الحياة انتحار ضد الموت
عدد مرات المشاهدة :1690 - 06/ 8/ 2006
جمال علي الحلاق
قراءة في تجربة وجودية متفردة
لا بد أن أحييكم في هدأة الليل هذي
الساعة تشير الى الثانية والربع
وحيدا في غرفتي المفتوحة نوافذها
غامضا رغم البرد والمطر الخفيف
جزعا ومتسخا بالدخان والمدفأة
والدهشة بأني أتجنّب الكتابة لكم " ( ص 32
لا بد أن أحييكم في هدأة الليل هذي
الساعة تشير الى الثانية والربع
وحيدا في غرفتي المفتوحة نوافذها
غامضا رغم البرد والمطر الخفيف
جزعا ومتسخا بالدخان والمدفأة
والدهشة بأني أتجنّب الكتابة لكم " ( ص 32
سأحرق نفسي
وأكون أنا … بلحمي
بدمي بلباسي الأنيق هذا
ساعة الصفر ص 58
وأكون أنا … بلحمي
بدمي بلباسي الأنيق هذا
ساعة الصفر ص 58
من الضروري جدا أن تحدد الذات نهايتها ، فبهذه الطريقة - وحدها - يتخلّص الإنسان من حيوانيته . تحديد شكل الموت وأوانه عمل إنساني بحت ، وأعتقد أن الإنسان القادم سيقترب من هذا الاتجاه تحديدا . هذا ليس بحثا في الشعر ، بقدر ما هو بحث في التجربة الوجودية ، لذات امتلكت قدرة التخطيط لنهايتها ، وظلّت تراقبها طيلة وجودها في العالم . تجربة من هذا النوع تفتح باب السؤال الوجودي مرة أخرى ، كيف تواصل الذات بقاءها وقد اقترحت نهايتها ؟ بعض الخطى تحدد الخاتمة ، ويمكن بنفاذ رؤية أن ترى بعض الذوات نهايتها ، كما في تجربة الحلاج مثلا "
على دين الصليب يكون موتي
وأعتقد أن استيعاب العقلية المحيطة يمنح الذات النافرة أن ترى حتى شكل نهايتها . فالمرأة النافرة في مجتمع ذكوري تبقى محاطة بغسل العار . ويبقى الخارج على الدين مهدور الدم ، والهارب من ساحة الحرب يتوقع الإعدام في أية لحظة . كل هذا ممكن ، لكن ، ما أريد البحث فيه يختلف عن ذلك تماما ، انه التخطيط الواعي لنهاية ذاتية بحتة ، هكذا تحدد الذات نهايتها ، لكنها لا تباشرها فورا ، تتمهل ، ليس خوفا ، وإنما لتستمتع برؤية نهايتها تتجلى أمامها دائما ، وبزوايا مختلفة . الاستمتاع بالنهاية المخطط لها ، والبقاء فقط من أجل احتواء رؤية النهاية بكل تفاصيلها . تماما كمن يحمل رصاصة في جيبه ، ستكون بذرة في رأسه في لحظة قادمة هو يحددها ، فتكون فترة وجود الرصاصة في الجيب كما لو أنها فسحة لرؤية الخاتمة بشهوة عارمة ، بأكثر من زاوية ، وبتفاصيل اكثر دقة ، كما لو إنها تمرين في إنتاج الخاتمة بدقة كاملة الدسم . ربما كان هذا مدخلا لقراءة تجربة ذاتية امتلكت جرأة اتخاذ قرار النهاية بإرادة واعية ، كما لو أنها كانت تجسيدا لصرخة إدغار الان بو " قاتلا نفسي أرى الميناء خلف الهاوية " . حين يكون الخلاص - هناك - في ما وراء الحياة ، لكن ليس بالمفهوم الديني الآخروي، فالتجربة هنا اجتراح آخر لمفهوم ما وراء الموت ، إنها البحث عن الحياة التي لا علاقة لها بالحياة ، والتي قد تكون شكلا آخر له ، فالموت ليس نهاية بالضرورة، هكذا يكون الموت نافذة أخر ، أو حياة أخرى في الحيا ، كالإقامة في الحياة بعيدا عنها ومن زاوية ما قد تكون الحياة بحد ذاتها " رسالة انتحار " ، فالموت الذي يقف هناك في نهاية الممر، والذي يمر في تفاصيلنا الدقيقة، كما لو انه الدم الذي يتسكّع في حياتنا، ونصرّ - رغم دخوله فينا – على تجاهله كما لو انه غير موجو ، كما لو أن الحياة الى الأبد جاثمة فينا، هذا العناد الذي ورثناه عن أقرب أجدادنا صلة بالثيران، هو الذي يجعل خطواتنا تبدو على هذا النحو من الفنطازية هكذا تبدو الحياة انتحارا ضد الموت ! وإلا ماذا نسمّي هذا الشعور بالنقص الذي يجعل الحياة على ما هي عليه ليست أهلا لأن تعاش؟ لقد كانت تجربة طه الطاهر تحديدا في هذه النقطة من الجدل مع الذات. ممارسة الحياة على اعتبارها انتحارا، وفي نفس الوقت التأقلم مع هذا الانتحا ، كما لو أنه شعلة من ضوء، وكما لو ان الذات فراشة، تطوف حول الضوء، وتتعبد لانتحارها القادم
أتجنّب نفسي
وأمشي على الحافة
مثلما أتجنّب النار " ص 29
تجنّب النفس هنا هو تجنّب الوقوع في حياة خارج الحياة ، كما لو أن العمر حافة حادة ، بين الذات وتوهجها ، غير أن الحياة هناك خارج الحياة تماما ، وهنا تنمو إشكالية التردد ، التي تمنح الذات قدرة تأمل نهايتها من زوايا كثيرة . "
خيول العربة الذهبية الصاعدة
هو اسمي ذلك الذي يبتعد
والويل لي
إن متّ بغير هذا العشق "ص 62
لقد ترك جسده وقودا لخيول من ذهب تتصاعد - ينبغي أن أثبت هنا أن طه الطاهر مات احتراقا بالنار في بغداد شتاء عام 1998 – الكشف الذي تحقق هنا هو أن النهاية وحدها تمتلك تحديد الاسم، لقد كان بين الآخرين وفيهم، لكنه لم يكن في اسمه، الذي لم يتحقق إلا في لحظة الاتحاد القصوى بالذات لقد أومأ لاسمه هنا، لكنه ظلّ مترددا الى لحظة التجلّ ، فليس من السهولة اتخاذ قرار بهذه الشراسة، وهذه دلالة صارخة لخطورة الاقتراب من الذات، خصوصا في مجتمع قائم على نكرانها لم يترك للآخرين ان يهدروا دم ، ظلّ ودودا الى النهاية، لكنه عندها تحديدا، صفع الآخرين جميعا، وحقق اسمه الأكثر التصاقا بذاته. لقد أدرك منذ وقت مبكر ان النهاية – نهايته الخاصة – تخصه وحده، وان العربة التي تصعد كاللهب، لا تتسع لأكثر من ذاته، من هنا كان أصل تردده، كما لو ان البقاء ضرب من تقليم الذات، تهذيبها من كل عشق سواها، لذا قال
والويل لي
إن متّ بغير هذا العشق
" ظل يدور حول نهايته الخاصة جدا ، يتأمل قيامة الذات من جهات كثيرة ، بدأ يتلذذ بها ، أصبحت الحياة لديه نافذة للتمتع بالموت . شيء من التصوّف لكن خارج مفاهيم الصوفية
لو لم يكن المساء شريط اللهب الطموح
وهو ينسّل من روحي
لو لم يكن لحظة
موقدا بعيدا خالدا
يومض في رأسي " ص 38
المسافة ليست بعيدة بين " عربة الخيول الذهبية " وبين " شريط اللهب الطموح " ، كما أن الأخيرة تكشف وضوح الرؤية للحظة مؤجلة ، فاللهب الطموح " ينسّل من روحي " ، إنها الروح لا الجسد ، حطب النار ، هكذا ، يحمل نهايته المقررة معه، نهايته تقيم في رأسه ، وهو يقيم خارجها يستمتع بالتحقق أخيرا
أتجنّب نفسي
وأمشي على الحافة
مثلما أتجنّب النار " ص 29
تجنّب النفس هنا هو تجنّب الوقوع في حياة خارج الحياة ، كما لو أن العمر حافة حادة ، بين الذات وتوهجها ، غير أن الحياة هناك خارج الحياة تماما ، وهنا تنمو إشكالية التردد ، التي تمنح الذات قدرة تأمل نهايتها من زوايا كثيرة . "
خيول العربة الذهبية الصاعدة
هو اسمي ذلك الذي يبتعد
والويل لي
إن متّ بغير هذا العشق "ص 62
لقد ترك جسده وقودا لخيول من ذهب تتصاعد - ينبغي أن أثبت هنا أن طه الطاهر مات احتراقا بالنار في بغداد شتاء عام 1998 – الكشف الذي تحقق هنا هو أن النهاية وحدها تمتلك تحديد الاسم، لقد كان بين الآخرين وفيهم، لكنه لم يكن في اسمه، الذي لم يتحقق إلا في لحظة الاتحاد القصوى بالذات لقد أومأ لاسمه هنا، لكنه ظلّ مترددا الى لحظة التجلّ ، فليس من السهولة اتخاذ قرار بهذه الشراسة، وهذه دلالة صارخة لخطورة الاقتراب من الذات، خصوصا في مجتمع قائم على نكرانها لم يترك للآخرين ان يهدروا دم ، ظلّ ودودا الى النهاية، لكنه عندها تحديدا، صفع الآخرين جميعا، وحقق اسمه الأكثر التصاقا بذاته. لقد أدرك منذ وقت مبكر ان النهاية – نهايته الخاصة – تخصه وحده، وان العربة التي تصعد كاللهب، لا تتسع لأكثر من ذاته، من هنا كان أصل تردده، كما لو ان البقاء ضرب من تقليم الذات، تهذيبها من كل عشق سواها، لذا قال
والويل لي
إن متّ بغير هذا العشق
" ظل يدور حول نهايته الخاصة جدا ، يتأمل قيامة الذات من جهات كثيرة ، بدأ يتلذذ بها ، أصبحت الحياة لديه نافذة للتمتع بالموت . شيء من التصوّف لكن خارج مفاهيم الصوفية
لو لم يكن المساء شريط اللهب الطموح
وهو ينسّل من روحي
لو لم يكن لحظة
موقدا بعيدا خالدا
يومض في رأسي " ص 38
المسافة ليست بعيدة بين " عربة الخيول الذهبية " وبين " شريط اللهب الطموح " ، كما أن الأخيرة تكشف وضوح الرؤية للحظة مؤجلة ، فاللهب الطموح " ينسّل من روحي " ، إنها الروح لا الجسد ، حطب النار ، هكذا ، يحمل نهايته المقررة معه، نهايته تقيم في رأسه ، وهو يقيم خارجها يستمتع بالتحقق أخيرا
الإحتراق بالأم
لكن ، لماذا النار ؟ هل كانت معادلا موضوعيا لأمه التي قال فيها
يا حضنا مزمنا " ص 64
للموقد صلة بالطفولة، حبل سري يصل الأيام الأولى بالخاتمة " موقدا بعيدا خالدا " هل يقصد أمه تحديدا ؟
إن كانت هذه القراءة صادقة فإن البرد لن يكون إلا رمزا للحياة التي تخلو من الحياة
يا موقدي والبرد بالباب "ص 4
كما لو أنه يقول يا أمي - والحياة / الآخرون – بالباب.
هو ليس قريبا إلا من أمه التي تلتصق بذاته ، تلتصق بسؤاله الشرس ، لماذا أنا في الحياة ؟
لقد كانت الأم نافذة للحوار مع العالم ، إلا أن رحيل النافذة قطع الحبل السرّي للحوار.
رحيل النافذة جعل " الخيول الذهبية " قريبة جدا ، لقد تحوّل العالم الى برد مطبق ، وأصبح الحضن / الموقد بعيدا، يومض في حياة خرجت على الحياة. أذكر انطواءه الأخير، كان اعتراضا عاليا ضد حياة بلا حياة، لذا خرج منها الى جسده، الذي بدأ ينتفخ بأورام غامضة، إنها انتفاخات السؤال التي تنمو دمامل حول عنق الجدوى. كلما تصاعد برد العالم توهجت النار، بدأت نهايته تتجلّى أمام عينيه، يراها ويقترب
ماذا أقول لكم
أنا الذي تتنفسونه ذات يوم
دخانا يتصاعد للأعالي
ونارا تتلوى ص 58
الطفولة / الأم، الحضن / النار، ترتفع حدة الجدل الذاتي، حوار باطني بين الذات وصيرورتها، الجدوى التي تتجمد الحياة في عروقها، كما لو أنها تجربة أبي العلاء مرة أخرى، تصبح الحياة ضربا من لزوم ما لا يلزم. وإذا ما انتظر أبو العلاء نهايته فإن طه الطاهر تقدّم نحوها ضاربا بعرض الحائط أمة لا تزال تنظر للانتحار بعين غبية
ماذا؟
سأحرق نفسي
وأكون أنا … بلحمي
بدمي بلباسي الأنيق هذا
ساعة الصفر ص59
أصبحت النار هنا بابا للرحم، إنه يعود الى بدايته الأولى، محاولة في بدء علاقة جديدة مع الأم / النافذة. محاولة في إدامة الحوار، خلق معنى جديد للحياة، ذاك ان الحياة ليست كلّ شيء بهذي الحياة، وهذه إجابة لسؤال رمى به توفيق صايغ عقولا متحجّرة. هذا ضرب من صوفية وجودية، تحقق الذات حياتها في الآخرين، لكن خارج الجسد، كما لو أن الجسد حاجز بين الذات وممارسة كينونتها القصوى. إنها تجربة المتنبّي أيضا في
وإني لمن قوم كأن نفوسهم
بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
إلا إن التجربة عند طه الطاهر ارتفعت إلى أن الجسد عائق أمام تحقق الذات ، ليس فقط لمحدوديته ، وإنما أيضا لوقوعه في العالم كما هو في عقلية الآخرين . الجسد هنا لا يحقق التفرّد التام ، ولهذا تحديدا كان الاسم الحقيقي للذات يتحقق لحظة انفصالها " هو اسمي ذلك الذي يبتعد
.................
جبة الدرويش/ شعر وقصص- أعمال لم تكتمل للشاعر طه الطاهر، عمان- 2003
يا حضنا مزمنا " ص 64
للموقد صلة بالطفولة، حبل سري يصل الأيام الأولى بالخاتمة " موقدا بعيدا خالدا " هل يقصد أمه تحديدا ؟
إن كانت هذه القراءة صادقة فإن البرد لن يكون إلا رمزا للحياة التي تخلو من الحياة
يا موقدي والبرد بالباب "ص 4
كما لو أنه يقول يا أمي - والحياة / الآخرون – بالباب.
هو ليس قريبا إلا من أمه التي تلتصق بذاته ، تلتصق بسؤاله الشرس ، لماذا أنا في الحياة ؟
لقد كانت الأم نافذة للحوار مع العالم ، إلا أن رحيل النافذة قطع الحبل السرّي للحوار.
رحيل النافذة جعل " الخيول الذهبية " قريبة جدا ، لقد تحوّل العالم الى برد مطبق ، وأصبح الحضن / الموقد بعيدا، يومض في حياة خرجت على الحياة. أذكر انطواءه الأخير، كان اعتراضا عاليا ضد حياة بلا حياة، لذا خرج منها الى جسده، الذي بدأ ينتفخ بأورام غامضة، إنها انتفاخات السؤال التي تنمو دمامل حول عنق الجدوى. كلما تصاعد برد العالم توهجت النار، بدأت نهايته تتجلّى أمام عينيه، يراها ويقترب
ماذا أقول لكم
أنا الذي تتنفسونه ذات يوم
دخانا يتصاعد للأعالي
ونارا تتلوى ص 58
الطفولة / الأم، الحضن / النار، ترتفع حدة الجدل الذاتي، حوار باطني بين الذات وصيرورتها، الجدوى التي تتجمد الحياة في عروقها، كما لو أنها تجربة أبي العلاء مرة أخرى، تصبح الحياة ضربا من لزوم ما لا يلزم. وإذا ما انتظر أبو العلاء نهايته فإن طه الطاهر تقدّم نحوها ضاربا بعرض الحائط أمة لا تزال تنظر للانتحار بعين غبية
ماذا؟
سأحرق نفسي
وأكون أنا … بلحمي
بدمي بلباسي الأنيق هذا
ساعة الصفر ص59
أصبحت النار هنا بابا للرحم، إنه يعود الى بدايته الأولى، محاولة في بدء علاقة جديدة مع الأم / النافذة. محاولة في إدامة الحوار، خلق معنى جديد للحياة، ذاك ان الحياة ليست كلّ شيء بهذي الحياة، وهذه إجابة لسؤال رمى به توفيق صايغ عقولا متحجّرة. هذا ضرب من صوفية وجودية، تحقق الذات حياتها في الآخرين، لكن خارج الجسد، كما لو أن الجسد حاجز بين الذات وممارسة كينونتها القصوى. إنها تجربة المتنبّي أيضا في
وإني لمن قوم كأن نفوسهم
بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
إلا إن التجربة عند طه الطاهر ارتفعت إلى أن الجسد عائق أمام تحقق الذات ، ليس فقط لمحدوديته ، وإنما أيضا لوقوعه في العالم كما هو في عقلية الآخرين . الجسد هنا لا يحقق التفرّد التام ، ولهذا تحديدا كان الاسم الحقيقي للذات يتحقق لحظة انفصالها " هو اسمي ذلك الذي يبتعد
.................
جبة الدرويش/ شعر وقصص- أعمال لم تكتمل للشاعر طه الطاهر، عمان- 2003


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك