والسياسيّ التقدّمي ورجل الأعمال المجدّد بتحرير الفرد: المبدع والمغير القادر على إحداث عهود ذهبيّة قادمة. وصنع أيّام انتصارات مؤجلة، (ستعلن عن زوال سحر العالم..) والتصالح مع العقل المستلب العاجز عن تفعيل فكرة العمل وما يوفّره من إمكانيّات. وبهذه الصيغة والتحليل، (.. تعتبر الحداثة مفعّلة للرخاء، وتشجع البحث عن أفضل مكان بين الجالسين حول مائدة الاستهلاك الكبرى..) وبدأ زمن العالم المحدود، المضيّق بفعل امتداد وتوسّع شبكات الاتّصال والوسائط بأنواعها والانفتاح على الخارج والأحداث والمجتمعات الأجنبيّة، ليتخذ منها غذاء مشبوها: للسلبية المستسلمة ولسوء التفاهم و(الفصل أو الإقصاء) ولأحلام الفرار والتغرب.. والمساهمة في تغذية وهم التحكّم العقلاني الكبير..).
كانت علة الظاهرة إننا – بعد ازدهار حضاري عظيم – عشنا في فترة مظلمة خلال ستة قرون تباطا وتردد العقل العربي خلالها عن الإبداع والتغيير والتقدم. ومر بفترات سلبية وأن اختلفت أثارها الثقافية على مظاهرها، فهي بالنتيجة متلقية ساكنة لثقافة أخرى تفاوتت في تأثيراتها وتغلغلها في حركات الفنون التشكيلية، وبحكم انهيار الدولة العثمانية وتقسيم مناطق النفوذ بين فرنسا وإنكلترا وما نتج عن ذلك من ظواهر متردية وعلل اجتماعية وتخريبية ومحاولة إلغاء الوجود القومي للامة العربية كان للفن التشكيلي نصيبه من تلك النتائج، وأخطرها الفكر التجزيئى المرتبط بثقافة وفكر القوي الغازية، وشيوع ظاهرة التوسل بتقنياتها واتجاهاتها الفنية، ( والفن المسندي) من تلك الوسائل التي استخدمت في هذا الغزو الثقافي على الرغم من أهمية الفترة التي ساد فيها ذلك النوع من الفن في أوربا قرابة الأربعمائة عام باعتباره نتيجة لمظهر من مظاهر عصر النهضة، فأنه بعيد عن قيم وتقاليد وروح الفنان العربي وبعيد عن مفرداته الأساسية في تعامله مع الحياة، و الفنانون التشكيليون المعاصرون، جزء حيوي من شرائح أمتهم ولهم عنها مواقف إزاء تفسير ظواهر التاريخ المستمر في ذاكرتهم على الدوام، وهذا يفسر غياب المنطق الأيديولوجي الذي يحكم مسيرة أمتهم ويحلل مرحلتها صراعاتها وينظم تصوراتها وطموحها ويؤشر أهدافها ويعمل على دمج ذهنية أبنائها بطبيعة العصر وتقنياته ويبلور خطط وأهداف مؤسساته المستقبلية، من هنا نتواجه مع ذهنية الفنان التشكيلي وازدواجيته، بين ارتماء سلفي في أحضان التاريخ وبين طبيعة عصر يواجهه كل لحظة ويتحداه بشروطه العلمية والتكنوذرية. واننا نتعامل هنا مع (وحدات من الطاقة) لا مع (موضوعات اشياء) من تجربة الحياة اليومية. لأن الفن يستغني عن الرموز الكيميائية واللغة اليومية. ولكن الذرة كمعادلة للطاقة تجيز لنفسها الرسم الجمالي، اذ هي بهذا المعنى، بالضرورة تركيب او مجال من الالوان وتمثل الوحدة الاساسية للفن الجديد.
