الرئيسية »  الـشـعــر»  الجبل الطائر

الجبل الطائر

عدد مرات المشاهدة :1257 - 07/ 8/ 2006

قاسم طلاع

الجبل الطائر


تأليف: كريستوف رانسماير  

ترجمة وإعداد: قاسم طلاع  
الجبل الطائر ( Der Fliegende Berg ) هي الرواية الجديدة للكاتب النمساوي كريستوف رانسماير، التي تلقفها قراءه بعد 11 سنة على صدور رواية " موربوس كيتاهارا " ( Morbus Kitahara ) عام 1995
أن الذي يتصفح هذه الرواية (الجبل الطائر) أول مرة يعتقد، أنها عبارة عن مجموعة من القصائد الشعرية تنحوا منحى قصيدة النثر. وعندما سؤول رانسماير، فيما إذا كانت هي كذلك. كان رده " خطأ.... أنها نص عادي كما هي النصوص النثريةـ هكذا كتبت هذه الرواية، ولكن ليس بسطور طويلة، وإنما قصيرة. وأضاف أنها تجربة جديدة كنت أفكر للقيام بها منذ فترة طويلة ". وبالفعل هي كذلك، وقد اعتبرها بعض النقاد على أنها شكل جديد في كتابة النصوص النثرية لما بعد " الحداثة ".
يعتبر كريستوف رانسماير ( Christoph Ransmayr ) واحد من أشهر كتاب النمسا المعاصرين بل أوربا، إلى جانب بيتر هاندكه، الفريده يلنيك، بيتر توريني، غينتر غراس، مارتين فالزر، كريستا ولف، والهولندي سيس نوتبوم ( Cees Nooteboom ). وقد ترجمت رواياته إلى أكثر من عشرين لغة.
ولد في مدينة فلز من عام 1954.
إضافة إلى موربوس كيتاهارا، التي صدرت عام 1995 " والجبل الطائر" ، التي صدرت هذا العام، صدرت له، أيضا، " العالم  الأخير " عام 1988  " أهوال الجليد والظلمة " عام 1984.
في هذه الرواية يقص علينا رانسماير حكاية اثنين من الإخوة يقومون برحلة من الساحل الجنوبي الغربي لايرلندا، باتجاه جبال الهملايا، يحملون معهم حلما يريدون تحقيقه: الوصول إلى أعلى قمة جبلية لم يصلها أي إنسان لحـد الآن، قمة جبل " فور ـ ري " ( Phur-Ri ) ومعناها باللغة العربية " الجبل الطائر " .... في النهاية يعود واحد فقط من الإخوة، وهو الذي يروي ا لحكاية بضمير " الأنا "، والآخر يبقى مدفونا تحت الجليد. أدناه الفصل الأول من روايته الجبل الطائر.
القيامة في خان ( Khan ). شرق التبت، القرن 21

فقدت حياتي
على ارتفاع 6840 متر عن مستوى سطح البحر
في الرابع من شهر أيار في عام الفرس ( الحصان ).
مكان موتي
كان يقع عند قدم نتأ صخري مدرع بالثلج،
في المكان الذي كنت قد حاولت فيه، في الليلة الماضية، 
حماية نفسي من عاصفة رياح.
كانت درجة حرارة الهواء عند ساعة موتي
30 درجة تحت الصفر،
في اللحظة التي رأيت فيها بلورة رطوبة أنفاسي الأخيرة،
مثل بخار، حينما يتطاير عند طلوع الفجر.
تجمدت أوصالي... ومع هذا لم أحس بألم.
الغريب في الأمر،
أن نزيف الدماء من جروح يدي اليسرى كان قد توقف
على أثر الخدر الذي أصابها،
وعبر هوة عميقة لا قرار لها، كانت تمر من تحت أقدامي
سحب قادمة من الجنوب الشرقي.
المنحدر الحاد، الذي يبدأ من مكان ملجئي، ممتدا،
ليتصل بقمة الهرم الجبلي،
كان قد فقد أثره جراء تراكم طبقة جليدية على أثر هبوب الرياح،
لكن السماء، فوق أعلى قمة، بقت محتفظة بلونها الأزرق الغامق،
مما دفعني الظن بإمكانية رصد كواكبها:
Bärenhüter، الأفعى، العقرب
  
ولم تنطفئ النجوم،
عندما أشرقت الشمس وبعثت بأشعتها على ذلك المنحدر الثلجي،
وأغمضت عيني،
رأيت نبضات وميضها.
حتى الخطوط، التي كانت على جهاز القياس الحراري
الذي سقط، في لحظة ما، من قفاز يدي،
هابطا على تلك السحب،
بقت  موسومة على شبكة جلدي :
قوة ضغط الهواء، الارتفاع عن مستوى البحر، درجة الحرارة....
وكل قيمة قياسية أخرى للجهاز المفقود
وحينما بهتت هذه الأعداد في بادئ الأمر،
بعدها تبعتها النجوم،
وانطفأ، في الآخر، كل شيء، عندها سمعت البحر.
عاليا فوق السحب وفي ذلك الفراغ اللامتناهي
فقدت حياتي،
عندما كنت قد سمعت تلاطم الأمواج
وشعرت برغى المياه القادمة من العمق متجهة بسرعة نحوي،
تلامس جسدي
وبقوة....
حملتني، ثانية، نحو القمة،
التي بدت وكأنها ساحل صخري مغطى بالجليد،
قبل أن تختفي.
إن صوت وابل الحجر المتساقط،
الذي من ضرباته كان قد صنع جروحا في يدي.
ونفحة نسيم الرياح....
ودقات قلبي...
كانت كلها قد اختفت في تلك الأمواج.
هل كنت في قاع البحر...؟
أم على قمة الجبل...؟
لقد عرفت اليوم،
أن محاولتي للخلود إلى الراحة،
كادت تقودني إلى نهايتي...
فلم يكن مجرد شعور بالتعب، كما كنت أتصور،
أو هذيان أو ربما غياب الوعي...
ولولا سماع صوت وضحكة،
لكان نصيبي الموت المحقق:
انهض...!
كان هذا صوت أخي.
كنا قد فقدنا بعضنا البعض،
بسبب سؤ الأحوال الجوية في الليلة الماضية.
أنا، كنت، قد فقدت حياتي.
أما هو فقد وجدني.
فتحت عيناي. كان يجلس إلى جانبي
احتضنني بذراعيه. أنا على قيد الحياة.
نبضات الشريان كانت تتوالى بدبدباتها
في جروح يدي،
وقلبي...
لو عدت اليوم بذاكرتي إلى تلك الليلة القمرية،
التي أنا وأخي عند انحدرنا إلى العمق سوية
من قمة جبل فور ـ ري " Phur-Ri "، الذي كانوا بدو Kham قد أطلقوا علية اسم:
الجبل الطائر،
عبر منحدرات جليدية وعرة،
في واحدة منها
فقد واحد منا الآخر....
حينما أفكر عن متاهات هذه الطرق الجليدية
وعن هذا العالم المأهول بالسكان،
الذي كان يقع في مكان ما في العمق، تحت تراكمات هذه السحب،
أرى دائما نييما ( Nyema ) أيضا.
أسمع صوتها الهادئ
وخشخشة قلادة المرجان والصدف مثل سلسلة دائرية حول رقبتها،
وأحس بدفء يدها،
أرى نييما
وكأن ذراعها،
وليس ذراع أخي،
التي كانت قد احتوتني في ذلك الحين:
لا أحد، سمعت نييما تقول،
لا أحد يموت في طريقه، سوى مرة واحدة.
نييما دولما: كم كانت هي صبورة....
مثابرة ذو نفس طويل.
فإذا ما قالت لي كلمة بلغتها لم أفهم معناها،
تحاول بأسلوب متقن شرحها لي.
كم هي دافئة أنفاسها،
حينما كانت تتهجي لي حروف أسماء النباتات
في أذني. 
ضفائر شعرها تعط منها رائحة صوف البقر" Yakwolle "
ودخان،
وأثناء ما كانت تتحدث،
كانت تكتب بأصابعها،
إشارات على ذراعي، على ظهر يدي ـ
خطوط حلزونية أو متموجة وأحيانا أخرى دوائر.
انهض...!
فقدت أثر أخي
في وسط عاصفة ثلجية،
كاختفاء القمر تحت موجة سقوط مياه سوداء.
العاصفة التي كانت قد انتزعتنا بعضنا عن البعض،
طاردتني، وسط ظلمة، لم أر فيها سوى أشعة ضوء المصباح الذي كان
على جبهة رأسي،
وكانت قد تخللت الكريستال الجليدي،
عند ظل الرياح حيث شموخ النتوءات الصخرية،
هناك تمكنت في الحفاظ على حباتي حتى طلوع الشمس.
 
انهض...!
جلس أخي على ركبتيه إلى جانبي.
احتضنني بين ذراعيه.
نهض بصعوبة
وحاول، أيضا، أن يرفعني من الأرض بيديه.
ضحك.
محاولا الهروب من حيرته.
كان اكتساء وجهه للقناع الثلجي
قد صنع منه شكل مخيفا.
كم ساعة مرت منذ افتراقنا...؟
كانت الشمس مرتفعة عند حافة المرتفع.
السماء: صافية خالية من السحب.
وعند ظل النتوء الصخري،
ظل مكان ملجأي: ريح هادئة.
بقيت على قيد الحياة.
ثلوج تتساقط
ثلوج سوداء:
مثل فحم،
من نيران أوراق ممزقة غير مرئية
تتهاوى نتفا سوداء
من سماء صافية خالية من السحب.
ولكن....
عندما سقطت واحدة من هذه النتف
على قفاز
يد أخي الجامد ( المغطى بالجليد )،
وأخرى على كتفه،
على صدري، على جبيني،
رأيت شعيرات مجس ( Fühler  )...!
رأيت مفاصل حشرات نحيفة.
أجنحة:
داخل جدار جليدي،
هذا الجدار الذي ضاعف من كبر عيونها،
خراطيمها وشعيرات أجنحتها،
كانت تتساقط،
فراشات ميتة
علي وعلى أخي
ابتدأت بأعداد قليلة، ثم تكاثرت
فغطت السماء بعتمتها.
بعض من هذه الرمم الميتة
كانت تتكسر عند سقوطها على صدري،
على قفاز يد أخي
واعتقدت،
أنني اسمع صدى ارتطامها.
صدى ارتطام...؟
لا... بل صمت
محاط بهدوء كلي.
من السماء... من عمق أعاليه،
كانت تتساقط فراشات جامدة، فراشات أبوللو (Apollofalter )،
شبيهة بتلك التي رأيناها في وديان خام ( Kham )،
في مجاميع كبيرة
فوق الأعلام المقدسة التي رفعت من اجل الصلاة
فوق دير رهبان كان قد تحول إلى أنقاض،
فوق بحيرة جليدية،
وغابة " Rhododendren ".
كنت في حالة من التعب، حالة لا يمكن وصفها.
أردت أن أبقى مضطجعا.
أن أرقد ... أن أنام
أنام....
انهض...؟
شد أخي على يدي، جذبني إلى الأعلى،
إلا أنه تراخى وسقط معي على الثلج.
تكورت بين ذراعيه،
على ارتفاع 6840  مترا فوق مستوى البحر
وتطلعت، عبر زوابع نتفف معتمة،
على العلم فوق قمة جبل فور ـ ري ( Phor-Ri )،
على قمة الجبل الطائر الساطعة،
التي كتبت أسماءنا في الثلج عليها
بمقبض معول كسر الجليد...
أنا كنت على قيد الحياة.
هل تعتقد، أنك كنت نائما،
سمعت نييما ( Nyema ) تقول ورأيتها،
كيف كانت تهز بين ذراعيها الرضيع تاشي ( Tashi )،
الذي كان يبكي،
تعتقد أنك كنت نائما... تحلم،
ومع هذا كنت ميتا: بعيدا.
كنت ميتا ورجعت،
لأن يدا كانت قد سحبتك،
وصوت أعاد إليك ذاكرتك.
كانت نييما، أحيانا، تضحك أثناء حديثها.
أعتقد، بأن مزاجها هذا،
قد برهن لي ( دلل )، بأنه في ذلك الصباح
تحت قمة جبل بور ـ ري
لم تكن كلمات أخي،
التي طلبت مني أن أعود إلى الحياة،
وإنما ضحكته.
احتضنني بين ذراعيه
وهو يضحك مناديا بصوت عال:
ظهرت...!
الفراشات ظهرت...!
انهض...!
فعل هذا، وكأنه أراد في هذه الضحكة
أيضا أن يحرر أصوات وكلمات أخرى من صمتها المطبق:
صوت صرير حذاء تسلق الجبل
على صخور مغطاة بالجليد،
وصوت طنين الآذان في الرأس،
ولغط أنفاسنا الشبيهة بلهاث حيوان
في وسط طبقة هوائية خفيفة على ارتفاع عال.
ربما كان أخي ينظر إلى عيني،
كي يلفت انتباهي إلى حديثه المستمر معي
ليعود بي، جملة بعد جمله، إلى حياتنا السابقة.
كان سريع الكلام لحوحا في حديثه معي،
بدا وكأن كلامه هذا هو الفرصة الأخيرة،
للوصول إلي،
وإلا كنت سأغيب عن الوعي إلى الأبد،
إذا سكت.
من مسافة غير بعيدة
سمعته يقول:
هل تتذكر.....،
ألا زلت تتذكر...
يجب عليك أن تتذكر...
تذكر.
وحينما أغلق عيني،
يكرر النداء باسمي،
إضافة إلى أسماء وجهاء
قبيلة نييما، وأسماء الطرق أو الممرات،
التي كنا قد اجتزناها، بأسابيع، أثناء سيرنا
للوصول إلى الجدران الجليدية لجبل فور ـ ري ( Phor-Ri )،
أسماء... أسماء... هل تسمعني،
هل تتذكر....؟
انهض....!
في مسيرتنا هذه
رأينا أفواج من الفراشات
ممتدة إلى مئات من الأمتار تتراقص.
كانت تطير على ارتفاع أعلى قمم جليدية في منطقة غير مسكونة،
وعبر جداول مياه ثلوج ذائبة تجري في عمق وديان، 
للوصول إلى مصدر غذائها، بعد هذا المد الجليدي، إلى مستنقع بنبض بالحياة،
أو ربما كانت قد دخلت في متاهات طريق كانت قد سلكته قبلا
طريق تحمله، ولا زالت، في ذاكرتها،
يعود إلى تلك الحقبة الزمنية،
التي كانت لا وجود للجبال فيها،
وإنما، فقط، هضاب خصبة مثمرة.
أتسمعني...!
انهض...!
مرة ما، كان هذا بعد ظهيرة يوم ما،
في ذلك اليوم رأينا فيه، أول مرة، من بعيد، قمة فور ـ ري
شامخة أمام أعيننا
خالية من السحب
ورأينا، أيضا،
كيف أن سرب من أسراب هذه الفراشات،
وعلى أثر حدوث تقلبات جوية،
فوجئت بتيار هوائي دافئ دفعها عاليا إلى نقطة بعيدة الرؤيا،
إلى الموت،
عادت بعدها، كل واحدة منها مطوقة بطبقة جليدية،
تتساقط وكأنها نتف من الثلج.
تذكر....
نييما.... لقد كانت نييما،
التي قالت،
بأن أخي، في المكان الذي التجأت إليه، وفي ظل الرياح،
الذي حاولت فيه حماية نفسي،
هو الذي أعادني، من خلال حديثه، المستمر معي، إلى الحياة
عندما بدأ يكرر، على وتيرة واحدة،
من الماضي في صيغة الحاضر، أسماء
تحمل ذكريات عشناها سوية كان من الصعب نسيانها،
هذه الأسماء، هي التي كانت قد طلبت مني الرجوع من مكان بعيد
كنت قد اختفيت فيه.
لازلت أتذكر، بأنني حاولت
أن أتتبع سقوط الفراشات،
إلا أنه، وعلى غرة، أصابني دوران شديد،
وكانت الجملة الأولى التي لفضتها، بعد جهد، وأنا بين ذراع أخي،
كانت مجرد سؤال:
هل هي ميتة...؟
وأنا لازلت أتذكر، بأن أخي
من دهشته ( المفاجئة ) جراء استيقاظي هذا
أو  ربما على أثر سقوط الرمم المدرعة بالجليد،
دخل في دوامة من الضحك
غطت وجهه موجة شبيهة بالسحابة
من جراء البخار الذي كان بخرج من فمه صائحا:
لكنها تطير...! أنها لازالت تطير.
كان أخي قد مات.
منذ أكثر من سنة وهو، الآن،
تحت الثلج مدفون،
عند قدم الجدار الجنوبي لفور ـ ري،
على أثر انهيار ثلجي أثناء
انحدارنا من قمة هذا الجبل التي دامت في حينها ثلاثة أيام وليلتين،
والصعوبات التي اعترضت طريقنا...
عدم الرؤية الواضحة جراء انعكاس أشعة الشمس على الجليد،
دخلنا في متاهات
ضعنا طريقنا وضاع، مني، أخي.
أعتقد أن نييما كانت أول من أخبرني،
بعد اسبوع من وقوع هذا الحدث المفجع:
أثناء ما كانت تمسح رؤوس أصابعي المضرجة بالدماء
وجروح يدي التي كانت تلتئم ببطء بسائل لزج،
قالت: لقد مات أخوك.
مات...
كان قد احتضنني بين ذراعيه
أثناء سقوط أسراب تلك الفراشات الجامدة.
كان قد أدفئني
وأعادني إلى الحياة
ثم....
آلام غير منقطعة
على أثر انقسام تلك الكتل الثلجية من الحائط الجنوبي
