أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 |
قصيدة بالألمانية للشاعر كريم الأسدي
عدد مرات المشاهدة :2059 - October 29, 2007
منير العبيدي
ترجمة وتعليق: منير العبيدي
حديقةُ الكلمات
بيتي يقعُ في حديقةِ الكلمات
هناك حيث كل ورقة شجرة
حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب
حيث كل ( نجمة ) في قطراتِ الندى تلتمع
حيث كل قطرةٍ نجمة ،
وكل ورقةٍ مجرة
و كل شجرةٍ كون
هناك حيث كل ورقة شجرة
حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب
حيث كل ( نجمة ) في قطراتِ الندى تلتمع
حيث كل قطرةٍ نجمة ،
وكل ورقةٍ مجرة
و كل شجرةٍ كون
هذه الحديقة تعودُ لي !
و ليَ النهرُ الذي يتدفقُ عندَ الحديقة
و لي تعودُ الصبايا اللائي يسبحن في النهرِ عندَ اكتمالِ القمر
حينما الماءُ يتقاطرُ من أجسادهنّ العارية .
لي ، لي وحدي يعودُ
المحّارُ على الشاطئِ
مملوءاً كان أم فارغا
وليَ البحرُ و البحيراتُ حيث انتهاء النهر .
و ليَ النهرُ الذي يتدفقُ عندَ الحديقة
و لي تعودُ الصبايا اللائي يسبحن في النهرِ عندَ اكتمالِ القمر
حينما الماءُ يتقاطرُ من أجسادهنّ العارية .
لي ، لي وحدي يعودُ
المحّارُ على الشاطئِ
مملوءاً كان أم فارغا
وليَ البحرُ و البحيراتُ حيث انتهاء النهر .
كلَّ ليلةٍ ارتقي قِممَ الجبال و أتجولُ بين الوديان
جبالِ و وديانِ الزمان و المكان
جبالِ و وديانِ الزمان و المكان
حيثُ الموسيقى كنصرٍ خامس
تُضفي كمالا على فتنةِ العناصر
تلك العناصرُ التي تزفُّ ليَ التهاني
و أزفُّ التهاني لها
حيث الزمانُ عقد لآلي يطوق عنق صبية .
تُضفي كمالا على فتنةِ العناصر
تلك العناصرُ التي تزفُّ ليَ التهاني
و أزفُّ التهاني لها
حيث الزمانُ عقد لآلي يطوق عنق صبية .
ما هو البدءُ ، ما هو المنتهى ،
ما هو القديمُ ، ما هو الجديد ؟!!
حين تنصت الى الأصواتِ في حديقة الكلمات..
سوف تعرف ما هي الموسيقى
عندما تنصت لصوت الصبايا ..
حينَ يكنّ في النهر سابحاتٍ ، سوف تعرف ما هو الماء
حين تعايش الأشجارَ التي ترقصُ في محضِ عطرها
سوف تعرفُ ما هو الهواء
حين ترى انعكاسَ البدرِ على صفحة المياه
سوف تعرفُ ما هو الضوء
و حين تنامُ على العشب ، سوف تعرفُ ما هي الأرض
ما هو القديمُ ، ما هو الجديد ؟!!
حين تنصت الى الأصواتِ في حديقة الكلمات..
سوف تعرف ما هي الموسيقى
عندما تنصت لصوت الصبايا ..