ضم موقعك الجديد أفكارا وحيوات، كانت تبدو وكانها مبعثرة على امتداد سنوات مضنية من البحث الميداني، جمعت مفرداتها عن شريحة مجتمع تنغمر أرواحهم وأجسادهم الآن في تفاصيل حياتهم اليومية، رصدتها (عيناك) وهم في سوادها، فوجدت معظم تخطيطاتها بين أنسجة ألوان ومساحات وأفئدة الفنانين التشكيليين والشعراء والعلماء والمبدعين كافة يظهرهذا الجهد إذن، في اللحظة الحافلة المطلوبة، وفي زمنها الحقيقي، في منحوتاتك أيضا على ماهو عليه من تفاعل في تكامليات المرحلة التأسيسية للفن التشكيلي، ليغدو مدخلا يؤرخ مسيرة الفن المعاصر في العراق والوطن العربي، وومضة، وخطوة من أصعب الخطوات في ميدان البحث عن محتوى وشكل التجربة التشكيلية الناهضة في رؤيتها وفلسفتها عبر الخصوصية التاريخية المبتغاة. لهذا تسعى تجربتك إلى تفسير جانب مبسط من تاريخ الوعي بالذات، هو مرحلة (طفولة) يجب ان تتجاوزها الفاعلية الإبداعية باتجاه خلق الذات وصنع تاريخها نحو الإضافة المعرفية. ولأول مرة في تاريخ الثقافة والفنون المعاصرة، تسعى صفوة من الفنانين والشعراء والروائيين والكتاب في هذا السفر، إلى جمع جهود الفاعلين، روادا وشبابا، محترفين وهواة، من أجل المستقبل. حاولت معهم أيها الفنان علي جبار في بناء (ساف) من معمار الفن، وأن يكون شكلا ومضمونا موحدا، لأن طبيعة البحث، تسعى إلى وحدة المكونات الجوهرية في الفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي والاسلامي. (وعلى هذا نستطيع أن نري في التجارب التأسيسيةا شكلا وليدا لخيال الأولين، ورمزا لفكرالمحدثين). تحية لك وللأصدقاء الذين يجاهدون بسمو تجاربهم للتعبير عن المجتمع، سهروا طيلة سنوات البحث الميداني. وكانوا سعداء بهذا الجهد بقدر ما كانوا حريصين على أن يكتب تاريخ الفن التشكيلي المعاصر من منطلق ورؤية عربية واسلامية ومن حرص على المسؤولية التاريخية أيضا. بالرغم من ان هذ الجهد، ما يزال بحاجة إلى وضوح رؤى الزمن القابل، ويفتقر إلى الكثير من عناصر الكمال. (ولكننا) نعتقد، بان المستقبل سيولد في حقول الإبداع التي نزرع في تربتها فسائل النخيل، ونبذر الورود والسنابل. وسندرك قيمة ذلك، حين نكبر وتمتد بنا الأعوام وتحتوينا سنوات اللهيب والقحط والجفاف والمخاوف، أو تحتضننا مرابع الربيع والفرح، وتأخذ حدقات بصائرنا مرائي الفن والحياة في ممراتها السرية والمكشوفة، عند ارتيادنا ضفاف الرحلة الأخيرة في ساعاتها المتناقصة، التي تناءت عنها مسافات الأحلام الوردية، وتباعدت عن مواصلة القبض على جمرة الإبداع والحب، سنغدو كالثمرة الناضجة التي تسقط من غصن منبتها على ثرى الأبدية..
