الرئيسية »  الـشـعــر»  نازك الملائكة نجمة خالدة

نازك الملائكة نجمة خالدة

عدد مرات المشاهدة :1870 - 29/ 7/ 2007

خلدون جاويد

نازك الملائكة نجمة خالدة

خلدون جاويد  

أروع مايلفت الانتباه لدى الشاعرة نازك الملائكة كما هو لدى المفكرين الكبار وأعمدة العالم الشعرية والروائية المعروفة ، هو أن قول الحقيقة ضرورة لابد منها وهو حجر الزاوية في العمل الأصيل . فالكشف عن خوالج الذات يمنح العمل خلوده وينآى به عن التمويه والتخوّف والكذب.
  بطل دستويفسكي في الانسان الصرصار – على سبيل المثال - قد استهل نثيره الهامس بكلمتين عجيبتين: " أنا رجل مريض ، أنا جبان ... " الخ . اليكسي تولوستوي في درب الآلام ابتدر القول بتعبير متناقض : أنا فرح وحزين ! تشيخوف في عنبر رقم 6 يجرح وقار العقل لينتصر له ، دانيال في دروب الحرية لسارتر يلقي بقططه في البحر تخليدا لحبه لهما !. نازك الملائكة في قصيدة نفترق تحبذ الغياب على اللقاء والبعد على القرب لهواجس وجودية مترعة بالتحليل الحسي وهي القائلة أيضا في قصيدة صراع :
 
أحب وأكره ماذا احب وأكره ؟
أي شعور ٍ عجيب ؟
وأبكي وأضحك ماذا ترى
يثير بكائي وضحكي الغريب ؟
أريد وأنفر ، أي جنون ٍ
حياتي وأي صراع ٍ رهيب ؟

وسوى هذه الأمثلة مئآت بل آلاف هي بذاتها شذرات لامعة في دفق السايكولوجيا الصادقة ووهج الذات المنفتحة على غرابة الجمال في التعبير .
 وكذا الأدب الفضائحي هو فضاء كاشف لعلل واوجاع النفس الانسانية معبر عنه في الروايات الجريئة وعموم الكتابات الخالدة . وهنا في عالم الطب النفسي يحتاج المطبب والباحث المعالج الى معطيات منها سبب مرض وجبن بطل ديستوفسكي وفرح وحزن بطل تولوستوي في آن واحد ، ولمن تريد نازك الملائكة منالا ولاتريده ! ولمن قال نزار قباني في حائيته الجميلة :
يريد ولايريد فيالثغر ٍ
على شطيه يحتضر الوضوحُ
 وجمالية الثغر المدبوغ - هنا - بجحيم رغبة وبنقيضه من امتناع انما هما حالتان من تناقض يلهب باخوس بذرى حريق ووهج تتفجر عنه القصائد والخرائد ويلقي عبقر هو والفراش الحائر روحه على سبعين الف نار ! ، وهذا التشظي هو الفن ، وليس التقبيلة الباردة لزيجات مدفوعة الأجر او اخرى بالاكراه !
 كان كيتس الشاعر الانجليزي العظيم يتمنى تقبيل العرائس وهو يطاردهن بين المروج ويتمنى بذات الوقت أن لا يمسك باحداهن رغبة ً منه بأن يظل في حالة من الظمأ والوله – اللهيف - على حد تعبير نازك الملائكة . ان هذا التناقض هو منحى فكري وفني جدير بالكتابة عنه والكشف الجريء عن الذوات الملتبسة للانسان .
 ان عالم الأزمات النفسية لهو أكثر غموضا من أسباب السرطان !وقد حارت بكلا الحالتين ألباب النطاسيين ! قال الشاعر الكويتي المبدع محمد يحيى الوريث وهو على سرير الموت :
أُواه ماالسرطان الاّ اللعنة الكبرى
وخصم ٌ بالجريمة معرق ُ
حار النطاسيون في أدوائه
وتقطعّت سبل الخلاص وأخفقوا
 ولو قرأت نازك الملائكة هذه الأبيات أمام طبيب نفسي لأخضعها مباشرة الى جلسات علاجية  متعددة :
" إن أكن أبسِمُ كالطفل السعيد
فابتساماتي َ وهم ٌ وخداع ْ
إن أكن هادئة ً ، بين الورود ِ
ففؤآدي في جنون ٍ وصراع ْ
نازك الصدق والكشف في أبياتها هذه ، لن يجدي معها علاج فيزيائي ، ان الجرح في الروح ! وقد قال ايليا أبو ماضي :
من تكن نفسه بغير جمال ٍ
لايرى في الحياة شيئا ً جميلا
لكن يظل التعبير عن لحظة حسية صادقة مرآة ً لمستوى حضاري وهذا ما تتجرأ عليه نازك وسواها من الشعراء يصل الحال ببعضهم أن يقول ماهو غير معتاد ولا سائد ! فقد تمنى الشاعر حسين مردان أن يقدم - صدوف – الى صديقه وبذا اخترق كل تحفظات الخلق السائد وجرح الوقار بشذوذ فاضح وشنيع :
قسما ً بما  ُطبعت ْ على شفتيك مِن
قبلات ألفي عاشق ٍ وعشيق ِ
أنا لست أحيا لحظة ً لو لم يكن
ريّا زفيرك ياصدوف شهيقي
إني عهدتك بالوصال كريمة ً
فهبي جمالك ساعة ً لصديقي !
 والكتابة هنا عن الاحساس مهما كان مستوى الحرية الذي تتمتع به لتعكس شجاعة الانسان وعدم استخذائه أمام الباب العالي والمنبر السلطاني والرقابة البوليسية . وكلما جاءت الكتابة معبرة عن الحس الظاهري والباطني كلما انتعشت الحقيقة واسقطت الجدران الترسانية لكواليس الذات البشرية ، تقول نازك معبرة عن ضرورة الحس وصدقية تثبيته :
" اعبر عما تحس حياتي
وارسم احساس روحي الغريب
فأبكي اذا صدمتني السنين
بخنجرها الأبدي الرهيب
واضحك مما قضاه الزمان
على الهيكل الآدمي العجيب
وأغضب حين يداس الشعور
ويسخر من فوران اللهيب "

وروعة الكتابة الجريئة هنا ، لنازك ومجايليها، انها تقول ماتحس به هي لامايطالب به الآخرون كدِيّة عشائرية ووصفة طبية ومرسوم ملكي وفرمان سلطاني ودعوة ايديولوجية حزبية . احساسنا هو الأول معناه نبل الكلام ونقاء النص وتلقائية الروح، وهذا النهج مغتال في أغلب بلداننا ذات التضاد الجماعي الساحق لتفرد الاشخاص في رغائبهم ونزغاتهم ولواعجهم وحتى شطحات افكارهم والشاذ من خطلهم الفاتن وجنونهم الفنان .
 في قصيدة – عالم الشعراء – وثقت الشاعرة بلغتها الفنانة انبثاق الرؤيوي والمستحدث والغنائي، وهذا هو الامتداد الضروري للعصر في تكونه المستجد وصيرورته الدائمة من حيث انه يستقي ايقاعه وعبيره من رياداته واستشرافاته واكتشافاته :
 " انه شاطئ القصائد والألحان
يمتد غامض الكثبان ِ
في حناياه كلُّ ذرة رمل ٍ
رعشة ٌ وانبثاقة ٌ وأغان ِ "
 ان في شعر نازك الملائكة اشارات ودلالات على اهمية الشعر في الكشف ، فهو المصور للحالات المنبثقة عن تقدم الأزمان وهو المضيف من روحه الرومانسية والرومانسية الثورية تصورا لواقع مغاير. وهي عدا كونها رائدة للشعر الحر فبإمكان محبيها ومريديها اعتبارها داعية للجرأة وبالحدود التي تقوى عليها امرأة في زمانها العراقي المحافظ.
قالت في قصيدة جحود من ديوان شظايا ورماد – عام 1947 - :
انا لا اهوى ............ مايحب الناسْ
فاذا دوّى ........... في دمي احساسْ
سرت ُلا ألوي ...سرت خلف الصوتْ
فغدا يطوي ....... فجرعمري الموتْ
في دمي اعصار ... عاصف بالجمودْ
وشظايا نار  .......... تتحدى الركودْ
كل قلبي شكْ ........ في معاني الخيرْ
فكرة تضحِكْ .......... أنا أهوى الشرْ
إن يك ُ الجسم ُ ...... من تراب ٍ حقيرْ
فأنا إثم ُ .................. أنا لست أثيرْ
إن يك ُ العقل ُ ........  يمقت الانفجارْ
فأنا حِلُ  ...............   منه ياللعار ْ!
إن يك ُ الايمان ْ ..... هو هذا الجمودْ
فأنا نكران ْ ...........  أنا كلي جحود ْ.
 
 وختاما ، ستبقى نازك خالدة في ذاكرة الأجيال لاتنسى لأنها نجمة زاهية على فضاء الحلم وشاطئ الحقيقة .



شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل