+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

تجربة التشكيلي اللبناني علي حسون

في تنوع الثقافات تتجدد الرؤية الجمالية للفن وفي صدق القراءة البصرية للواقع تتعمق البساطة

يعكس الفنان التشكيلي ذاته على كل ما تفرزه الشعوب من تصورات وأحلام وفلكلور وتراث وهوية مزيج واقعي ونفسي واجتماعي متداخل الأبعاد فكل ما يثير فيها يؤثر على الفكرة والموضوع المنجز لاختزال الأحاسيس وصقلها وتوزيعها مجددا مفعمة بدفق متنوع من الرؤى التي تنعكس على فهم كل متلقي وللتشكيلي اللبناني علي حسون حسه ورؤيته في البحث الجمالي عن كل ما يعبر عن هوية الشعوب وكل ما يجتاحه من تجدد وتغيير قد يصل إلى الصدام فيخلق في حد ذاته صورة مختلفة وفكرة تتنافر أبعادها لكنها تؤسس لجمال متفرد الحضور، فيمتزج عنده الفن المعاصر مع الفن الكلاسيكي وتدخل التقنيات الحديثة في التعبير الفني وكل ما يلامس الذوق الشعبي الجماهيري فيتماهى تنوع الحضور مع التكنولوجيا الرقمية  ليقدم خطاباته بأسلوب يعكس ازدواجية المفاهيم والرؤى التي تميز الحضارة الشرقية والحضارة الغربية التي تشبع بها الفنان وحملها بتفاصيلها وعاشها بكل معطياتها، معتمدا على نمط فني جديد وأسلوب شعبي جماهيري يحقق تماسا مع ذهن المتلقي وحواسه البسيطة والمعقدة هذا الأسلوب حديث المفاهيم ومعاصر الرمزيات أليف وحيوي هو الفن المعاصر أو “بوب آرت”.

ahوهو نمط فني مستوحى من الشارع والناس حضوره قريب ومختلف بجماليته فقد بدأ متأثرا في أفكاره ومواضيعه بالعصر الاستهلاكي الذي وجد فيه وانتشر وتطور ليعطي فرصة التحول نحو الواقعية الجديدة وتحمّل الأفكار التي تنطلق من القالب الاستهلاكي نحو فكرة وتعبير واقعي يضفي الجمال البصري على العناصر المألوفة والمعتادة واليومية، ويعبر الناقد والفنان اللبناني شارل شهوان عن هذا النمط بقوله “البوب آرت يحوّل علبة الحساء إلى فن وأي لوحة إعلانية على الطريق يمكن أن تكون موضوعا.. فكل الأشياء جمال والفن موجود ويمكن أن نراه في كل شيء فهو قريب من الجمهور وهو نمط فني جعل الناس يشعرون بأن الفن موجود في حياتهم، فهو وسيلة تعبير الإنسان المعاصر الذي لم تعد تحركه اللوحة الكلاسيكية بل تضجره فقد اختلف المزاج والمقاييس الفنية”.

 وتجربة علي حسون القريبة والصادقة تحمل في ملامحها مخزونا معرفيا فنيا متنوعا حسا وجمالا وروحا ترشح ذاكرة وحرفية جسّدتها رحلته الملونة التفاصيل والمختلفة المسارات والأمكنة والثقافات، بدأت منذ ولد بصيدا جنوب لبنان وسفره بعد اكمال دراسته الثانوية إلى إيطاليا حاملا بلاده وحزنها ومحملا بالصور القاتمة التي اختزنتها ذاكرته من الحرب الأهلية وقسوة الصدام وتشتت الفكرة في واقع فوضوي، حيث حاول لملمة ذاته واكمال دراسته الجامعية في الهندسة المعمارية والفنون فمن الشرق إلى الغرب وضعته ازدواجيته أمام لغة جديدة وثقافة وحضارة مختلفة فخاض التنوع بين صدام ولقاء وكان أمام خيارات صعبة فبين الحياة والطموح الفني والاحتراف كان مطالبا باختيار جريء ينتشله من الصعوبات التي وقع فيها ويطبع اسمه كفنان تشكيلي فاعل في الساحة الإيطالية ،المتخمة بالأسماء، متجذرا بكل لبنانيته وما تختزل وتفصل وقد كان باحثا عن التفرد التعبيري والاختلاف الفني فكان جريئا في المحاولة وساعده تنقله بين مدن إيطاليا على التوجه شمالا وهناك بدأ صقل مساره مع الفن التشكيلي وبداية توثيق مسيرة زاخرة بالخطوط والألوان والأفكار والرؤى، وقد كانت تلك الفترة مهمة جدا في تكونه الفكري الذاتي العميق نظرا للاهتمام الغربي بفنون الشرق والعالم الإسلامي الذي جاء في مرحلة بحث في الاختلافات  والصراعات وجدليات الحوارات الحضارية مما ساعده على تحديد ملامح طريقه نحو ذاته ففجر وعيه وانفعالاته وقد مزج الفكرة الذاتية مع اللون الصوفي العميق وجدانيا وروحانيا كي تتداخل وتتفاعل مع الهوية المزدوجة التي تنبعث في لوحاته ذات التمازج بين الخلفي الذي يعكس أعمال كبار الرسامين “مايكل انجلو” و “رافاييلو” و”بيكاسو” والصورة الظاهرة في تأثر بالواقع بالأحداث بملامح الاختلافات الثقافية والفكرية وتلون الانسان، حاملا بداخله هاجس الفن بسيط الملامح سهل الحضور شيق التفاصيل مثيرا لدهشة حالمة وحلم واقعي في بلد تعود الفن حتى صار باذخا وعاديا  لا يمس الواقع نخبوي لا يعبر عن الشعوب، فقرر أن يتخذ من هذه البساطة العميقة فكرة وأسلوبا ويعبر داخل الملامح والوجوه المتعددة في فضاءات الغرب والتي تميز القادمين من العالم العربي والآسيوي والافريقي ما دفعه لخلق بصمة أكثر تنوعا وغرابة وجمالية بصرية، فاتركزت أعماله على الدراسات الفنية التشكيلية العربية والإسلامية  التي مزجها مع معارفه واطلاعه على الفن الغربي، فكان بارعا في تشكيل تلك الوجوه بتراثها وذاكرتها  واستلهام الأفكار والرؤى مع الواقع بكل توجهاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية وتوظيف التفاصيل اليومية دون تجاهل ما يحمله في ذاته من ذكريات لبنان بكل تفاصيلها وخصوصية أهله وحرفة جده التي عمقت اهتمامه بالحرف كصناعة الخزف ومكنته من أن يعيد استنطاقها ويعبّر من خلالها عن روحه ذاته وميزته  بأحاسيسه وأفكاره وانتمائه للأمكنة والأزمنة للماضي والحاضر وتفاعلاته الحسية والمقصدية معه.

ah_03انخرط حسون في التعبير الفني الواقعي الإنساني المعاصر مستحدثا دلالاته ومفاهيمه والرموز التي من خلالها يقرّب صورة الفن من الجماهير ويصل بها إلى لذة بصرية وانتشاء جمالي فهو يجيد السيطرة على انفلاتات الفكرة واللون والصورة والتقنية بعقلانية متوازنة الجمال تثري وتثير المتلقي ليبحث في حواراتها عن اللوحة بين الظاهر والماورائي في خلفيات تطرح جدلية بين الصورتين تخترق حواجز الصمت وتعبر بحركية داخل اللوحة فهو يحاكي بالصورة الشفافة الصورة الواضحة معتمدا على تقنية التلاعب بالألوان وبالصورة الخلفية نفسها فيمكن أن يقلبها كدلالة رمزية لينطق بفكرة ويخلق حوارا يظهر في حضور الالوان بين الشديدة الواضحة والأبعاد الضوئية التي تنعكس عليها ما يخلق تناغما بينها يضفي عليها صفاء وحضورا يكاد يكون فوتوغرافيا من خلال تقنيات الطباعة فالرموز الجماهيرية المتدفقة تكمن في المتابعات المختلفة للسينما التلفزيون الأخبار الإعلانات المجلات كلها تحوّل مشاهداته إلى أفكار وانفعالات تترجم جماليا بموسيقى تراقص اللون وظلاله الصور وأزمنتها الألوان وحركتها الشخوص وقلقها.

 في كل لوحة يحاول أن يحرك العناصر الفاعلة مع بعضها بشكل يدعو للتأمل فكأنه يقود المتلقي لفرجة ممتعة بأفكارها وهواجسها الداخلية تغوص به في الماضي كحركة استرجاعية ونظرة إما تبحث عن أفق أو تنغرس نحو الأسفل أو تحاول العبث بالحاضر الجاثم أمامها جدلية رمزية ومحاورة فكرية بين شبيهين متناقضين بين القديم والحديث بين الشرق والغرب بين الإنسان بإشارات بصرية متداخلة، تتجادل الأشكال والألوان مع الحركة والاجساد بأسلوب حيوي مادي ظاهر وفكري باطن كأنه يفكك نفسه ويفصح عن مشاعر مكتظة في عمق ذاته يشكلها الفنان بأسلوبه حسب المسار والدلالة البصرية التي تعكس الوجود والانتماء في سياقات رمزية الخفاء والتجلي، فالصورة التي تقع خلف الأجساد الظاهرة تتراءى كأطياف قادمة من انعكاسات ماضية ومضات ورائية تختزن إما رمزا فنيا أو كلاسيكيا.

 تحاول حركة الاسترجاع النفاذ من واقع قد يحمل عنصرية ورفضا للتخلص من فكرة الانبتات والانفصال والتشرذم المعنوي الذي يلاحق ملامحها بين المكوث في الواقع والالتفات للماضي بين الرفض والحضور بين الغربة والاغتراب بين الذاكرة والتذكر بين التمازج والاختلاف، ليقدم دعوة للحضور ذاتا بعمق الأحاسيس وبتنوع الاختلافات إنسانية وحضارية تقمص كامل للفكرة للانتماء للإنسان دون تمييز اللون والجغرافيا الانسان الحامل لفكرة البقاء والوجود.

ali-hassoun-madeيتاخم حسون الجمال في عالمه الذي يثير التأمل لاختلاف الملامح ولحضور الخصوصية والتنوع البشري والثقافي، يتقن بثها في تلوينات تتراقص مع الأضواء فيمزج الألوان الحارة والرمادي ويعطي إشارات لونية بشكل واقعي حيوي أقرب لألوان الإعلانات مفعم بالحركة والألفة في شخوصه ويضفي رمزية التعامل معها بدمج العصري مع الفلكلور بأسلوب يجمع النقد والسخرية نقل صادق لواقع متذبذب بين الاستهلاك والمجاعة بين الموضة والرجعية بين الترف والبداوة بين المادة والروح.

وتظهر صورة المرأة في الأعمال المنجزة كعنصر له دلالته الفاعلة فهي تتماثل مع الفكرة بتداخل المعنى ليست مجرد جسد بل معنى تحضر لونا وأزياء مكانا وجدلا فحسون قدم نساء تنفلت أرواحهن لتشاكس الفكرة وتحاورها دلالة على المكان وانفلاتا من الزمن، وتحضر الشخوص في المنجز بموزايك اللون والتنوع الذي يميز الشعوب لباسها وفلكلورها جغرافيا من خلالها يطرح الفكرة المرتبطة بالحدث بحضورها وليبرز صدمتها وصدامها مرونتها وانطواءها فبين كل حضور يطرح صورة معاصرة ورمزا يشير لفترة ما تناقضات قد تجمع رجال الصحراء بنجمات هوليود أطفال اليمن بشخصيات كرتونية فيدخل شخوصه  في جدل المجاز بصريا علامات سيميائية تحاول أن تسافر بالمتلقي في أجواء مغرية لكنها مشبعة بالقلق والبحث وهذا ما يمنح علي حسون التفرد في اعتماد هذا الأسلوب لطرح أفكاره فلم يكن مقلدا بل صادقا في استنباط أسلوبه ودمج روحه وأفكاره وتفرده وميزة جذوره الشرقية ما منح أعماله ضوء شفيفا بروح تدخل مناخاته النفسية وتفتت اضطرابها أو قلق غربتها.

فأعماله هي خطاب فني إنساني يتحمل صراعات ثقافية وحضارية تترجمها لغتها بصريا ويحاول أن يخرج فكرته بصورة جمالية تعالج بصريا قضايا إنسانية وتطرح تساؤلات الألوان ليتجاوز العنصرية  وتطرف الإحساس فيخلق هويته الفنية ويثير شغف التمعن.

كما يحاول  تركيز بساطة جمالية تعمق الحضور الذهني وتمازج بين الخيال والفكرة بين الحلم والرغبة للتمكن من تسلق درجات الواقع دون الوقوع في خيبة الحلم وتكرار الخيبة فيصقل تجربته بفلسفة متجددة تأخذ من الفكر الإنساني وتضيف عليه بصمته الخاصة وادراكه من خلال التجربة فهو يرى في الفنان الحقيقي ما رآه الناقد العالمي “جيليو دورفيليس” أن الفنان الحقيقي يجب ان يمتلك ثلاث صفات البصيرة الذوق والثقافة ولكن حسون  يأخذ بهذه الصفات ويضيف إليها صفة الصدق وهنا تكون مهمة الفنان كما يراها “مهمة تخرج من أطر تقديم الحلول والإجابات لأن دورها هو الحث على رؤية الواقع من وجهات نظر مختلفة ومن بؤر تتناقض لتحث على التفكير والتنوع والاقتناع والفهم بعيدا عن التسليم أو الأحكام المسبقة أو التقوقع داخل دوائر لا مجدية ولا تثري العطاء المعرفي والتغير المجدي، الفن هو الأعلى بين أشكال الأمل لخبرة الفنان الإنسانية وانغماسه في تجليات الحياة الفن هو رحلة بين الماضي والحاضر خبرة ذاتية ورؤية متجددة للأشكال والأشخاص بين ثقافات مختلفة ومتناقضة”.

*الأعمال الفنية المرفقة: مجموعة لوحات علي حسون مقتنيات متحف فرحات “الفن من أجل الإنسانية”

                              اللوحات الخاصة للفنان علي حسون

Comments are closed.