أخي المبدع علي جبار.. تنطوي فكرة هذه الرسالة وغايتها، على الكثير من الأسئلة المثمرة التي تبرق في أذهان العديد من الفنانين التشكيليين الشباب، بسبب انشغالهم بالبحث والتجريبية والتشخيصية ومناهج واتجاهات الفن الحديث التي بدأت مع محاولة الفنانين الأوائل الذين مارسوا بحوثهم وتجاربهم الفنية، ضمن الفترة (التأسيسية). دون أن ينسوا ما جرى، عندما أعادت، حركات النهضة الاجتماعية في الخليج العربي (في العقد الثاني من القرن العشرين المنصرم)، إلى الضوء أولوياتها التعليمية الابتدائية، وقد تقدمت شوطا مهما في الثلث الاخير من القرن العشرين بعد انتشار وتوسع المعارف والمدارس والجامعات. وكانت الحركة الفنية التربوية قد ابتدأت "بالصورة" الواقعية والمشهدية الطبيعية والتشخيصية ثم اتجهت، بعد سفر هواة الفن للدراسة في اوربا وامريكا وفي معاهد وجامعات الفنون التشكيلية العربية في مصر والعراق والشام .. وبعد عودة (موفدي الفن) محملين بخبرات جديدة، استطاعوا ان يبلوروا لأنفسهم طرقا في الفن والتربية خلال الثقافة والفنون، فلجأ البعض منهم إلى تطبيق الإتجاهات والنزعات والمدارس الفنية السائدة في العالم، بينما نزع البعض الآخر إلى استلهام جوهريات التاريخ المشرقة. ومالت فئة اخرى من الفنانين نحو التجريد، واستلهام الحروف والارقام العربية, فانحسرت الملمحية والشخصانية من محاولات الرسم، وحلت مكانها الإشارية والإيحائية والرمزية والتعبيرية، في حين طورت معالجات النحت المدور والناتيء و(الريليف: إظهار ثلاثة أرباع الشكل) نحو مفهوم ارحب وأشد تأثيرا من "وسائل الرسم المتنوعة" والتوسع بمناقشة أسس " اللوحة" كما ينبغي أن تكون عليه القيمة الجمالية والابداعية.هناك أعمال فنية نشاهدها بسعادة، و ننساها.. وهناك نتاجات تشكيلية نراها بنوع من التقدير، دون الموافقة عليها أو رفضها، ولوحات او تماثيل، تبقى معنا، لاننا أحببناها بعمق، فنقتنيها. وهناك أعمال لا تحتاج لتعليقنا.. إذن، فمشاهدة العمل الفني الحقيقي، هي حوار الرؤية الذي يتم بصمت. هذه العملية تعطي تجربة الذائقة الفنية بعدها الواقعي، فاللوحات المعلقة على جدران المتاحف وقاعات العروض الفنية، وفي مراسم ومحترفات التشكيليين، تتحدث الى مشاهديها. وهي عملية ممتعة للعقل والجسد، فيها لذة التوحد مع الفن. وهناك أعمال رسمت في ظروفها وبنت ساعتها، وكأنها منشورات سرية أو صرخة مظلوم، كلوحة الكورنيكا لبيكاسو ولوحات ريفيرا. إن الفن التشكيلي العربي جدير بالانتباه، كالكمأة في الصحارى، تتكاثر كلما أمطرت السماء. ويبقى أن نفرز منها الأفقي الغث، من المتجذر البارع. لكي يصبح وثيقة على معراج الفن العربي المعاصر. ويبقى أن نتحقق من أصالة تلك الوثيقة.. الهوية.. الذاكرة، وقيمتها الجمالية المتميزة. فلم نشعر بالملل من تدوين صفحاتها طيلة سنوات المتابعة الميدانية. إن الأعمال التي خلفها لنا الفنانون هنا، تعكس تعدد أوجه وتفاصيل الواقع وحياة الكدح الشعبية، وصور الناس بمجموعاتهم الكبيرة: طبقات اجتماعية تواجه واقعها اليومي المنهك، وتستمد منه دلالتها. كان الأوائل في محاولاتهم العفوية البسيطة، يرسمون البيوت الشعبية مكتظة بالجوع. ويرون الحياة بسعتها، كوة ضيقة ملونة بالحرمان, رسموا الناس، في زحمة العمل, وفي علاقاتهم مع الطبيعة ومفردات يومياتهم العادية..) كانت تلك هي اليوميات المدهشة التي رأيتها في الواقع وفوق مسطح لوحات رسمها هواة الخطوة الأولى. وكانت على عفويتها وبدائيتها، تبدو رائعة، معبرة عن حالات انسانية (على قلق)، كأن كل إنسان، يود مشاهدتها (لوحده)، فرسومات (فترة الستينيات) لا يمكن تكرارها في (السبعينيات) لأنها شديدة الإختلاف، ولكن استذكارها واستعادة جوهرها وتطويرها، تصبح أكثر سهولة في التحقيق والتنفيذ مع الفنانين الاستثنائيين من أمثال الراحلين: (شاكر حسن سعيد اسماعيل فتاح وجميل حمودي وسعد شاكر وخالد الجادر) ومن الاحياء: محمود صبري ومحمد مهر دين ورافع الناصري وماهود أحمد و غازي السعودي ومحمد عارف وعيدان الشيخلي وسعد الطائي ووداد الأورفلي وعبلة العزاوي. فهم كلما تقدموا في العمر، اكتسبوا ثقة بالنفس لا تصدق، وأصبحوا أكثر تحررا وتطورا واندفاعا نحو التجديد بالفن العربي، وفي أعمالهم الفنية، يمكن ملاحظة آثار قوة الفن الصادق المنفعل بالواقع الإجتماعي، والشعور بطاقته ووضوح رؤيته، التي تبدو أكثر صدقا مما نطلق عليها (لوحات ومنحوتات واقعية).
من الذي يقوم بتوصيل هذه الرؤى للمشاهد المتلقي سوى النقد؟ ومن يقرب هذه المفاهيم، ويلغي المسافة المبهمة بين الرائي والعمل الفني، سوى النقد الفني التشكيلي. ومن الذي يفسر ويحلل ويقدر ويحدد القيمة الجمالية في حرفيات العمل الفني وفي تصاعد المضمون مع الشكل المتقدم، سوى النقد الفني التشكيلي. نورد مثلا بسيطا، ولنقرأ مؤرخ الفن (ارفين بانوفسكي) عندما أوجز (عالم الفنان) وعلاقته باللون، على النحو التالي: (إيمانه باستقلالية القيم.. وإن من وظيفة الفن، (تحقيق تأثير جمالي من نوع خاص يخضع لقواعد الفنان الذاتية، ذلك لان له تأثيرا أقوى من تأثير الطبيعة)، حتى لكأننا نؤخذ بجمال الألوان ورقة الخطوط والإيقاع والحركة والتماثل والتوازن والتناسق والتنافر، منفردة أو مرتبطة ببعضها البعض مثلما تسحرنا غرائب الكون ومنظوماته وفضائه اللانهائي..أو تقلقنا فكرة دمار سيلحق بالعالم تشغل بال المبدعين فتغدو محورا لتفكيرهم. ينظر المبدعون العرب إلى تجاربهم الشخصية في سياق عموم الحركة الثقافية والفنية في بلدانهم خارج حدود المعنى التقليدي المالوف، وبعيدا عن الرغبة في تدوين مجرد صفحات عن الفن التشكيلي، قد تكون مسكونة بخيبة الكاتب أو الفنان. وليس يكفي انبثاق صوت منهجي نقدي آت من أمكنة الإبداع ومسرات الإنجاز.. فهل سيكمن الجواب في (متى) ما وعى الفنان وأدرك واقتنع، بأن محاولته في البحث عن هويته الحضارية، تصاغ ضمن تجربة جمالية تمزج بين مفهوم: ان الفن (كيان من عمليات) وليس (كيانا من اشياء وضعية متراكمة)، كما تراها بعض مؤسسات الثقافة القائمة في الوطن العربي. وما بين تزاوج طاقة المثقف وانتاجه المرتبط غائيا بالمجتمع واقتصاد العالم، ينتج عنهما معرفة ثالثة نافذة من أشكال لها وجود المادة والروح معا، وجود قابل للتحول المتبادل، شكلا وموضوعا وكتلة. دون أن يؤلف نقضاً للمفاهيم والخصائص التي تتصف بها المادة، وتشكل (كيانا لطاقة متفاعلة باستمرار تمثل الصورة الجديدة للعالم). ويمكن التعبير عنها، باستخدام وحدات جمالية مستنبطة من المجتمع والواقع، ومستولدة من الطبيعية ورؤى الانسان الفاعل في الخصائص الاساسية: ومنها مصدر الوحدات الجمالية اللازمة لفن (العمليات) الذي تشعه كيميائيا بألوان الخطوط الطيفية، لتجد بالالوان النقية، تعبيرها الفني المتميز، وذلك (برسم صورة او تشييد نموذج) للعالم باعتباره، (كياناً من عمليات). ولئن أمكن تطبيق ذلك في مجال فن الانسان، فإن الفنان سيعيد ترتيب مفردات الطبيعة بمعمار جمالي آخر، يعبر عن فن انساني جديد. وسيعيد بواسطته، خلق نفسه ورؤيته ومواقفه، ضمن وحدات فن البشرية المستقبلي.. وبمساعدة مفهوم: (أن العالم كيان من عمليات). وهذه ليست إيقونة متخيلة من الرغبات، بقدر ماهي منهج وعلم، يمتلكان آلية تطبيق وضعية ملائمة.
الآن ما الذي ستفعله معرفتنا بتاريخ الفنون وبقيم النقد الفني التشكيلي، من اجل أن يؤدي دوره وغرضه وقيمته الجمالية والوظيفية، وبالصورة الموجزة، لكي يحتل مكانته نعم. عندما يعرف الفنان البارع الملتزم بقيم وتراث امته، دوره وواجبه، لكي يحتل مكانته اللائقة في الفن والحياة، فإنه سينتمي لتفاصيل هذا التوجه. وعندما يسعى الكاتب (في مجال تاريخ الفن والنقد الفني التشكيلي) لتفسير ذلك، وفي إطار ما يريد قوله، فانه سيأتي بالأدلة والبراهين، إذ هو يسعى إلى إدراك الفكرة وتوصيلها بسهولة ويسر وتبسيط الى المتلقي، بالايضاح والتحديد والتكثيف والتركيز والصدق. وهذا ما نسعى اليه أيضا في حديثنا عن التحولات الفنية التي شهدتها منطقتنا العربية ابتداء من ستينيات القرن العشرين المنصرم، وحتىالآن. كان لابد أن تؤكد مواقف الفنانين، على ضرورة التوجه ،مع سائر المثقفين، برؤاهم المستقبلية الإيجابية، إلى إحلال واقع أكثر إنسانية في حياة
البشر, دون مغادرة حدود الإبداع، والفصل بين ما يتضمنه الواقع، وما يتخيله المرء في (المشتهى والمأمول) عند التطبيق، لكي يكون ذلك الموقف مؤثرا وكبيراً، يعزز من حضور الفنون والآداب والعلوم والمعرفة الشاملة في المستقبل.. من هنا يظهر دور المثقفين في نشر وتدعيم الرؤية الإنسانية العالمية، ومنهم المؤرخون الذين تكمن أهميتهم بقدراتهم على استنهاض قيم ومباديء إنسانية سامية من أحداث وتجارب التاريخ، واستحضار الشواهد التي تدعم التوجهات العلمية، وتؤكد على الرؤية المنفتحة على آفاق الحرية. ومنهم أيضا رجال الإعلام, في توصيل الحقائق. ومنهم الأدباء بمواقفهم الجوهرية الثابتة، وتقديمها بصورة بارعة وجاذبة. ومنهم الفنانون ومسؤوليتهم الكبيرة في تنمية القيم الروحية والجمالية بخطاب يقدم رؤية موضوعية، وضعية متفاعلة مع أحداث العالم. ومنهم (المرأة العراقية خاصة، والعربية عامة) في تفاصيل الفروع الانسانية كافة، فهي تلعب دورا مؤثرا في مجمل التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، لأنها (كيان من عمليات) التحولات الاجتماعية والمعرفية والسياسية التي تعصف بجغرافية المنطقة ولها فكر وموقف ومنطلق وأفق يؤثر بالعوامل المجتمعية. تبحث ضمن حركة التاريخ الانساني، وبالحوار المشترك مع الحضارات الأخرى، عن لغة حياة جديدة من التطور العلمي بآلياته المتقدمة في إطار من المحبة والسلام. هل، نحن بحاجة ضرورية إلى دعم صفوة من المبدعين من الأدباء والفنانين والمفكّرين الاجتماعيين، لتفعيل ذلك التوجه؟ وهل ينبغي مواجهة «عوالم جديدة»، وقوّى ـ ماليّة وتقنيّة، جعلت القدرات التكنولوجيّة الجديدة ـ ميدان الكائن الحيّ والدراسات الهندسيّة المشتركة والإعلام والآلات الأوتوماتكية والاتّصال والشبكات والافتراضي والمخيال التقني. في ظل اكتشافات المناطق الرخوة من عالم الفقراء. أي في المجتمعات والحضارات التي ضعف فيها التقليد، وظهرت طبقات اللاّمساواة الجديدة. فاندرج كلّ من المبدع الحداثيّ والسياسيّ التقدّمي ورجل الأعمال المجدّد بتحرير الفرد: المبدع والمغير القادر على إحداث عهود ذهبيّة قادمة. وصنع أيّام انتصارات مؤجلة، (ستعلن عن زوال سحر العالم..) والتصالح مع العقل المستلب العاجز عن تفعيل فكرة العمل وما يوفّره من إمكانيّات. وبهذه الصيغة والتحليل، (.. تعتبر الحداثة مفعّلة للرخاء، وتشجع البحث عن أفضل مكان بين الجالسين حول مائدة الاستهلاك الكبرى..) وبدأ زمن العالم المحدود، المضيّق بفعل امتداد وتوسّع شبكات الاتّصال والوسائط بأنواعها والانفتاح على الخارج والأحداث والمجتمعات الأجنبيّة، ليتخذ منها غذاء مشبوها: للسلبية المستسلمة ولسوء التفاهم و(الفصل أو الإقصاء) ولأحلام الفرار والتغرب.. والمساهمة في تغذية وهم التحكّم العقلاني الكبير..). كانت علة الظاهرة إننا – بعد ازدهار حضاري عظيم – عشنا في فترة مظلمة خلال ستة قرون تباطا وتردد العقل العربي خلالها عن الإبداع والتغيير والتقدم. ومر بفترات سلبية وأن اختلفت أثارها الثقافية على مظاهرها، فهي بالنتيجة متلقية ساكنة لثقافة أخرى تفاوتت في تأثيراتها وتغلغلها في حركات الفنون التشكيلية، وبحكم انهيار الدولة العثمانية وتقسيم مناطق النفوذ بين فرنسا وإنكلترا وما نتج عن ذلك من ظواهر متردية وعلل اجتماعية وتخريبية ومحاولة إلغاء الوجود القومي للامة العربية كان للفن التشكيلي نصيبه من تلك النتائج، وأخطرها الفكر التجزيئى المرتبط بثقافة وفكر القوي الغازية، وشيوع ظاهرة التوسل بتقنياتها واتجاهاتها الفنية، ( والفن المسندي) من تلك الوسائل التي استخدمت في هذا الغزو الثقافي على الرغم من أهمية الفترة التي ساد فيها ذلك النوع من الفن في أوربا قرابة الأربعمائة عام باعتباره نتيجة لمظهر من مظاهر عصر النهضة، فأنه بعيد عن قيم وتقاليد وروح الفنان العربي وبعيد عن مفرداته الأساسية في تعامله مع الحياة، و الفنانون التشكيليون المعاصرون، جزء حيوي من شرائح أمتهم ولهم عنها مواقف إزاء تفسير ظواهر التاريخ المستمر في ذاكرتهم على الدوام، وهذا يفسر غياب المنطق الأيديولوجي الذي يحكم مسيرة أمتهم ويحلل مرحلتها صراعاتها وينظم تصوراتها وطموحها ويؤشر أهدافها ويعمل على دمج ذهنية أبنائها بطبيعة العصر وتقنياته ويبلور خطط وأهداف مؤسساته المستقبلية، من هنا نتواجه مع ذهنية الفنان التشكيلي وازدواجيته، بين ارتماء سلفي في أحضان التاريخ وبين طبيعة عصر يواجهه كل لحظة ويتحداه بشروطه العلمية والتكنوذرية. واننا نتعامل هنا مع (وحدات من الطاقة) لا مع (موضوعات اشياء) من تجربة الحياة اليومية. لأن الفن يستغني عن الرموز الكيميائية واللغة اليومية. ولكن الذرة كمعادلة للطاقة تجيز لنفسها الرسم الجمالي، اذ هي بهذا المعنى، بالضرورة تركيب او مجال من الالوان وتمثل الوحدة الاساسية للفن الجديد.
شوكت الربيعي
قيم هذا المقال
الفن يُلامس الجنون أحياناً ليخرجنا من واقع مرير الى عالم يتناغم فيه
الجمال والإبداع ... في قصيدة الشاعر "صالح الطائي" :
انتقالية الكلمات ومزجها في قالب متماسك ...
أرجو أن يكون باستطاعتي نقل وإعادة ما كتبه الشاعراللبناني الكبير :
"أنسي الحاج" عند صدور كتاب :'إنجيل شخصي" للشاعر اللبناني اللامع:
"عقل العويط" قائلاً :"الشعر هو ما ...
روعه اكثر من ما في الخيال
روعه لاغير
ليت ان يكون لسانك لدي حتى يكون سلاحي الناعم فاكون محبوبا في قلب ما احب
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
هل الغازُ هو آخرُ غزواتِ غزّة!


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك