+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

الفنان آراز طالب وعوالمهِ التي توحي بالوحشه والإغتراب

تَقدرَ لنا أن نلتقي أنا وهو عن طريق الصدفة لآخر مره في إكتوبر الماضي. وذلك أثناء حضور إفتتاح المعرض الإستعادي للفنان ضياء العزاوي في المتحف العربي في الدوحه. كما حضر العديد من الأصدقاء القُدامى من الذين لم ألتقيهم منذُ سنين طويلة عن طريق الصدفة أيضاً وبدون تخطيط مُسبق بالنسبة لي.

في جلسةٍ ترتبت عن طريق الصدفة أيضاً، أراني آراز بعض مصورات لوحاته من خلال جهاز الأيباد الذي كان يحمله في حقيبته. في حينها أعجبتني التفاصيل الدقيقة فيها، التي تشهد على تمكنهُ من فعل الرسم باحترافية عالية، أحالتني الى عوالم أخرى تذكرت فيها فنانيّ القرون الوسطى ومهاراتهم التي تفوق التصور، وذكرتني أيضاً بأعمال الفنان الهولندي الشهير بيتر بروجيل الذي تعرفت على أعماله في وقتٍ مُبكر.

لم أخوض معه حواراً عميقاً حول المواضيع والمفاهيم التي يتبناها من خلال أعماله في حينها، لإنشغالنا بالإستمتاع بالوقت القصير مع باقي الأصدقاء. لكني سجلت إهتماماتي وإنطباعاتي عن بعض التفاصيل الجميلة والغريبة التي تتكون منها لوحاته، التي تتمثل بإستعاراته لأشكال بعض المباني والأبراج والتماثيل القديمة من حضارة وادي الرافدين ومن أماكن أخرى.

araz1ثم حدثني عن قراره  في العودة الى المدينة التي ولد وترعرع فيها ( كركوك). في حينها كنت في حالة إستغراب من هذا القرار الذي قد يكون غير مدروس بشكلٍ كافي، بعد مايقارب عشرين عام على هجرته واستقراره في هولندا. مع توفر فرصة عمل مناسبه له في أحد المتاحف، وتوفر وقت جيد لمُمارسة الرسم.

كانت من بعض الأسباب التي ذكرها لي بخصوص هذا الشأن، هو شوقه الدائم لوالدته والمكان الذي ترعرع فيه. وقد أراني صورةً فوتوغرافيه له وهو جالس على تلةٍ تُرابيه جرداء، وعيناه شاخصتين بإتجاه أفقٍ يلوح له من بعيد، تشكل في صورة شارع مُبلط بمادة الإسفلت الأسود. تتخلله تعرجات والتواءات نتيجة التضاريس التي تتكون منها المنطقة. لم أُعقب على تلك الأسباب أبداً. لأني مؤمن بإختلاف وجهات النظر، فيما إذا كان الموضوع يتعلق بالمشاعر والعواطف الشخصية. لكني فيما بعد إهتديت من خلال بعض المُقارنات في لوحاته، إن تلك التلة التي كان يجلس عليها، هي نفس التلال التي يرسمها في بعض لوحاته. التي قد يكون موضوع إستاعرتها تولد بداخله بدوافع نستلوجيه تجذرت في دواخله ولا يستطيع الخلاص منها، بعد هذا التأريخ الطويل من الهجرة.

araz2توحي الكثير من لوحات الفنان آراز طالب على أنها مشاهد لأماكن غريبه، جرى تركيب بعض عناصرها على أماكن أخرى لاتنتمى إليها، مكانياً أو حتى زمانياً، بفعل غير طبيعي وبدافع الإبعاد عن مواطنها أو التهميش. مشاهد موحشه، خالية من وجود الإنسان والحياة، وكأنها في طريقها الى الزوال والإندراس. تتمثل بعض عناصر تلك المشاهد على أبراج  ومباني تأريخية مثل : مأذنة الملوية الكائنه في سامراء، وبرج بابل الذي إستعار صورته من لوحة تصوريه رسمها الفنان الهولندي الشهير بيتر بروجيل. كذلك إستعارات لشواخص وتماثيل فنية معروفة من حضارات وادي الرافدين، مثل : أسد بابل واللبوة الجريحة.

أعتقد إن تلك الإستعارات الفنية، لم يكن الغرض منها المحاكات الفعلية لمعنى الشكل أو الوظيفة التي ترتبت على إنتاجه أو صناعته، في الحقبة التأريخية التي ينتمي إليها. وإنما هي إستعارات رمزية لها دلالتها الأخرى المعاصرة التي أراد الفنان من خلالها الإشاره الى مواضيع أخرى مرتبطة بالخسارة والإنتكاسة والإغتراب، نتيجة عوامل عديدة، قد يكون بعض أسبابها الحروب الدموية وعواقبها، وماتسببت به من خسائر وتحطيم الروح المعنوية على المستوى الإنساني.

لنعد الى معنى إستعارته للصورة التصوريه لبرج بابل الذي رسمها بروجيل في القرن السادس عشر. حيث نجد إن المشهد ينبض بالحياة من خلال العناصر التي يتكون منها.البرج  وهو في طور عمليات البناء الأخيرة، وموكب ملك وحاشيته وهو يلتقي بالبنائين الذين يعملون في موقع البرج، كذلك، مشاهد بعيدة للمدينة وإبنيتها، تتخللها بعض الأشجار التي توحي بإستمرار الحياة والعناية بمرافقها الكثيرة.

arazأما برج بابل الذي رسمه الفنان أراز في لوحاته لأكثر من مره، فهو يتعارض مع  فكرة الصورة الإولى التي رسماها بروجيل. فقد رسمه مرةً وسط بستان للنخيل مُتيبس وخاوي نتيجة التصحُر، والرمال في طريقها  الى طمره، تحيط به أسلاك شائكة، في دلالة واضحة لتدنيس الموقع الآثاري من قِبل قوات الإحتلال الأمريكي عام ٢٠٠٣. وفي أسفل المشهد من الجانب الأيمن صور لنخلة ذات حجم كبير مُتيبسة. أما الجانب الأيسر من اللوحة فقد رسم الفنان صوره  لما تبقى من أسد بابل. وكأن هذين العنصرين كانا آخر الشهود على عملية التلاشي والإندراس البطيئة لذلك الصرح العظيم.

وفي لوحات أخرى لمشهد أطلال البرج، نلاحظ إن الفنان قد صعد من وتيرة المشهد الدرامي في تعرض هذا الرمز الحضاري الى عمليات الخراب والإهمال . فمرةً نلاحظ  مشهد لتفجير كبير بجوار البرج، يصل الى أعلى مستوى للقمة، في دلالةٍ واضحه  تُشير الى العمليات الإرهابية التي طالت حتى المواقع الآثارية بعد الإحتلال . وفي صورةٍ أخرى نشاهد إنحلال بنائه وتفتته من الداخل بشكل مستمر، في دلالةٍ أخرى تُشير الى الخسارة والتلاشي البطيء.

أعمال الفنان العراقي آراز طالب تحمل في أجوائها العديد من الرموز والدلالات، التي قد تكون عصية على الفهم أو الإستدلال عليها، من خلال المُشاهدة أو التعرض اليها من خلال الكتابة. أعمال مثيرة للإهتمام والتأمل لانها تحمل خصوصية تفردها من الناحية الجمالية والفكرية.

Comments are closed.