لفور ـ ري والسقوط إلى العمق من قمة ( حائط ) لم يتسلقه إنسان قبلنا.
نسيت....
ولم أتذكر لحد الآن،
كم من الساعات كنت قد حفرت في تلك الكتل الثلجية
في البحث عنه.
كنت قد فقدت كل أظافر أصابعي،
عندما عثر علي واحد من رعاة قبيلة نييما،
أثناء ما كان يبحث عن بقرة ( Yak )
تاهت عنه بالقرب من موضع منعزل.
كانت يدي سوداء
أصابع أرجلي سوداء من شدة البرد
إلا إني كنت على قيد الحياة.
لازلت أتذكر تلك الآلام المبرحة،
عندما وضعني الراعي على أغصان شجرة ودثرني بالفرو
وربطني سوية بحزام جلدي،
وأثناء ما كان يردد ألحان غنائية رتيبة بصوته المبحوح،
سحبني من العمق.
أردت الجلوس،
كي أمسك المغني.... ألمسه،
لأتأكد بأنه كان جسما... وشكلا حقيقا،
وليس أجسام أو أشكال وهمية... خيالية،
مثل التي رافقتني وأنا في طريقي إلى السقوط،
والتي كانت تتحول إلى ثلج، إلى حجر،
وإلى سحب.
أردت أن أحتضن هذا المغني،
أن أعانقه،
إلا أنني اكتشفت،
بأنني ليس سوى ثقل مطروح على حمالة
غير قادر على الحركة،
وليس لديه، حتى القدرة، على تناول الشاي وزبد البقر ( Yakbutter )
وخبز الشعير المحمص.
كان على المغني أن يطعمني.
اليوم،
وأنا على جزيرة ( Hors )،
أثناء سيري في بيت أخي،
الذي تخترقه أشعة الشمس،
من غرفة خالية إلى أخرى،
وأنا أرى، من خلال زجاجة النافذة،
التي تكلست من جراء رذاذ تلاطم مياه الأمواج المالحة،
تلك السواحل الناتئة، شديدة الانحدار،
التي نتجت من تلاطم مياه المحيط جراء هبوب رياح شديدة،
عرفت اليوم، بأن ضحكة، ربما، تعيد لنا الحياة،
لكن ليس بمقدورنا الاحتفاظ بها أبدا.
أن الذي يجعل نييما.... قبيلتها...
وأنا....
ومعظم البشر، تمسكنا بالحياة والبقاء عليها،
هو أنه، أينما نكون نحن،
أن لا نكون لوحدنا:
أن يكون هنا دائما شخص آخر،
يشعر بوجودنا، وأن لا يتركنا
أو ليس بمقدورنا تركه،
شخص ، في ذاكرتنا،
بين الخوف والأمل،
يحتضننا.... يدفئنا.... بطعمنا
أو بصوت مبحوح يغني لنا،
على حمالة  من غصن أشجار وفراء
يجرها فوق ارض صخرية.
كان الراعي يحتاج، بعض الأحيان، إلى جهد عضلي
للعبور بي إلى الجانب الآخر من جدول مياه الثلوج الذائبة،
واجتياز الحواجز الصخرية أو الطرق الجليدية.
وإذا ما حدث، أثناء هذا، وأن وقعت حجرة صغيرة أو قطر ماء
على يدي السوداء العديمة الأظافر
أو على قدمي، أصرخ بأعلى صوتي من جراء الألم.
لن يربكه صراخي هذا،
وإنما كان قد جعل كل صرخة من الألم
تنطلق من أعماقي،
نغم جديد....
يعيد صياغته بترانيم صوته المبحوح
وبلحن غنائي أحس فيه وكأنني في عالم أخر
كان قد قادني إلى نوم عميق.
استيقظت،
عندما حاول رفعي من الحمالة
أمام خيمة سوداء
وكنت لازلت اعتقد،
بأن هذا الوجه هو وجه أخي.
مثل بناء متين
كانت الخيمة قائمة في وسط دائرة سماوية
غطيت بالسحب
ومحاطة بوجوه بشرية:
كانت وجوه منقذي الضاحكة... الفضولية... الحذرة
والمذعورة.
كانوا ينحنون عبر آلامي،
عبر إنسان غريب أصيب بحروق من الشمس وصقيع الثلوج
ملقيا عند أقدامهم ويداه قد تخثر عليها الدماء
قال المغني
كان قد سقط من الجبل الطائر
من السماء
على الجليد.
 

 



شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل