+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

الصور الشخصيه التعبيريه ((Expressionist Portraits

                                                         ١

ليس هناك وقت مُؤكد يُمكن من خلاله تحديد ملامح ظهور الحركة التعبيرية  في فن الرسم، أو موطن ظهورها لأول مرة. لكن بالإمكان الإشارة الى بعض التجارب الفنية التي مهدت لظهور ملامحها الأولى في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وذلك من خلال أعمال بعض الفنانين الأوربيين التي أصبحت فيما بعد بمثابة مرجعيه مهدت وساهمت بشكل فاعل في ظهور تلك الحركة وإنتشارها، ومن ثم التكريس لها في المانيا بشكل ملحوظ. كان البعض من هؤلاء الفنانين يعيش في بلد مُختلف عن الآخر، ولربما لا يعرف بعضُهم البعض بشكلٍ جيد. عملوا في أوساط فنية وإجتماعية مناهضه لتوجهاتهم الفنية والفكرية، ولاقت أعمالهم الأولى الإستغراب والأستهجان والرفض، لأنها لا تتماشى مع الذائقة السائدة التي تعتمد معايير جمالية مُتعارف عليها آنذاك. مما تسبب لبعضهم الى العيش في حياة غير مستقرة، مليئة بالعوّز والحرمان والإضطرابات العاطفية والنفسية. تركت تلك العوامل أثرها على أعمالهم الفنية فيما بعد بشكل واضح، وكانت بمثابة مرآة عاكسة ومعبرة عن خلجاتهم وهمومهم الفنية والإنسانية. وبالتحديد منها أعمال البورتريت التي كانوا يرسمونها لذواتهم بين الحين والأخر. لكنهم مع ذلك كله، ظلوا مثابرين ومُجتهدين في العمل من أجل البحث عن أساليب فرديه خاصه بهم، مهدت لظهور الحركة التعبيرية فيما بعد بشكل تلقائي. ومن بعض هؤلاء : البلجيكي جيمس إنسور، الهولندي فان كوخ، الفرنسي بول غوغان، الألماني إميل نولده والنرويجي أدفارد مونش. كذلك، تأثيرات المدرسة التأثرية والوحشية، وبالتحديد منها، أعمال الفرنسييّن سيزان وماتيس.

dexلعل هناك تساؤل يُطرح في بعض الأحيان، عن السبب الذي يدعو الفنان الى رسم صورتهِ الشخصيه لمراتٍ عديدة وفي فتراتٍ زمنيةٍ متفاوته؟. تلك الظاهرة قد تم التكريس لها منذُ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بعد ظهور الحركات الفنية الحديثة في فن الرسم. وتكاد أن تكون مؤشراً عليها بشكل واضح في تأريخ الحركة التعبيرية في مجال فن الرسم والحفر (الكرافيك). وقد فرضت حضورها بشكل مُلفت للأنظار، وكأنها قد صارت تقليداً راسخاً من تقاليد تلك الحركة.

 إذا أردنا تتبُع أثر تلك الظاهرة في تأريخ الحركة منذ ظهورها في بداية القرن العشرين، سنجد إن هناك العديد من النماذج الفنية، من الصور الشخصية للفنانين، تبنت التعبير والكشف عن حالات إنسانية شخصيه عديدة، مروا بها في فترات من حياتهم الإنسانية والفنية. مثل : ( الإضطرابات النفسية والعاطفية، حالات اليأس والإنكسار والخيبه، وحالات أخرى تشتمل على السخط والرفض والإستلاب. ظهرت بالتحديد أثناء الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من نتائج كارثيّه، تسببت في تداعيات إنسانيه وإجتماعية وإقتصادية). وقد أصبحت تلك الأعمال الفنية فيما بعد مصادر ومراجع مهمة من تأريخ  تلك الحركة وأولآئك الفنانين، مكّنت الباحثين في مجال الفن الحديث من تحليل جوانب عديدة في شخصياتهم التي تأثرت بتلك العوامل  بشكلٍ واضح، إنعكس من خلال فعل الرسم وبأساليب تكاد أن تكون مختلفة، من خلال الخطوط والألوان ولمساة الفراشي السريعة والمضطربة في بعض الأحيان، التي عادة ما تكون تحت تأثير الحالة المزاجية والنفسية الآنية للفنان.

                                                         ٢

kokoshkaتُعتبر الصور الشخصية ( البورتريت) التي رسمها الفنان النمساوي أوسكار كوكوشكا بين عامي (١٩٠٨- ١٩٠٩)، ومن ثم الأعمال التي قدمها لمعرضه الأول عام ١٩١٠ في متحف فولكفانغ، من الأعمال المُهمة التي كرست للحركة التعبيرية في فن الرسم. حيث أُشير اليها لأول مرة على أنها أعمال فنية تنتمي الى الحركة التعبيرية* من خلال بعض المقالات النقدية والصحافية التي أثنت عليها  وروجت لهاعلى أنها قد خرجت عن السائد والمألوف في فن الرسم آنذاك.

كانت تلك صور ذات طابع يتسم بتعبيرية وخصوصية مُتفردة. من خلال ما كان يقوم به الفنان من سبر لأغوار الموديل الذي يجلس له، وإظهار دواخله النفسية أو طباعه الشخصية بشكل مُلفت للأنظار، وكأنه طبيب نفساني متخصص. وذلك من خلال لمسات فرشاته البسيطة التي تتمثل على شكل خطوط تتسم بالليونة. ومساحات لونية ذات كثافاته عاليه على أماكن مُحددة من الوجه أو تفاصيل الشكل. وكانت ألوانه لاتعتني بالظاهر من شكل الموديل أو مُحاكاته، وإنما يضعها حسب تصوراته وفهمه لتلك الهيأة. كان البعض من الذين يجلسون له من أجل الرسم، يستهجنون ذلك ويرفضون نتائجه النهائية، لأنها تُظهر ملامح لاتُرَضي ذائقتهم. مثل الشيخوخة والذبول، والإنحلال والتفسخ. وبعض الأحيان تصورات عن حالات نفسية داخلية لا يُحبذون أن تظهر في صورهم المرسومه. وقد تكون تلك المقدرة  في الكشف عن الكوامن الداخلية ، هو إن أن كوكوشكا يمتلك وعي خاص وثقافة فنية مُتنوعة، تجمع بين مهارات الرسم والحفر، وكونه كاتباً مسرحياً وشاعر، ومُصمم ديكور أيضاً.

                                                       ٣

تسبب إندلاع الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ في ظهور نزوعات رافضة لها ومُستنكرة للعوامل التي ساهمت وتسببت في إشعال فتيلها الأول. تبنى ذلك الإتجاه العديد من الأدباء والمفكرين والفنانين في أوربا. وفي الجانب الاخر من ذلك، كانت هناك بعض الأصوات تشيد بها وتُرحب بقيامها، ليس بسبب نزعةٍ وطنية أو قومية، وإنما  بسبب تصور البعض إن تلك الحرب هي القوة التي من خلالها سيتم إندحار البرجوازية القديمة في أوربا وظهور عالم جديد أكثر طهراً وخالي من الهيمنة. وقد أدى ذلك التخندق والتضارب في الآراء الى نشوء خلافات كبيرة بين الفنانين بالتحديد. فقد كتب الفنان الألماني فرانز مارك، مؤسس جريدة وجماعة الفارس الزرق الى كاندنسكي الرافض للحرب، رسالة يشرح فيها وجهة نظره حول مساندته للحرب ومشاركته الفعلية فيها، هو إعتقاده بأنها ستكون المُخلص من هيمنة العالم البرجوزي في أوربا بالرغم من أنها ستتسبب في إحداث خسائر فادحة.

 مع توسع رقعة الحرب وإستمراها عاماً بعد عام، كانت الجيوش تحتاج الى الإمدادات البشرية والمُعدات وبإستمرار. وقد شملت لائحة المُجندين والمتطوعين، العديد من فنانيّ التعبيرية في أوربا. فقد ساهم البعض منهم بشكل فعلي في جبهات القتال المُتقدمة والبعض الاخر في وحدات خلفية خدمية. وقد تعرض البعض منهم لإصابات بلغيه أدت الى الموت، وكادت أن تتسبب في عوق دائمي لبعضهم، كإصابة الفنان الألماني أوغست ماك الذي لقى حتفهُ فيها في السنة الأولى من الحرب، وإصابة كوكوشكا في رئته أثناء خدمته في صفوف الجيس النمساوي، ومُعايشة ماكس بيكمان أول هجوم بغاز الكلور السام في بلجيكا أثناء خدمته العسكرية، بصفة مُسعف طبي في صفوف الجيش الألماني، حيث تعرض بعدها الى إنهيار عصبي شديد.

creshnerمع شدة المعارك وقسوة الظروف المُصاحبة لها، لم يتوقف هؤلاء الفنانين من مُزاولة الرسم. فقد كانوا يحملون معهم مُعدات بسيطة متكونه من كراسات صغيره وأقلام للتخطيط، يسجلون فيها يومياتهم المُصاحبة لبعض التخطيطات السريعة والبسيطة، من أجل العودة اليها لاحقا لتكون مشاريع للرسم، تكون بمثابة شهادات حيه من خنادق القتال وساحات الموت. فقد رسم الفنان الألماني كريشنر الذي كان في الصفوف الخلفية من الجبهة، بوريريت شخصي له تظهر فيه يده اليمنى مبتوره، في إشاره منه الى إن الحرب قد تحرمه من الإستمرار في الرسم والإبداع فيما إذا إستمرت على ذلك النحو وهو في جبهات القتال. كذلك، الصورة الشخصية للفنان الألماني أوتو دكس ، جندي في الزي الأحمر. التي رسم  فيها نفسه وهو حليق الرأس، يرتدي بدلة حمراء. لربما كان ذلك نوع من التأويل أراد الفنان من خلاله أن يعتبر البدلة العسكرية هي زي الموت بعد أن أُجبرَ على الإلتحاق في صفوف الجيش الألماني. يُظهر البورتريت ملامح وجه الرسام المليئة بالإنفعال والرفض والسخط وكأنه في طريقِه الى الإعدام، في إشارة واضحه أيضاً الى إن الحرب هي الطريق الحتمي الى الموت.

ظهرت فيما بعد العديد من الصور الشخصية لفنانيّ التعبيرية من الذين ساهموا في الحرب، ومن الذين لم يساهموا فيها، بأساليب مختلفة، إشتملت على أعمال الرسم وأعمال الحفر على الخشب والمعادن، كشفت عن عُمق التأثير التي تركته تلك الكارثة العالمية على نتاجاتهم الفنية، التي أصبحت فيما بعد من الشواهد الفنية على تلك الحقبة الزمنية العصيبة التي مر بها العالم.

* الحركة التعبيرية قبل ذلك التأريخ كانت تشتمل على الأدب والمسرح.

Comments are closed.