حينَ يكنّ في النهر سابحاتٍ ، سوف تعرف ما هو الماء
حين تعايش الأشجارَ التي ترقصُ في محضِ عطرها
سوف تعرفُ ما هو الهواء
حين ترى انعكاسَ البدرِ على صفحة المياه
سوف تعرفُ ما هو الضوء
و حين تنامُ على العشب ، سوف تعرفُ ما هي الأرض
إلا انك حين لا تعرف حديقة الكلمات
لن يكون بمستطاعكَ أن تعرف شيئا عن هذا العالم
لن يكون بمستطاعكَ أن تعرف شيئا عن هذا العالم
كتب كريم الأسدي "حديقة الكلمات" بالألمانية وألقاها على الجمهور الألماني في "شفارتزشه فيلا" (schwarzsche Villa) وهي بناية جميلة و قديمة تقع في إحدى مناطق العاصمة الألمانية برلين. بُنَيت هذه الفيلا في أوائل القرن التاسع عشر ثم امتلكتها بلدية مدينة برلين عام 1961 وأصبحت مركزا ثقافيا لمنطقة (شتيكلتس) البرلينيية اعتبارا من الثالث من سبتمبر ـ أيلول عام 1995 وفيها قاعة لعرض الأعمال التشكيلية (كاليري) وقاعة مسرح وقاعة لعزف المقطوعات الموسيقية و آتيليية وورشة للتصوير وورشة للطباعة ومقهى ومطعم ويقام هنا سنويا ما معدله 350 نشاطا ثقافيا في السنة أي ما يعادل نشاطا واحد في كل يوم من مختلف النشاطات.
والجميل في تقاليد القراءة في الـ (schwarzsche Villa) أن بمستطاع أي كان المشاركة وبشكل مفتوح ولكن على المشارك أن يحسب أنه سيكون، بنفس القدر، منفتحا للنقد من قبل جمهور خاص مؤهل ومتخصص. من أجل قراءة نص هنا ليس على الراغب سوى أن يسجل نفسه للقراءة قبل دقائق من بدءها فيعطى الفرصة لقراءة ما يشاء على أن يلتزم بالوقت. يجري ذلك بدون أي تمحيص أو تزكية مسبقة أو طلب لسيرة شخصية، وبهذا فإن المؤسسة الثقافية الألمانية ليس لديها الحق في أن تضع نفسها حكما على الإبداع، وما من وسيلة لديها لفصل الغث عن السمين سوى النقد المعلن أمام الجمهور، وبهذا التقليد فإن مؤسساتنا الثقافية العربية في الخارج و "الديمقراطية" جدا من التي تمحص القارئ من الرأس حتى أخمص القدمين، تمحص في ولاءه الفكري والسياسي قبل كل شيء، لديها الكثير مما تتعلمه من هذا المثال.
ولكن الجمهور الألماني الذي يسمع كل شيء هو في الوقت نفسه جمهورٌ صعبُ المراس قد يتعذر إرضاؤه لأسباب عديدة سنعرض لها، على أن من الجلي أن كريم الاسدي الذي يكتب بالألمانية نصوصا وأشعارا، عدا كتاباته باللغة الأم العربية، يتمتع بخصلة الإصرار والثقة بالنفس حتى أثمر قصائد لم يستطع حتى الناقد الدقيق والقاسي تجاهلها.
بهذه القصيدة التي يجد القارئ ترجمتها أعلاه، و كما رأيت كأحد الحاضرين، انتزع الشاعر الأسدي اعتراف الألمان بموهبته و بلغتهم نفسها. وكان الاسدي دائبَ الحضور الى قراءات الألمان الشعرية والنثرية وكانت نصوصٌ ألقاها بالألمانية قد أثارت هذا القدر أو ذاك من الجدال والأخذ والرد وخصوصا ما تتضمنه من صور شعرية لم تكن دائما متماشية مع الذهنية الالمانية وتريكيبتها الإبداعية. وتبدو المهمة امام المبدع المشتغل على المجال النثري والشعري مزدوجة التعقيد: القدرة اللغوية أولا ومن ثم انتقاء النص الأكثر ملائمة.
عدا ذلك تتجلى الصعوبة في التعامل مع الجمهور الأوربي في مناحِ عديدة، فالإبداع الأدبي المنطوق أو المقروء ليس كما هو عليه الحال مع الإبداع التشكيلي أو الموسيقي الذي يتعامل بلغة بصرية أو سمعية مشتركة، وإنما بواسطة الكلمة واللغة. بالرغم من إن الفنان التشكيلي غير الألماني وغير الأوربي مثلا يواجه صعوبات أيضا في تأسيس سمعته والاعتراف بموهبته.
و تعتبرُ اللغة الألمانية لغة صعبة ودقيقة وهي لغة ذاتُ خفايا يصعبُ على كثيرين حتى من الناطقين بها إدراكُ تعقيداتها، وعلى خلاف اللغة الإنكليزية التي لا يتأثر فيها شكلُ الكلمات بوضعها الإعرابي في الغالبِ الأعم، فإن اللغةَ الألمانية قريبةٌ من اللغة العربية. فالفاعل والمفعول به والمضاف إليه والاسم المجرور بحرف الجرِّ... الخ يتغاير كتابة ونطقا، بل إن المرءَ ليجدُ إن اللغة الألمانية تستجيبُ فتتغير مُراعية انسيابية اللفظ، ففيها مثلا ما يشبه نون الوقاية في اللغة العربية. وستكون دراسة مقارنة بين اللغتين موضوعا ربما في غاية الطرافة.
يبدو الألماني، لأول وهله، حساسا الى حد كبير لكتابة الآخرين بلغته بحكم تكوينه التاريخي وبحكم انطباع مبدأي إن اللغة الألمانية مستعصية بالمعني الإبداعي على غير الألمان ربما أكثر بكثير من المواطن الإنكليزي الذي ألفَ أن يكتبَ بلغته الكثيرون، هذا الانطباع هو انطباعٌ جمعيٌ سوسيولوجي ولكنه طبعا غير شامل. علينا أن لا ننسى أيضا أن عدمَ وجودِ تقاليد كولونيالية لألمانيا، كما هي عليه فرنسا وبريطانيا مثلا، قد ساهمَ في ظاهرة الندرة لكتّابٍ من هذا النوع. فالكتّابُ الإنكليز من أصول شرقية، هندية أو باكستانية، لم يحتاجوا حين أقاموا في إنكلترا مثلا الى تعلم اللغة الإنكليزية إذ كانوا يتكلمون ويكتبون بها في بلدانهم منذ الطفولة، وكذلك عليه الحال في بعض بلدان شمال أفريقيا بالنسبة للغة الفرنسية. هذه الصعوبات ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار في الجهد الإبداعي للكتاب الذين يكتبون بالألمانية من اللذين تشكل اللغة الألمانية لغتهم الثانية.
ولا تنحصر الصعوبة في التعامل مع المنجز الإبداعي بمعرفة اللغة نفسها وإنما أيضا في اختلاف العقلية أو الذهنية Mentalität ) الأوربية والألمانية المبنية على تطورها الحضاري الخاص ، فما ألفناه من صورٍ شعريةٍ في الشعر العربي وخصوصا تلك التي تثير إعجاب القارئ العربي والتي هي انعكاس للبيئة العربية والذهنية العربية بكل خصوصياتها، قد لا تثير لدى القارئ الألماني نفس المشاعر ونفس التقييم، وقد راقبت كيف أن نصوصا رفيعة في الأدب العربي قد كانت باهتة لدى القارئ الألماني حتى لو تُرجمت بأفضل ما يمكن أن تكون عليه الترجمة، هذا يلقي على الكاتب أو المترجم مهمة إضافية هي مهمة الانتقاء الصائب .
*****
حضرتُ العديدَ من جلساتِ القراءة هنا في الـ (schwarzsche Villa ) وكانت هناك العشراتُ من القراءات التي أعقبها نقاش وتقييم من نقادٍ وشعراءٍ ومتذوقين وطلبةٍ دارسين في معاهد وكلياتِ الأدب، وقد قدّم كريمُ الأسدي أكثرَ من نصٍ وقصيدة في أكثر من مناسبة كانت هذه مميزة بينها وحازت على أعجابِ الحضور لخصائص يمكن أن يدركها القارئ تتجسد في كونِ القصيدة هي قصيدةٌ حداثية لم تجعل من الغموض والصعوبة لازمة لها، نجدها من جهة أخرى مثلت مزاوجة قليلة التحقق بين القواعد الجمالية للشعر الكلاسيكي وإعادة صياغتها بروح المعاصرة، فهذه القصيدة تمثل تجاوزا جدليا لبناء القصيدة القديمة دون نسف منجزاتها.
