الرئيسية »  الـشـعــر»  في صباح يوم بارد

في صباح يوم بارد

عدد مرات المشاهدة :1589 - 10/ 12/ 2006

قاسم طلاع

في صباح يوم بارد

 1

في الصباح،
حينما أستيقظ على صوت أقرب محطة " باص "،
ودقات ناقوس كنيسة،
وأطل برأسي من نافذة غرفتي،
أرى وجهك،
بغداد،
الحزين.

في الصباح
حين أرى محل الجزار يفتح أبوابه،
ودقات ناقوس كنيسة ضاحيتنا،
أتذكر خالد القصاب، وكلابنا السائبة،
تستجدي عظما منه.
ودكان أبي،
وصوت مؤذن جامع ( الفضل )....

( مات أبي،
وكلابنا السائبة لا زالت تستجدي....
عظما.)

2

على هذا الصوت


( صوت ناقوس الكنيسة )
أستعيد، كل يوم، في الغربة، هاجس الموت وذكريات تلك الأيام التي مرت وأوراقها المصفرة الوجه، التي لازالت تنتظر عند عتبة بابنا الذي، أشعلوا النار فيه، واغتصبوا ..... التي ما زالت ملقية تنتظر أمام قدسية مقبرة "الشيخ عمر" وبيوت الدعارة في منطقة الميدان وسوق الخضار (الفضل) المحاذي لشارع الكفاح، الذي كان فيه صوت عبود الأعور يدوي "عل السجين" ومقهى "الحاج إسماعيل"، التي كانت كراسيها ملاصقة لحائط مركز الشرطة، الذي تحولت غرفه في الثامن من شباط عام 1963 إلى مجالس تحقيقيه، ومكان للاغتصاب، وساحة لقتل الأبرياء.... وحميد "الاشرح" صانع التوابيت، الذي تحول في ليلة وضحاها إلى حرس قومي وقدم خدماته إلى سادته سكنت هذا المركز، وفراش مدرستنا، الشهيد هاشم ( كنا نسميه هاشم الأعور )، الذي عثر عليه جثة ممزقة في واحدة من صفوفنا في أيام شهر شباط الباردة، الذي قيل عنه، بأنه كان يضع، سرا، بيانات الحزب الشيوعي العراقي في بعض أماكن جلوس الطلبة "الرحلات" في صفوف مدرستنا.

هؤلاء كنت قد تركتهم بحروفهم الأولية على ورقة في واحدة من ثقوب حائط بيتنا، الذي تهدم أو، ريما، هدم عليها، قبل الهروب من سلطة القمع والقتل. كانت أختي قد أخبرتني عنها، مؤخرا، بأنها قد عثرت عليها، عندما سقط صاروخا أمريكيا على بقايا هذه الخريبة، إلا أنها لم تتمكن من قراءتها لمرور الزمن علبها واختفاء بعض من حروفها (ربما الغبار هو الذي دفن آخر أثر لهذه الحروف).

3

كانت البيوت تنتظرها الحرائق

لم تنتظر طويلا، بعد أن تنبأت الغجرية وهي تنفض أحجارها الصغيرة المخلوطة بالخرز الملونة " شكلا ولونا من كيسها المرقع الصغير على الأرض وهي جالسة وسط الدار التي كانت تسكنها أمي مع أولادها السبعة.
احترقت الدار ومعه العمود الذي كان يسند سقفه، بعد أن تحولت، مباشرة، مديرية الإطفاء إلى مقر للحرس القومي...!! واحترق دار " بدرية الخبازة " ، أيضا، لأنها باعت الخبز للفقراء (خبز الإعاشة الذي كان سعر الرغيف لا يتجاوز الخمسة فلوس). أما صبيحة، التي قتل زوجها، في شمال العراق (كردستان العراق)، واختفاء ولدها جاسم الشرطي في واحدة من سجون الاستخبارات العسكرية بتهمة التجسس لصالح دولة أجنبية، فقد اضطرت الجلوس عند " الوكفة "  ومعها قدرين، واحد للرز والآخر للمرق ( وفتحت مطعم على الأرض)، حيث يجلس العمال حولها لتناول صحنا من الرز والمرق بسعر رخيص، ربما لا يتجاوز العشرة فلوس. رأيتها تبكي، وكان العمال جالسون من حولها يتناولون طعامهم، سألتها ما الذي حدث...؟ فكانت إجابتها، أعدموا جاسم وعلقوه على خشبة في ساحة التحرير. 

4

الوكفة

" الوكفة "  هي بداية سوق الفضل .... كان مكان أو ربما لازال يجتمع أو يلتقي فيه فلاحون تركوا أرضهم وتركوا أنفسهم ينتظرون من يأخذهم للعمل كعمال بناء أو (حمال)...... في المساء وعند العودة من أعمالهم يقضون ليلتهم في خان "مرهون أبو الثلج"، الرجل الوحيد، الذي كان يبيع الثلج، أيام الصيف، في منطقة الفضل والمكان الوحيد الذي يأوي إليه هؤلاء المسحوقين لأجوره الزهيدة قريبين من هذه.... الوكفة...!!

5

الانتظار

والدتي رغم موتها،
لا زالت تنتظر الغائب،
بلباسها الأسود الممزق،
عند باب دارنا الذي تحول إلى خرائب تأوي إليها الكلاب السائبة...

بدأت رحلتها الأولى في الانتظار، عند زيارة الحرس القومي إلى الدار في يوم من أيام شهر شباط القارص.... وقطار الموت الذي توجه نحو " نكرة السلمان " تحت حرارة الشمس القاتلة وأمام سجن رقم واحد في معسكر الرشيد وباب سجن الحلة وبعقوبة...... وخمسة وثلاثون سنة تحت سلطة طاغية ( الذي أصبح، في ليلة وضحاها، ألابن المدلل لكل إدارة أمريكية جديدة تأتي إلى البيت الأبيض )..... هي الرحلة الثانية في الانتظار، عندما بدأت رائحة الموت تشم في كل مكان، كانت أمي تنتظر، ربما، أمام:
واحد من مقرات الاستخبارات العسكرية أو مديرية الأمن العامة...
أو... في الفجر وقبل شروق الشمس، أثناء فريضة صلاة الصبح....
أو.... على مشارف أبواب محطات هذا العالم.
أملا في عودة الغائب.

كان انتظارها هذا يشبه عملية حسابية غير متناهية، والتي سميته " انتظار رحلة الصيف والشتاء ـ المتكررة ـ " التي فقدت حياتها في واحدة من أيام تلك الفصول الصباحيةـ التي كانت فيها قطرات الندى  على شجرة البلوط تتساقط مخترقة ذلك الشعاع الشمسي ( الضبابي )، الذي كان يدفع بخيوطه القاتمة، عنوة، إلى تلك الغرفة المظلمة، من خلال تلك الدائرة الصغيرة ( الكوة )، حيث كانت هذه الحفرة الجدارية الوحيدة، بمثابة نافذة كانت تربطها بالعالم الخارجي.

 6

خرائب الموت في كل مكان

في الصباح،
عندما أدير موجة التلفاز
على محطة ( Euronews )،
أرى صورة:
أم حزينة،
وطفل مقتول، وجثة عامل مشوهة، وعاطل يبحث عن عمل.

أرى الموت،
وكأنه قد استحوذ على كل حركة من حركات شوارع بغداد الحزينة وكذلك أنفاسي المتعبة، التي اختنقت عند أول رصاصة خرجت من فوهة مسدس لتحطم ذلك الوجه الشاحب في حركته البطيئة.




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل