+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

مريضة فوق العادة

[من يوميات مترجم طبي سابق]

رشقة أولى:

فجأة وجدت نفسي في موقف تراكوميدي، حين استدعيت للترجمة في أحد أقسام الأمومة والطفولة.

وجدت فريقا كبيرا من الممرضات والمساعدين وطبيب، في غرفة أشبه بغرفة العمليات.

شرح لي الطبيب الحالة التي يريدون مساعدتي فيها.

كان الطبيب يشرح بكل جدية، بينما أنا أجاهد نفسي كي لا ينفلت مني عقال الضحك الهستيري الذي خذلني عدة مرات!

حمدت الله على أنني تجاوزت الموقف بسلام، ولم تخني العزيمة في مقاومة رغبة الانفجار ضحكا. بعد ان فرغ الطبيب من كل ما كان يود قوله، أعلنت انني جاهز، وبإمكاننا ان ننتقل الى غرفة العمليات متى شاء!

في غرفة العمليات

كان في الغرفة رجل وأمرأتان احداهما مريضة ترقد في السرير.

والغرفة هي ليست غرفة عمليات بالمعنى الطبي، لكن تلك الغرفة كانت الاستثناء، ربما الوحيد، التي قرر الطبيب أن يجري فيه “عملية” لتلك المرأة، حيث لا يتطلب الأمر أجهزة مراقبة ولا خط وريد للتغذية والأدوية الوريدية.

بعد ان ألقيت على الحاضرين التحية ونطقوا ببضع كلمات، فهمت انهم عراقيون، وانهم لاجئون قدموا حديثا الى الولايات المتحدة. وقبل أن نتحدث في أي شيء، طلب الرجل من الطبيب أن يزوده بتقرير موجه الى دائرة الهجرة يثبت ان زوجته مريضة نفسيا، وانه يريد ان يعيدها الى العراق. قال الطبيب ان هذه ليست أولوية بالنسبة له، وان بإمكانه ان يناقش الموضوع حين ينتهي مما هو أهم.

صلب الموضوع

المرأة حامل في اسبوعها السادس والعشرين. وقد مضى عليها عدة أيام لم تذهب الى المرحاض لقضاء الحاجة. جلبوها الى المستشفى، وبعد اجراء فحوصات عديدة، اكتشفوا ان في مصران المرأة قطعة “براز” جامدة كالصخر، وليس من السهولة دفعها من المخرج، مع انها تقف عند فتحة الشرج. وبما انه ليس هناك أية وسيلة أخرى يمكن معها اخراج قطعة البراز سوى العمل اليدوي، لذلك كان على الطبيب استخدام يده للقيام بالعمل، خشية ان تسبب أية آلة الى جرح أو خدش شرج المرأة. وبعد صرف ساعات طويلة من النقاش والمفاوضات، اقنعوا المرأة في ان تستسلم لأوامر الطبيب. لكن، ما ان شرع الطبيب في اخراج قطعة صغيرة من البراز، حتى قفزت المرأة من سريرها وفرت مذعورة تركض في جميع الاتجاهات. لم يدر الطبيب ماذا يمكن أن يفعل. المرأة تشعر بألم شديد في بطنها لعدم ذهابها الى المرحاض للتبرز. والحميع قلقون على صحة الطفل، كونه في مرحلة حساسة من الحمل. في تلك اللحظة كان لا بد من القيام بعمل ما.

عملية الثعلب

جريا على عادة القادة العسكريين في تسمية عملياتهم العسكرية، فقد تصورت ان الاجتماع الذي عقده الطبيب في غرفة العمليات، وتم استدعائي اليه لاحقا؛ انما هو بمثابة القيام بعملية عسكرية خاطفة، يطيب لي أن أطلق عليها عملية الثعلب.

فالخطة كانت تقضي بأن تكون العملية سريعة وخاطفة ويتم خلالها “ضرب” الهدف وتدميره بأقل الخسائر.

وهنا جاء دوري للانخراط في قوة “تحرير” “…..” تلك الماجدة العراقية.

المفاوضات مع تلك المرأة كانت طويلة وشاقة. كانت توافق مرة وترفض عشرات المرات. هذا لأن الطبيب لا يستطيع القيام بواجبه دون موافقة المريضة. زوجها كان عصبيا ومحرجا ويتمنى لو تركوه للقيام بالعمل بنفسه، وعلى الطريقة العراقية. لكن كادر التمريض والمساعدين أضفى على الجو بيئة مختلفة، الى حد ما، عن البيئة العراقية، لذلك كظم الرجل غيظه على مضض. حاولت من جانبي ان أخفف من شدة التوتر التي تسود الجو، وهو ما كان يحتاجه الفريقان بشدة، نظرا لتفاصيل تتعلق بالتقاليد والعادات التي يراعيها الطبيب.

حين وافقت المريضة أخيرا، وبعد شق الأنفس، تنفس الطبيب الصعداء، وبدأنا الحديث حول التفاصيل. هنا طلبت المريضة أن يمهلها الطبيب خمس دقائق قبل العملية. فزع زوجها وطلب من الطبيب ان لا يمهلها ولا دقيقة واحدة، موضحا انها تريد الدخول الى الحمام واغلاقه على نفسها. نسيت ان أذكر ان الطبيب أخبرني، حين كان يطلعني على تفاصيل القضية، ان عمر المرأة هو واحد وثلاثون عاما، لكنها تتصرف بعمر سبعة أعوام!

حين أرغمت المرأة على القبول بالأمر الواقع، حمدت الله، على ان مهمتي انتهت، وان بامكاني الخروج من الغرفة التي كانت عبارة عن مرحاض طافح تزكم رائحته الأنوف!

السر

حدث كل ذلك يوم أمس، وقد استغرقت في تقليب الموضوع سحابة ذلك اليوم وأجزاء متفرقة من الليلة الماضية. كان ذلك بالطبع بالضد مما عودت نفسي عليه مهنيا، وهو ان اترك كل ما يتعلق بالعمل في مكان العمل، والا لاستحالت حياتي جحيما. لكن غرابة تلك القضية وفنتازيتها لم تبارح بالي، وانا أقلب شؤون وشجون العراق والعراقيين.

حين جئت الى العمل صباح هذا اليوم، كنت قد تخلصت نهائيا من بقايا قضية الأمس. بدا اليوم اعتياديا كأي يوم عادي. رن جرس الهاتف، وعلى الطرف الآخر كانت ممرضة من غرفة العمليات تطلبني للمساعدة، وهذه المرة كانت غرفة العمليات الحقيقية. توجهت من فوري، دون ان تكون في رأسي أية أفكار، كون ان هذا روتين يومي في العمل. حين وصلت الى غرفة تجهيز العمليات، فوجئت بأن المريضة هي صاحبتنا مريضة الأمس. كانت طبيبة التخدير كورية الأصل تسأل المريضة حول سبب أزمتها الصحية. قال زوج المريضة انها التهمت كيسا كبيرا من حب الرقي! مد الرجل ذراعه وقال: كيس بهذا الحجم، مليء بحب الرقي، وقد كانت “تقرطه قرطا”!

كانت هناك شبه ابتسامه على وجه المرأة المرافقة، اخت الزوج. وكانت تنتظر منا أي اشارة تشجيع لتنفجر ضاحكة، لكن الضوابط المهنية لا تسمح بمثل هذا الأمر.

وبهذه المناسبة، فقد صادفت في طريقي ذات يوم أحد المرضى، وهو مغربي، فأحببت أن استفسر ان كان بحاجة الى أية مساعدة، وهذا جزء من أسلوبي العام في العمل حين أرى أي شخص ذي ملامح عربية. كلمت الرجل باللغة العربية فرد على تحيتي. وحين سألته ان كان بحاجة الى أية مساعدة قال انتظر. ذهب الى مكان تواجد الممرضات والأطباء واستدعى طبيبا. جاء معه الطبيب نحوي. قال المريض للطبيب ان هذا الشخص، وهو يشير الي، بحاجة الى مساعدة. اعتذرت للطبيب وقلت له ان هناك سوء فهم لأنني انا من سأل هذا السيد ان كان بحاجة الى مساعدة. وفجأة وجدت نفسي في موقف دفاعي سخيف، لم أملك خلاله، الا أن تند مني رغما عني ابتسامة برم، كنت أذخرها لمثل هذه المواقف كإجراء وقائي أو دفاعي. لكن الرجل نظر الي بحزم وقال بأنه لا يحب ان يسخر منه أو يضحك عليه. ومرة ثانية وضعني ذلك الرجل في موقف ضعف لم ينقذني منه الا الطبيب وهو يخبرني بأن المريض يعاني من مشاكل نفسية.

وبعد ان استأذنت من الطبيب والمريض للانصراف لعملي، صاح بي ذلك الرجل أن أكون حذرا من المخابرات لأنهم في كل مكان!

على كل حال، فقد شرحت تلك السيدة المريضة كيف كانت تزدرد حب الرقّي أو البطيخ الأحمر بشراهة. وكان كلام المرأة يتطابق مع التشخيصات الطبية التي لاحظت تكلس حب الرقي في أسفل قولون المرأة، مما كان يستدعي وضع المريضة تحت التخدير الموضعي، والذي يجب أن يكون عن طريق حقنة تعطى لها في العمود الفقري، كي لا يلحق الجنين أي ضرر بسبب الأدوية المخدرة العادية.

بعد تردد وعناد طويلين وتوسلات من الزوج واخته، أذعنت المرأة للأمر الواقع.

وحين سألتها أخصائية التخدير ان كان لديها أي سؤال أو استفسار، سألت المرأة: هل بإمكاني أن أصرخ بأعلى صوتي حين أشعر بالألم؟!

7/20/2008

Comments are closed.