و بالرغم من الجو الرومانسي الطاغي إلا أن القصيدة هي قصيدةٌ رمزية شغلت فيها الصورة بكل ما فيها من قوة حيزا كبيرا وأدت وظيفة حاملِ دلالاتٍ ورموز. غنائيةُ القصيدةِ واسترسالها ترافق مع كونها مبنية بناءً محكماً ومرتبطة بلحمة درامية منذ مطلعِها حتى الخاتمة.
ومنذ "هذه الحديقة تعود لي" والمقطع الذي يليها أثار كريمُ الأسدي "الاتهامات" لدى البعض بأنه ذو نرجسيةٍ طاغية، وبالرغم من أنني لا أنظر الى النرجسية باعتبارها احد المثالب لشاعرٍ و فنان، بل واعتبرها شرطا من شروط الإبداع، إلا أنني أرى أن هذا المقطع كان لا يمثل ميلا نرجسيا بحكم المضمون نفسه.
فالبيتُ والحديقة والنهرُ والصبايا والمحّار... الخ كلها تقعُ في حديقةِ الكلمات، كلماتِ الشاعر. ولكل شاعرٍ حديقتُه الخاصّة التي تعودُ له والتي لا تشابهُها حديقة أخرى، بل ينبغي أن لا تشابهها من بابٍ أولى. إن التشديدَ على صيغةِ التملك لا يمكن أن يستقيم في هذا السياق إلاّ بالتملكِ مطلقِ الخصوصية، إنه تملكٌ مشروعٌ محروسٌ من مالكِه ومن الوسط الإبداعي. فمعاييرُ النقد قد صاغت تعابيرَ تدعو إلى احترام الخصوصية واحترام التملك في الأسلوب واللغة وقد أدانت الاعتداء على الملكية الإبداعية بصيغة الإشارة الى الافتقار إلى الأصالة وإلى التفرد فمن اعتدى أسلوبيا على مملكة غيره، "حديقة كلمات غيره " وسرق من مملكته شيئا فانه ( يُدان ) على إنه غيرُ أصيلٍ و مكرر.
فلو تشابهت حدائقنا، حدائق كلماتنا، لما كان ثمة إبداع، ولكان ما نكتبُ نسخا مكررة. فله، له وحده تعود الحديقة! ولم لا؟ إنه يمتلك كل الحق في ذلك. فكريم الأسدي كما كل الشعراء يصنع عالمَه الخاصَّ في المكان الذي يقعُ فيه بيتُهُ في حديقةِ الكلمات.
بهذه القصيدة التي يجد القارئ ترجمتها أعلاه، و كما رأيت كأحد الحاضرين، انتزع الشاعر الأسدي اعتراف الألمان بموهبته و بلغتهم نفسها. وكان الاسدي دائبَ الحضور الى قراءات الألمان الشعرية والنثرية وكانت نصوصٌ ألقاها بالألمانية قد أثارت هذا القدر أو ذاك من الجدال والأخذ والرد وخصوصا ما تتضمنه من صور شعرية لم تكن دائما متماشية مع الذهنية الالمانية وتريكيبتها الإبداعية. وتبدو المهمة امام المبدع المشتغل على المجال النثري والشعري مزدوجة التعقيد: القدرة اللغوية أولا ومن ثم انتقاء النص الأكثر ملائمة.
عدا ذلك تتجلى الصعوبة في التعامل مع الجمهور الأوربي في مناحِ عديدة، فالإبداع الأدبي المنطوق أو المقروء ليس كما هو عليه الحال مع الإبداع التشكيلي أو الموسيقي الذي يتعامل بلغة بصرية أو سمعية مشتركة، وإنما بواسطة الكلمة واللغة. بالرغم من إن الفنان التشكيلي غير الألماني وغير الأوربي مثلا يواجه صعوبات أيضا في تأسيس سمعته والاعتراف بموهبته.
و تعتبرُ اللغة الألمانية لغة صعبة ودقيقة وهي لغة ذاتُ خفايا يصعبُ على كثيرين حتى من الناطقين بها إدراكُ تعقيداتها، وعلى خلاف اللغة الإنكليزية التي لا يتأثر فيها شكلُ الكلمات بوضعها الإعرابي في الغالبِ الأعم، فإن اللغةَ الألمانية قريبةٌ من اللغة العربية. فالفاعل والمفعول به والمضاف إليه والاسم المجرور بحرف الجرِّ... الخ يتغاير كتابة ونطقا، بل إن المرءَ ليجدُ إن اللغة الألمانية تستجيبُ فتتغير مُراعية انسيابية اللفظ، ففيها مثلا ما يشبه نون الوقاية في اللغة العربية. وستكون دراسة مقارنة بين اللغتين موضوعا ربما في غاية الطرافة.
يبدو الألماني، لأول وهله، حساسا الى حد كبير لكتابة الآخرين بلغته بحكم تكوينه التاريخي وبحكم انطباع مبدأي إن اللغة الألمانية مستعصية بالمعني الإبداعي على غير الألمان ربما أكثر بكثير من المواطن الإنكليزي الذي ألفَ أن يكتبَ بلغته الكثيرون، هذا الانطباع هو انطباعٌ جمعيٌ سوسيولوجي ولكنه طبعا غير شامل. علينا أن لا ننسى أيضا أن عدمَ وجودِ تقاليد كولونيالية لألمانيا، كما هي عليه فرنسا وبريطانيا مثلا، قد ساهمَ في ظاهرة الندرة لكتّابٍ من هذا النوع. فالكتّابُ الإنكليز من أصول شرقية، هندية أو باكستانية، لم يحتاجوا حين أقاموا في إنكلترا مثلا الى تعلم اللغة الإنكليزية إذ كانوا يتكلمون ويكتبون بها في بلدانهم منذ الطفولة، وكذلك عليه الحال في بعض بلدان شمال أفريقيا بالنسبة للغة الفرنسية. هذه الصعوبات ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار في الجهد الإبداعي للكتاب الذين يكتبون بالألمانية من اللذين تشكل اللغة الألمانية لغتهم الثانية.
ولا تنحصر الصعوبة في التعامل مع المنجز الإبداعي بمعرفة اللغة نفسها وإنما أيضا في اختلاف العقلية أو الذهنية Mentalität ) الأوربية والألمانية المبنية على تطورها الحضاري الخاص ، فما ألفناه من صورٍ شعريةٍ في الشعر العربي وخصوصا تلك التي تثير إعجاب القارئ العربي والتي هي انعكاس للبيئة العربية والذهنية العربية بكل خصوصياتها، قد لا تثير لدى القارئ الألماني نفس المشاعر ونفس التقييم، وقد راقبت كيف أن نصوصا رفيعة في الأدب العربي قد كانت باهتة لدى القارئ الألماني حتى لو تُرجمت بأفضل ما يمكن أن تكون عليه الترجمة، هذا يلقي على الكاتب أو المترجم مهمة إضافية هي مهمة الانتقاء الصائب .
*****
حضرتُ العديدَ من جلساتِ القراءة هنا في الـ (schwarzsche Villa ) وكانت هناك العشراتُ من القراءات التي أعقبها نقاش وتقييم من نقادٍ وشعراءٍ ومتذوقين وطلبةٍ دارسين في معاهد وكلياتِ الأدب، وقد قدّم كريمُ الأسدي أكثرَ من نصٍ وقصيدة في أكثر من مناسبة كانت هذه مميزة بينها وحازت على أعجابِ الحضور لخصائص يمكن أن يدركها القارئ تتجسد في كونِ القصيدة هي قصيدةٌ حداثية لم تجعل من الغموض والصعوبة لازمة لها، نجدها من جهة أخرى مثلت مزاوجة قليلة التحقق بين القواعد الجمالية للشعر الكلاسيكي وإعادة صياغتها بروح المعاصرة، فهذه القصيدة تمثل تجاوزا جدليا لبناء القصيدة القديمة دون نسف منجزاتها.
و بالرغم من الجو الرومانسي الطاغي إلا أن القصيدة هي قصيدةٌ رمزية شغلت فيها الصورة بكل ما فيها من قوة حيزا كبيرا وأدت وظيفة حاملِ دلالاتٍ ورموز. غنائيةُ القصيدةِ واسترسالها ترافق مع كونها مبنية بناءً محكماً ومرتبطة بلحمة درامية منذ مطلعِها حتى الخاتمة.
ومنذ "هذه الحديقة تعود لي" والمقطع الذي يليها أثار كريمُ الأسدي "الاتهامات" لدى البعض بأنه ذو نرجسيةٍ طاغية، وبالرغم من أنني لا أنظر الى النرجسية باعتبارها احد المثالب لشاعرٍ و فنان، بل واعتبرها شرطا من شروط الإبداع، إلا أنني أرى أن هذا المقطع كان لا يمثل ميلا نرجسيا بحكم المضمون نفسه.
فالبيتُ والحديقة والنهرُ والصبايا والمحّار... الخ كلها تقعُ في حديقةِ الكلمات، كلماتِ الشاعر. ولكل شاعرٍ حديقتُه الخاصّة التي تعودُ له والتي لا تشابهُها حديقة أخرى، بل ينبغي أن لا تشابهها من بابٍ أولى. إن التشديدَ على صيغةِ التملك لا يمكن أن يستقيم في هذا السياق إلاّ بالتملكِ مطلقِ الخصوصية، إنه تملكٌ مشروعٌ محروسٌ من مالكِه ومن الوسط الإبداعي. فمعاييرُ النقد قد صاغت تعابيرَ تدعو إلى احترام الخصوصية واحترام التملك في الأسلوب واللغة وقد أدانت الاعتداء على الملكية الإبداعية بصيغة الإشارة الى الافتقار إلى الأصالة وإلى التفرد فمن اعتدى أسلوبيا على مملكة غيره، "حديقة كلمات غيره " وسرق من مملكته شيئا فانه ( يُدان ) على إنه غيرُ أصيلٍ و مكرر.
فلو تشابهت حدائقنا، حدائق كلماتنا، لما كان ثمة إبداع، ولكان ما نكتبُ نسخا مكررة. فله، له وحده تعود الحديقة! ولم لا؟ إنه يمتلك كل الحق في ذلك. فكريم الأسدي كما كل الشعراء يصنع عالمَه الخاصَّ في المكان الذي يقعُ فيه بيتُهُ في حديقةِ الكلمات.
في لحظة انتشاء متسام ٍيكتب الأسدي شاطبا الزمان و المكان
ما هو البدءُ، ما هو المنتهى،
ما هو القديمُ، ما هو الجديد؟!!
فالأشياء التي تتضمنها مملكة الكلمات ليست مكانا ولا زمانَ لها، فيها يتوقف كل شيء، فعالمه هو عالم الكلمات التي تُنشأ صورة خارجَ العالم، إنها هنا غيرُ مرئية إلا من قبله، أمّا من قبلنا فعبرَ قصيدتِه عنها فقط.
المزاوجة بين العربية والألمانية تتجلى هنا جزئيا عدا مواقع أخرى في التشابهِ بين كلمة ورقة التي ترجمناها عن كلمة ( Blatt) وجمعُها ( Bläter) بالألمانية، وهي مشابهة لدلالتها العربية في كونها مزدوجة المعني إذ تعني ورقة عادية ورقة كتابٍ أو دفتر وتعني في الوقتِ نفسِهِ ورقة الشجرة في صيغتي الجمع والمفرد.
ففي قوله:
بيتي يقعُ في حديقةِ الكلمات
هناك حيث كل ورقة شجرة
حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب
هناك حيث كل ورقة شجرة
حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب
يوجد مثلا أكثر من تداخل في الدلالات فـفي قوله " حيث كل ورقة شجرة " نجد أن " الورقة" هنا يتداخل فيها معنيان أحدهما وأكثرهما رجحانا أن كل ورقة من كتاب أو مخطوطة بإمكانها أن تكونَ من الثراءِ ما يوازي شجرة عظيمة البنيان، ومع ذلك بمقدور القارئ أن لا يجزأ الدلالات و يأخذها موحدة، فالورقة هنا ورقة كتاب أو مخطوطة ولكنها في الوقت نفسه ورقة الشجرة، ولما كانت ورقة الشجرة تعادل شجرةً بذاتها أي تعادل حاملها الذي يحتوي على الآلاف من تكراراتها فإننا إزاء مفارقة ( Paradox): الجزء يعادل الكل ويكرر ذاته بشكل لا نهائي بما يشبه النظر في مرآة خلفها مرآة.
يرتقي الشاعرُ مصطحبا القارئَ، إن شاء، قمم الجبالِ ويتجول معه بين الوديان، وديانِ الزمان والمكان. من أين جاءَ الشاعرُ بهذهِ الجبال والوديان وقبلها البيتِ والأشجارِ والحديقة والصبايا المستحماتِ بضوء القمر؟ المنجم هنا هو مملكة الكلمات فهذا هو العالم السهلُ الممتنع الذي يلخص، كما رأيتُ مرارا، إعجازَ الشعر. فهذه المملكة، مملكة الكلمات، متاحة لكل واحدٍ منا، أو لنقل إن عناصرَ صناعتِها متاحة لكلِ واحدٍ منا، ولكنها في الوقتِ نفسه أصعبُ من المستحيل، فالكلماتُ، التي هي أداة الشاعر لصناعة مملكته، هي نفسها أداتي وأداتك وأداةُ الآخرين في الكتابة والتعبير ولكنها لديه فقط تصنعُ الممالكَ والوديان والجبالَ وكلّ عناصر الجمال، يدُه السحرية هي التي تحول التراب الى تبرٍ في الوقت الذي يبقى في يدِ الآخرين ترابا ليس إلاّ.
يرتقي الشاعرُ مصطحبا القارئَ، إن شاء، قمم الجبالِ ويتجول معه بين الوديان، وديانِ الزمان والمكان. من أين جاءَ الشاعرُ بهذهِ الجبال والوديان وقبلها البيتِ والأشجارِ والحديقة والصبايا المستحماتِ بضوء القمر؟ المنجم هنا هو مملكة الكلمات فهذا هو العالم السهلُ الممتنع الذي يلخص، كما رأيتُ مرارا، إعجازَ الشعر. فهذه المملكة، مملكة الكلمات، متاحة لكل واحدٍ منا، أو لنقل إن عناصرَ صناعتِها متاحة لكلِ واحدٍ منا، ولكنها في الوقتِ نفسه أصعبُ من المستحيل، فالكلماتُ، التي هي أداة الشاعر لصناعة مملكته، هي نفسها أداتي وأداتك وأداةُ الآخرين في الكتابة والتعبير ولكنها لديه فقط تصنعُ الممالكَ والوديان والجبالَ وكلّ عناصر الجمال، يدُه السحرية هي التي تحول التراب الى تبرٍ في الوقت الذي يبقى في يدِ الآخرين ترابا ليس إلاّ.
كلَّ ليلةٍ ارتقي قِممَ الجبال و أتجولُ بين الوديان
جبالِ و وديانِ الزمان و المكان
جبالِ و وديانِ الزمان و المكان
المؤلف: منير العبيدي
قيم هذا المقال
زدنا ايها المتألق دوما
المحلق في سماء الادب والفن
ايها الشاعر المبدع والناقد الاصيل
تحياتي
الاستاذ صالح المحترم
الكمبارس ليس لها دلالة تكملة المشهد بل هي جزء من المشهد مثل ما للمثل والبيئة والاكسسوار وغيرها من مفردات العمل الدرامي تلفزيون او ...
كم من الصعب أن نفرأ بعين ناقدة هذه اللوحة الشعرية التي عبرنا من خلالها
المشرق العربي من المحيط إلى الخليج لنلامس منبع الحضارات : بغداد..
التي مهما ...
م "عيناكِ، يا بغـدادُ ، منـذُ طفولَتي شَـمسانِ نائمَـتانِ في أهـدابي
لا تُنكري وجـهي ، فأنتَ حَبيبَتي وورودُ مائدَتي وكـأسُ شـرابي "
*****************************************
*****************************************
هذه القصيدة الرائعة الخالدة ...
نص باذخ شعرا
تقبلي مروري
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
كما دائماً.. لن يحدث إلا أنت


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك