+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

لاكوريدا

توقفت عن الركض لاسترد بعضا من أنفاسي، ثم نظرت خلفي فوجدته قد استقر مكانه، لكني استطعت أن استلق طويا ذلك الجبل الحجرية المتصاعدة كتجاعيد بطن ضخم مترهلة، ثم اهبط منها متهاو مثل طائر هارب في السماء من مصائد ومصائب الأرض، سبحت البحر فوقفت على ناصية الأرض الخضراء التي قيل أن العمر لم يسعف جدي كي يكتبها باسمي، قبل ان يطرد منها ويغدو في عداد المفقودين، كانت السماء قد استوت على زرقتها وصياح الآلاف من الأصوات البشرية الغريبة، يتدفق على مسمعي كهدير الموج الذي خلفي، كل السفن الخشبية المقلوبة قبالة الشاطئ محروقة والجثامين تسبح في منتصف البحر وبلا فراعين تغرق، وفي يد كل واحد منها كسرة خبز العرب، كان المكان خلاء يضج بالصمت المطبق لكن هدير الصوت القادم مع موجة البرد نتيجة الضغط الجوي القادم من الشمال، كما استقر في ذاكرتي من نشرة الأحوال الجوية قبل أن تتساقط آخر القلاع الحمراء القديمة وتكشف ما جرى في حصونها الحجرية المنحوتة، الشقروات عن اليمين واليسار في مدرجات متعالية وأنا قد ألبست سروالا افرنجيا ضيقا وقبعة راع للبقر وسيف أحد من حد السيوف العربية التي رأيتها في المتاحف القديمة، كان يجري قادما نحوي و قطعة القماش الحمراء في يدي  لم ارفعها بعد، زلزال حوافره  يهزني وهو يلتهم المسافة بيننا، بالكاد تنحيت مليمترات عن طريقه، حتى لاحت صيحات الحضور من هزيمة وشيكة للثور أمام العربي القديم، كان سلاح الهروب أمتع لي من سلاح الحديد الذي بيدي، خيل إلي أن ثور مفتون بالسيف لا خائفا منه، هكذا كنت أرى سلاح المدن البحرية الشقراء، قدود تلمع تحت الشمس، لا حاجة لأذرع الطين الحالمة بها أن تتعرى وتتفجر ينابيع العرق فيه كي اجرفها ! كل شيء بارد في أوروبا، حتى الأحلام طرية تحت سمائها، اكتشفت ذوق أحلامي لأول مرة، فقلت في نفسي ملح الأرض يخزني! وكوابيس الليلية كالتي تعبرني وترعبني أكثر من مرة في الأسبوع، خرجت منذ أن نسي جدي أن يكتب لي تلك القطعة من أرضهم باسمي، جدي، لو عرفت قبره لحفرته واستخرجته منه لافتش في عقله ورماد رميمه عسى أن أعثر على منسيته أو أجمع ذلك الرماد في كيس بلاستكي وأعيده إلى الأندلس.

واصل الثور استهدافي، ولم افهم ساعتها، هل يريدني أم يريد القطعة الحمراء التي بيدي، قطعة القماش الحمراء أعادتني لحكايتي مع فيكتوريا، الألمانية المشعة في عوالم الافتراض، حين قالت لي وهي تحاورني على النت، أني بسمرة الأرض المحزونة، اندفع كالثور المكبول في مزارع الجوع نحو حمرة فستانها التنوري القصير ! لا انفي فتنتي باللباس التنوري الأحمر القصير لفيكتوريا، حتى وان لم ادخل وما دور عرض الازياء، لكن لم انس بقية الفتنة!

الآن لست أنا الثور، لست أنا المندفع إلى قطعة القماش الحمراء الفاتنة، اليوم أن المفتون بي والثور الأسود القادم من مزارع التجويع الباردة هو المفتون بي هو المندفع نحوي بكل أطنابه وأطنانه، وأنا لا زلت لا أدرك سر تلك الفتنة المشتركة التي تشبع متاع الجميع، الصائحين والصائحات على المدرجات، والثور الغاضب الجائع، وأنا الحامل سيفا قديما تنبعث من غمده الضيق رائحة دماء الكلاب !  تلك الرائحة التي احتفظ بها جيدا في ذاكرة أنفي.

كانت قوى الثور قد بدأت تخر، والزفير الحار المنبعث من منخريه المشدودين قد انخفض، فخلتني قد أخمدت فورة غريزته، كل شيء في الوجود قابل للترويض، أنا أيضا خضعت لهذا القانون، فيكتوريا بقطعة قماشها التي لا تزيد عن المنشفة التي امسح بها وجهي كل صباح، التي جعلت منها فستانا يغطي كامل جسدها روضتني، قلت كامل جسدها بعدما فصلت مناطق الاشتراك والاشتباك فيه، وفي خضم متعة الترويض للثور الجوعان، الذي وقف ساكنا أمامي بنحو عشرة أمتار، أخرجت السيف من غمده، والصيحات تتفجر من المدرجات وتنهمر على مسمعي، التفت حينها لأرقب وجه حبيتي فيكتوريا الألمانية الشقراء ذات العيون بلون لم يخلق في لغة العرب بعد، حسبت أن الألمان يحبون لاكوريدا الاسبانية ويأتون عبر القطار السريع كل أحد إلى مدينة ملقا لرؤية هزيمة الجوع الأبدية بالسيف الأبيض القديم على ظهر ثور أسود !

علوت أمتارا في السماء، أتقلب وأستدير في الهواء العكر، كبطل الجمباز الإيقاعي، والغبار قد حجب الرؤية عن رؤيتي فتلاشت وجوه الشقروات من ناظري، وحين عدت واصطدمت بالأرض، رأيت الثور قد دق حافره في حجري، لم اشعر بالألم كما كان الجميع يعتقد، فأنا منزوع تلك المنطقة في غبش الليل بإمكان الترويض المخفرية بالدروب الليلية المحروسة بالجزائر، وحين سحب الأعوان الثور من فوق جسدي بقطع القماش الحمراء الأخرى، قمت أحيي الحضور بيدي المكسورة من أثر السقطة من نطحة الثور الأولى، لكن الصيحة توقفت فجأة بعد خروج الثور من الحلبة، وحين طلبت من قاضي المحكمة أن لا ينهي منفاي، ويعيدني إلى أرض السواد، لأني حقا اعشق ارض الثيران غير المروضة، ابتهجت وأنا أرى فيكتوريا لأول مرة على الطبيعة بقطعة قماشها الملتف على مناطق من جسدها، كدت أغدو الثور الذي صرعني، فاندفع نحوها بالقاعة، لكنها دنت من الخلف من مسمعي وقالت لي من حسن حظك أنه لا زال بخير يرتع ويلعب في المزرعة  وأنك لم تغمد السيف في ظهر الثور !

Comments are closed.