+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

التشكيلية الفلسطينية بثينة ملحم، تحوّل الثوب والقماش إلى رؤية فنية تشكيلية

تلاوين قماش تتشابك في زحمة الخيوط والخطوط والعلامات والدبابيس والإبر والمساحة المكتظة بالرموز على مسطح ثوب يشي بالكثير من المعاني يختزل تاريخا ومسافات ويعقّد ثنايا ويخلق تضاريس ملونة ومعتمة تحكي قصة وطن وأرض وواقع لا يخلو من الصراع الثائر ومن هدوء نسبي يتجاذب المساحة والتقسيم بين الانتماء والتفسخ بين البقاء والتهجير، تناقضات نفسية فجرتها التشكيلية الفلسطينية بثينة ملحم في تجربة فريدة خلقت محاورات فنية بصرية بين الثوب والهوية بين القماش والجغرافيا.

 ولدت بثينة ملحم سنة 1961 بقرية “عرعرة” فلسطين المحتلة، انطلقت تجربتها الفنية سنة 1995، شاركت في أكثر من 30 معرضا محليا وأكثر من 3 معارض دولية، تعمل في مجال الطفولة فهي مركزة للفنون بدار الطفل العربي ومرشدة مؤهلة لعدة مراكز، تركت أعمالها أثرا في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر معبرة عن الواقع مهتمة بالهوية والتراث وابتكار أسلوب تشكيلي فني من خلالها وهو ما مكنها من التميز عربيا ودوليا، لديها ما يقارب عن أحد عشر عملا فنيا بمجموعة الفن من أجل الإنسانية “بمتحف فرحات”.

 تحكي بثينة ملحم  في تجربتها الفنية من خلال الثوب والقماش عن ذاكرة معتقة التفاصيل موجعة المعايشة إذ تقيم علاقة سردية بينها وبين الخامات بين وجع الاشتباك مع الدبوس ومتانة الثوب وعراقته الغارقة في الحنين لتخلق تأملا واستبطانا ومحاولة لدمج الروح الفنية مع الموقف والإمساك بالشكل لخلق علامات بصرية ذات دلالة ومحاورة تعبيرية فنية إنسانية راقية.

تعتمد على الشكل والمواد لخلق المراوحة بينهما وتفعيل الفكرة الواضحة وتحويلها من المباشرة إلى الرمزية التي تتجلى في مجاز الأرض والمساحة لتحيل على فلسطين كمفهوم، فهي تحمل همّ المسافات لوطن تقسّم وتلون وتغير في الذاكرة جيلا بعد جيل ولكنه ثابت الهوية والقضية.

 “أشعر أن الثوب بدأ يكبر كفكرة إذ لم يعد يقتصر على الحجم الصغير في المساحة التي أريد التعبير من خلالها فقد أخرجته من الأكمام والشكل المعروف للثوب لأنه أصبح يعني في منجزي خارطة وجغرافيا اختزلت منه قطع التطريز لأن هذه المساحة منحته قدرة تعبيرية للدلالات التي أريدها في الفكرة والمضمون فالخيوط والابر والدبابيس صارت بصمة التعبير عن كل الواقع الذي يميز أسلوبي لأن من يرى الأعمال يعرف أنها تخصني بكل ميزاتها”، هكذا عبرت بثينة ملحم عن منجزها وفسرت أسلوبها المتمثل في تجسيد فكرة ترتكز على الإبرة والدبوس وخيوط الصوف وأشرطة القماش ومواد المطبخ الملونة كالشاي والقهوة حيث تغمس القماش في هذه السوائل مما يحدث لونا مختلفا له عدة أبعاد تشبه الأرض والتراب والبيئة الفلسطينية والعراقة والقدم والذاكرة، تقوم بتقسيم قطع القماش معتبرة فضاء الثوب جغرافيا متسعة المساحات الملونة لتحدد مقاطع تشكيلية تؤدي إلى منافذ غير محدودة ومسارات ممتدة تاركة الخيوط تتمازج معبرة عن حضورها في حواف القماش بشكل عقد تحاول التماوج داخل الثوب ما يحيل إلى استمرارية لا تحدها الصعاب وبحث متراكم الأفق يفتح السبل لمنافذ تخترق عتمة الضيق.

تجسد بثينة ملحم واقعها عبر مراحل مختلفة اعتمادا على تلك المساحات وتحكمها في الفضاء لتندمج المحاور ضمن نسيج واحد رغم الانفصال، فهي تختزل زخم العلامات في انكسارات معقدة التفاصيل تحيل على استفهامات يراد بها التمازج الانفعالي للمتلقي الذي يبحث في عمق المنجز عن جواب يفسر تلك التشعبات المادية وزخم حضور الخامات التي تجادل الحدة بالرقة في ترتيب يتحكم في المنافذ بانفعالات داخلية مستفزة  للذاكرة والصورة والواقع لتضع الفكرة المنجزة في مهب المعرفة فينصهر المتلقي في مضمونها الفني وبالتالي يخرج به من التناول الذاتي للفنانة إلى الإحساس الشخصي للمتلقي ما يخلق التواصل الفني المتبادل.

أثناء تشكيل منجزها وبلورة فكرتها تقص بثينة ملحم قطع القماش وتكثفها بترتيب بصري فكري وفوضى فنية جمالية على مساحة الثوب القديم وتلصقها على الثوب الجديد المزين بطريقة مختلفة والممزوج بالكلمات العربية المكتوبة بخط اليد والمطرزة بالخيط والإبرة انطلاقا من التطريز الفلسطيني العريق وصولا إلى تطريزها الخاص المبتكر والحديث والذي يشي بمعانيه في المنجز تلك القائمة على توترات نفسية تحاول أن تتجاوز فكرة الحدود ومحوها بصحو داخلي.

تتراكم التنقلات الحسية التي تحاول بثينة ملحم اثباتها في تلاحم الروح مع ارتعاشات الجسد في الرؤية المقدمة على الثوب كمساحة تضطرم وتصطرخ مع تكاثف الدبابيس وتشابك الخيوط وتقاطعات القماش المجزأ قطعا صغيرة تتراءى مع الواقع في صياغات بديهية تحكي وجع الجغرافيا وشتات التقسيم التي يتحمل صخبها الثوب كما يتحمل زخم الانفعالات المركبة التي تتجاذب أحاسيسها بين حنين وتمرد بين تآلف وتمزق وبين الحكايات التي تختزنها في مخيلتها بتفاصيلها.

 “القماش والخيوط والإبر هي تعبير عن الوضع السائد بين العرب واليهود في منطقتنا فالأدوات التي أستعملها تدل على الحزن والقلق أما الملابس فترمز إلى الجغرافيا التي نعيش فيها لذلك أعبر بمنجزي عن رغبة داخلية في كسر الحواجز.”

تصطنع بثينة ملحم داخل مناخات القماش لغة فنية تحاول الانفلات بصريا من تعقيدات المساحة التي تضيق في الفراغ وتجاذباته وانعكاساته مع اتساع منافذ التقاطع البانورامي من ذهنها إلى المنجز فالمتلقي الذي يقف بتأن أمام الأعمال في محاورة داخلية تحاكي الفلكلور ومعانيه المستبطنة والاحساس المشبع بالتذكر والحنين والواقع المتداخل، فالفنانة تحلق بفكرتها بعيدا عن تراكمات الخوف والتفسخ  كمحاولة تفكيكية التفاعل مع السطح تحيل على تشبث بالمكان رغم التمزق والتقاطع فهي تجيد الحياكة وربط المساحة بين القطع والدبوس والخيط والعقد والابرة والحرف والكلمات التي ترسّخ معان تنهض بالثوب من ركامه في توازن بين الماضي والحاضر والتناقضات الحاصلة بينهما من خلال مزيج اللون الذي ينزاح من الأبيض إلى الأصفر كأنها ترسخ من خلال هذا المزج صورة الماضي في اللون المعتق في الذاكرة فالتبقيعات مراحل مختلفة العلامات إضافة إلى ألوان التطريز التي  تثبتها على الحواف من الأخضر إلى الأحمر والخطوط التي تخيطها لتثير تواترا متوترا يحدث صوتا حاضرا وصدى للماضي في جاذبية بصرية حاشدة.

توغل ملحم في فضاء الثوب بعناد باحث عن منافذ، يتحايل على الحدود التي تتشابك في البقع الملونة المتنقلة من أمكنتها إلى أماكن أكثر رمزية بين التلاقي والتباعد مقدمة تعبيرها الفادح عن التمزق والرغبة في التماسك من خلال حياكة ورتق القطع بخيوط مشدودة موظفة لتعبر عن الخطوط الحدودية الشائكة عن رحلة المعابر وشتات الوطن بين التقسيمات المفروضة واقعا والوطن الكامل اعتناقا وإيمانا.

  تقدم ملحم منجزها الفني بأحجام متفاوتة تخدم المضمون، فبين الضخامة والاتساع والصغر والضيق تخرج الحكايات بهندسة دقيقة التفاصيل، معتمدة في تشكيل المساحة على موادها البسيطة ذات أبعاد ورموز عميقة وواضحة تنبع من الواقع الممزوج بإرث ثقافي هائل وفلكلور استطاعت بأسلوبها أن تحميه من الاندثار وأن تحوله إلى لغة فنية تميزها، فرحلتها مع الثوب الفلسطيني هي عبارة عن حنين للماضي والجذور وما يعنيه من رمزية غارقة في الأرض وفي صورة الجدات، فهو الجسد والكيان الأرض والامتداد والعطاء والخصوبة والبقاء.

*الأعمال الفنية المرفقة مجموعة متحف فرحات “الفن من أجل الإنسانية”

Comments are closed.