+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

الفنانة التشكيلية الفلسطينية سمر غطاس

 بين البحث والانعتاق تجربة جمالية لا تهدأ ورحلة بصرية تعانق الذات والإنسانية

حين تصبح الخواطر منجزا فنيا تتبعثر الكلمات وتتحد مع اللون لتكبر الفكرة وتتشكل اللوحة ويتعمق التعبير الإنساني هكذا تبدأ الفنانة التشكيلية الفلسطينية سمر غطاس بناء ذاتها بتجديد رؤاها حيث تحمّلها الكثير من الأحاسيس والانفعالات في تداخلات المعاني مع الدلالات البصرية عميقة الطرح والبحث والمقصد والتوجيه، فقد استطاعت أن تحفر بأناملها بصمة مميزة في عالم التعبير الفني، بوطنها فلسطين بكل تجليات  واقعه، فتمكنت رغم كل ذلك الواقع من أن تنتشر عربيا ودوليا بأفكارها التي تخزنها داخلها لتعالجها وتفجرها في معان ومفاهيم جمالية تقدمها انتصارا لذاتها وللإنسان والإنسانية تطرحها من عدة زوايا لتصل إلى منافذ أوسع خارج إطار الحواجز وجدار الفصل وأمل بقاء في التراب رغم اجتياحات الدم  أو في طرح المرأة التي تبحث عن فضاءات تتسع لها دون تمييز داخل المجتمع فتتنوع تأويلات الموضوع وسياقات البحث أو في رؤية الحرف كتعبير تحاول أن تحلق معه تشكيليا بصريا في مدارات القصيدة وبحورها ومجازها، تجربة متنوعة تشي بالكثير من البحث والتعمق والفهم والنضج البصري والدلالي الجمالي والفني التعبيري.

سمر غطاس من مدينة بيت لحم، درست الفن في أكاديمية الفنون بأكرانيا، تخرّجت بدرجة ماجيستير في اختصاص غرافيك ديزاين تدرّس الفنون الجميلة بجامعة بيت لحم، لها مشاركات فنيّة في معارض داخل فلسطين في بيت لحم، القدس، رام الله وخارج فلسطين في ألمانيا، إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكيّة، اقتنت أعمالها عدة مؤسسات وشخصيات، لها قرابة 25 عملا بمتحف فرحات “الفن من أجل الإنسانية”.

 أعمالها مزيج تجريبي من المدرسة التعبيرية والتأثيرية والسوريالية فهي في بحث وتجدد دائم تعتمد في منجزها على أدوات مختلفة ومتعددة الكولاج، والفن التركيبي، وفن إعادة تدوير النفايات، والفن الرقمي التصوير الفوتوغرافي، والعمل بألوان الأكريليك، الألوان المائية والزيتية، التمبرا، والحبر الصيني.        عن تجربتها ومسارها هواجسها الفنية ورؤيتها الجمالية تحدثنا الفنانة سمر غطاس:

* ترين الفن وحياتك وجهان لرؤية واحدة كيف يمكن تفسير ذلك وكيف بدأت أولى خطواتك وهل من السهل عليك الانطلاق أولا في جغرافيا متشابكة الخطوط واسعة كحلم وضيقة كسياسة وأحداث وفي  مجتمع شرقي لا يؤمن بالفن التشكيلي كلغة تعبير والمرأة كقدرة فعل مستقلة في كيانها؟

برأيي “الحياة” أهم فعل في هذا الوجود، بمعنى أن الانسان يجب أن يعيش حياته حسب مرحلته بكل ما فيها من انفعالات متناقضة فرح أو حزن، فشل أو نجاح  وأن يستمتع بكل لحظاتها وبأنه حي وقادر على التأقلم معها  بكل زواياها اجتماعيا  سياسيا أو عقائديا، على الانسان أن يعيش حياته بكل ما فيها من صراعات وأن يكون جزءا من هذا الواقع  مهما كان، وبكل الطرق المتاحة لأن حياته عبارة عن قطعة فنية متكاملة لا يجوز أن يفقد فيها أي جزء أويعتبره مزيفا تماما مثل اللوحة التي تشمل بكل جزئياتها سردا حقيقيا عن معنى الحياة بآلامها وأفراحها وفوضاها وبنفس الوقت لا تفقد تناسقها تماما مثل اللوحة التي تعكس تفاصيل كونية ممثلة بالألوان والضوء والظل والهواء والمساحات والمعنى والفكر وحضور العقل هي في النهاية شيء ملموس وجميل وله معنى.

samar1أولى خطواتي في الفن كانت عندما بدأت أحلم وبدأت أرى الأشياء بطريقة مختلفة وكان مقياسي هو الواقع وأن الواقع شيء مفروض لكنه متدرج ينمو معنا ويكتمل دوننا فقررت أن يكون لي دور في هذا الواقع  تجاوزت مخاوفي مصرّة على تعلم الفن رغم كل الصعاب ورغما عن حجم التحدي الكبير الذي حاصرني في مجتمع لا يعترف بالفن كدراسة، في طفولتي كنت أرسم من الواقع وكان لدي دفتر خاص للرسم بعد المدرسة أعبر فيه عن مشاعري كما كنت أتأمل الأشياء من حولي وأدقق في تفاصيلها وفي الاحداث والمواقف التي لا تمر عندي بشكل عابر بل كان لا بد من تحليلها وربطها وعمل استنتاجات وخواطر ومواقف بيني وبين نفسي.                                                                                              كانت تجربتي الدراسية خارج فلسطين صعبة وكان لا بد لي من تجاوزها بالرغم من الوضع السياسي الذي كان سائدا في وطني حيث بدأت الانتفاضة الأولى ” انتفاضة الحجارة ” وكانت  أول مرة لا أكون فيها مع عائلتي فانتابتني الكوابيس وحاصرتني الرؤى البشعة والقلق  والخوف، في تلك الفترة هاجر الكثير من اليهود الروس الى فلسطين بعدما تزايدت الشائعات ضد العرب، وهذا آلمني جدا لأني كنت أدرس في الاتحاد السوفييتي، عندما عدت الى فلسطين بعد إنهاء دراستي وجدت الكثير من التغيير على الصعيد السياسي وهو ما أثر على أهداف كنت أنوي تحقيقها حيث بنى الاحتلال جدار الفصل العنصري الذي حاصرنا وقطّع فلسطين الى مدن مع قراها ومنع التحرك في كثير من الشوارع التي كنا نسلكها وفتحت شوارع جديدة فقط للفلسطينيين لم تكن موجودة وتأزم الوضع خاصة بعد ” انتفاضة الأقصى ” ولذلك لم أتمكن من العمل بتخصصي  في رام الله  لأن الحواجز الصهيونية ونقاط التفتيش والفحص للهوية  أصبح في كل مكان وشكّل عائقا حقيقيا فالمسافة الزمنية أصبحت كبيرة بسبب ساعات الانتظار الطويلة التي كان  يفرضها جيش الاحتلال علينا دون إغفال الاخطار التي كنا نتعرض لها خلال التنقل في هذه الفترة رسمت مواضيع عن حالة اليأس والإحباط التي أصابت الناس وعن الإهمال الحقيقي لمعنى الإنسانية وعن السجن الكبير الذي أصبحنا نعيش فيه والذي حال دون  التواصل بيني وبين الفنانين أو الإنجاز والعرض والتنقل في المدن الأخرى مثل القدس ورام الله وشمال فلسطين، أما من الناحية الاجتماعية فقد تغير الكثير كما تغيرت أنا بعد عودتي من الدراسة لأن رؤيتي للأمور اختلفت وأثر في الفرق الحضاري كما الفارق بين الجنسين فكانت فترة للتحدي خاصة وأن دراستي للفن  لم تلق الترحيب المستحق.

*لديك رمزيات مختلفة لخدمة الفكرة التي تريدين تمريرها والتي تبدأ من خلال ذهنك كخواطر ترشح إحساسا لتعكس مراحل عبرت من خلالها عن الذات الفلسطينية الإنسانية مثل العيون والمرأة والدم والتراب وقصائد درويش كيف تختزلين هذه التعبيرات وتخرجينها بأسلوب تشكيلي بصري فني؟

أنا أشعر أني ضيف على هذه الحياة والضيف يرى الأشياء كل مرة وكأنه يراها لأول مرة فكل ما يمر أمامي من خبرات أحيانا أكون واعية بها وأحيانا لا أعيها،  لكني أستشعرها بكل تفاصيلها وتدخل أعماقي، فتنعكس في أعمالي بتلقائية أحيانا دون أن أشعر بها حتى يأتي من يلفت انتباهي لها مثل الورود في رسوماتي أنا أحب الورود لكني لم أنتبه أني أرسمها في عدة مناسبات في لوحاتي، أما بالنسبة للمرأة فقد عبرت عن الأنا أوّلا وما قد تشعر به المرأة في مجتمعنا من وحدة وحزن، حيرة  وضياع، قلق واضطهاد، لأني أراها في مجتمعاتنا وحيدة تصارع نظم اجتماعيه فرضت عليها ولم تخترها ولم تقررها وعليها أن تفصّلها على مقاسها بأي طريقة لترضي الآخرين وعندما تغير نمط إذعانها لهذه القيم الاجتماعية الذكورية ينظر إليها على أنها متمردة أو متفلسفة أو خارجة عن ذائقة الأخلاق أو منحرفة عن مجتمعها  وقد تتهم بأي تهمة ليعاقبها المجتمع على انفصالها، عبّرت في لوحاتي عن مشاعرها ومعاناتها الخاصة والعامة.                                                                                                                      أما العين فهي واردة بشدة في لوحاتي لأنها أداة الرصد للفنان وعين الفنان ترى وتفهم وتتكلم  من خلال الريشة والألوان وتعبر عن الأفكار أيضا وكل عين لها قدراتها المختلفة في الرؤية حسب ثقافة الفنان ومدى حساسيته فالفنان نفسه يعتبر عين المجتمع  يرى ما يراه الناس من  خير وشر وظلم وبؤس غير أن الفنان يحمل الفكرة ليقول رسما ما أرادوه، العين تعبر دون كذب ودون تصنع عما بداخلها وتكشف أسرار النفس بصدق وصراحة كما ظهرت أعمال معرضي “أشياء في النفس”.                                         يرتبط الدم والتراب عندي بالوطن والأرض والمكان والزمان والكرامة فصراعنا على الأرض من خلال فدائنا لها بدمائنا لنحمي كرامتنا وسيادتنا ووجودنا الذي لا بد منه هو صراع بقاء لذلك منحت معرضي هذا العنوان “دم وتراب” وربطته بالأسطورة والتاريخ الكنعاني القديم.                                          أما معرضي “جدارية محمود درويش” فقد كان من أصعب التجارب بسبب أن ما علي فعله هو أن أقرأ الجدارية وأن أحاول أن أتقمص شعور محمود درويش اللامحدود وأن أحاول الرسم الى جانب الكلمات التي خطها الخطاط ياسر صايمة، رسوماتي التي طغى عليها اللون الفيروزي والشعور بالعالم الآخرهذا العمل جمع الخط واللون بتعمق داخل النص الشعري وبحث عن الذات الأنثوية التي أحاول الوصول إليها داخل عمق الهيمنة الذكورية الطاغية التي أحسستها فحاولت تفسير التأويلات المستفزة وخلق فضاء جديد للبحث في دواخل الصورة الشعرية  فكانت الرسمات التي أشكلها إلى جانب الخط الفني تتشابك مع الرموز في محاورة تبدو على الهامش لتصل إلى العمق وتتسلق النص وتقتات من حضوره لتتحول من شكل على الهامش إلى أيقونة بصرية ذات أبعاد رمزية تكسر رتابة الأطر، وتأتي الرموز التي أصوغها  متجادلة مع الحروف الراقصة بحثا داخل الانكسارات والانحناءات لتعكس كل تناقضات الموت والحياة الحضور والغياب البقاء والفناء كلها تختلط تتعانق وتتقاتل تقترب وتبتعد وتعبر بصمت وصخب على جدار متناقض.                                                                                                             كل هذه الرمزيات العين والمرأة والدم والتراب وجدارية محمود درويش كانت بمثابة رموز واقعية تكونت لدي بشكل حسي توغل في أفكاري.

*لو تحدثينا عن أسلوبك التشكيلي والبصمة التي تضيفينها لخلق التفرد في أعمالك؟

لا أعرف بالضبط ما هو أسلوبي المعتمد لأني أحاول أن أغير وأن أجرب بالخامات وأحاول أن لا أكرر نفسي لكن في نفس الوقت الصراعات الداخلية للفنان تعتمد على تركيبته النفسية التي لا تبعد كثيرا عن أفكاره الخاصة ورؤيته التي تنبثق من دواخله وتجربته المختلفة كما أني أحمل حلم تحرير العالم من بشاعته وفكرة تعديل الأمور لذلك فإني أطرح الواقع بطريقتي الخاصة التي أريد من خلالها أن أستفز المتلقي، فقد جربت العمل بالألوان المائية وهي أكثر أسلوب يستهويني لأني أشعر أنني مع الماء والألوان أستطيع أن أتغلغل و أتذوق ما أصنعه بيدي و أستشعره بكل انسيابية وحب وتفاعل وشعور وإحساس كامل أما تجربتي بألوان الاكريليك فهي تجربة جيدة نوعا ما لكنها لا تتجاوب مع دواخلي مثل الألوان المائية تجربتي بالصلصال لم تكن طويلة  لكنها تستهويني لأعيدها لأن الصلصال خامة جميلة وملمسها يشعرك بالأصل والتراب والتكوين الأول كما أنها مادة طيعة سهلة التشكيل، أما تجربتي بالحبر الصيني فكانت عميقة التعبير كما أني خضت تجربة باستخدام الفن الرقمي كانت إنسانية عميقة تخللتني بشكل كبير وقد صممتها بكل وجداني.

الحقيقة أني لا احبذ الرسم الواقعي المباشر أراه غير قادر على نبش الأعماق ولا يلامس الاحساس بل يقف عند باب الشكل المتكامل الذي يحتاج لبراعة الاتقان الفني وبرأيي لا يضيف شيء جديد لم يعد الفن  الواقعي يشكل التحدي الفني بالنسبة لي أحب أن أعبر بطريقتي الخاصة وكلما ابتعدت عن الرسم الواقعي أشعر باكتمالي العاطفي نحو أعمالي التعبيرية التي يراها بعض النقاد أعمالا سوريالية.

 *مررت بمرحلة التصوير الفوتوغرافي لتخرجي بفكرة قراءة العيون وتركيبها للوصول لمعنى وحلم لرمزية بقاء ورغبة انعتاق كيف عكست قراءتك وعالجتها؟

بعد أن امتلكت كاميرا رقمية صار التصوير هاجسي، وصرت أصور كل ما يحيطني الطبيعة بتفاصيلها  الأشجار والنباتات وخاصة منها الصبار والعنب والتين بالإضافة للبيوت القديمة والشوارع والسماء والجبال، ثم بدأت أصور الأشخاص وعندها  لاحظت رغبتهم في أن يكونوا جزء من الصورة واكتشفت أن تعابيرهم تختلف أمام الكاميرا وفي انعكاس الصورة وخصوصا لمعان العينين كنت أجمّع الصور وأحاول أن أدمجها على برنامج الفوتوشوب ففكرت في قراءة العيون التي تخزّن الحكايات وقد  أتيحت لي الفرصة أن أشارك بمسابقة للصورة تقدمت لها وعندها تبلورت لدي الفكرة بشكل أوضح وبدأت تحويلها لمنجز فني تشكيلي انبهرت لما احتوى من مشاعر وأفكار وحمّلني مسؤولية الصدق في نقلها إذ كنت أتعامل معها وكأني أتعامل مع الأشخاص أنفسهم وليس مع صورة عيونهم … كنت أستشعر حواسهم ووجدانهم في نظراتهم ولم يكن الامر سهلا أن أقنع أحدا أني سأصوره لأحوله إلى عمل فني سيخصص له معرض لأن الخصوصية شيء مقدس، تعاملت مع الشخصيات بكل شفافية  مكنتني من الوصول إلى عمق الشعور بالآخر وكينونته المتكاملة وانسانيته وصلته بهذا العالم الغريب الذي يعيش فينا وبنفس الوقت منفصل عنا كنت أشعر أن الأشياء مترابطة بين الأشخاص والورود والأشجار والمكان والزمان والزيتون واللوز والحجارة ولحاء الشجر والفاكهة وبأن هناك صدعا في حياة كل واحد فينا وهذا الصدع دائما مهدد بفكرة المستقبل وتساؤلاتنا عن حياتنا المجهولة فيه أحد هذه التهديدات هو الاحتلال  فكان أحد أعمالي عن اقتلاع شجر الزيتون وكذلك موضوع الهوية الفلسطينية والتهديدات التي يندد بها الاحتلال بإزالة هذا الشعب وكان أحد أعمالي عن جدار الفصل العنصري وعيون شابة لا تعرف ما هو مصيرها من خلف هذا الجدار، كذلك استخدمت الجدار العنصري مع أحد العائدين الفلسطينيين الذي لا يملك هوية ولا يعرف مصيره في حال تم ضبطه، أما نبتة الصبار فهي رمز فلسطيني للبيوت المهجرة وقد استخدمته مع نظرات فتاة شابة تنظر لبعيد ولا تعرف ماذا ينتظرها وهذا حال الشباب الفلسطيني الذي لا يعرف اذا غادر منزله هل سيعود في تلك الليلة أم لا، وكذلك تحدثت في أحد الاعمال عن مخيمات اللاجئين، والأسرى ورسائلهم لذويهم من سجونهم وعن أمهات الاسيرات، كما عبرت عن الشباب الذي يود الهجرة بسبب صعوبة الحياة واتساع الطموحات ومواضيع اجتماعية أخرى عن الحب والمودة والقهر الاجتماعي … كان لا يظهر من هذه الوجوه إلا العيون التي تنظر بتأثيرات مختلفة لذلك سميت هذا المعرض ” أشياء في النفس” .

*الأعمال المرفقة

لوحات من معرض “أشياء في النفس” متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

لوحة من معرض “جدارية محمود درويش”

Comments are closed.