+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

الفنان علي الربيعي… تجربة النحت المُغايره

منذ أن تعرفتُ عليه لإول مره في عام ١٩٩٨، من خلال منحوتة عنزته الجبسيه، التي فازت بالجائزة الأولى في معرض جائزة إسماعيل فتاح للنحت، الذي أُقيم على قاعة حوار للفنون في بغداد. لا يزال النحات العراقي علي الربيعي كعادته، متواضعاً لا يحب الظهور والأضواء والشهرة. لربما هو سلوك إنساني مرتبط بطبيعته أو شخصيته البسيطه، التي تتجنب الاستعراضات والمنافسات غير المجديه في مجال تخصصه كما يعتقد. مع العلم إن الفنان العراقي الذي يعيش في الداخل، كانَ مُلزم  ذاتياً بأي شكلٍ من الأشكال في التعريف أو الترويج لأعماله الفنية بين الحين والآخر، وإلا كان في طي النسيان. بسبب كثرة الفنانين وقلة عدد القاعات الفنية المُحترفة في بغداد.

في زيارتي الأخيرة لبيروت العام الماضي إلتقيتهُ صدفةً، بعد سنين عديدة مضت على مغادرتي للعراق. لا أتذكر متى كانت آخر مرة إلتقيته فيها في بغداد. مَثَلهُ مِثل الكثير من الأصدقاء الذين تفرقوا ولم أعرف عنهم الكثير، تعرضوا للشتات وإنتهى بهم الأمر للعيش في بلدان عديدة من أوربا وأمريكا. لكنَ علي لم يحسم أمر بقائه بعيداً عن العراق الى الآن. بسبب ظروف قد تكون خارجه عن إرادته، بعضها مشابه لظروف الكثير من العراقيين الذين لا يزالون عالقين في دول الجوار.

ali-2بعد إطلاعي على أعماله الفنية التي تجمع بين النحت وأشكال المجسمات. المشغولة من مادة (PVC). وهي مادة تستخدم لأغراض صناعية ليس لها علاقة قريبة بخامات الإستخدام الفني. تبين لي إن الفنان علي قد خاضَ تجربة فنية جديدة من خلال تلك المادة، لم أطلع عليها في السابق. بدأ التجريب في عوالمها تدريجيا حين إكتشفها لأول مرة عن طريق الصدفة، ومن ثم صار شغوفاً بها بعد أن تمكن من تطويعها لصالح مشروعه الفني.

تتكون تلك المادة من ألواح ذات طول وعرض، وسمك يبلغ مقياسة بعض السنتيمرات . وهي ذات لون أبيض على الأغلب. يقوم الفنان بتقطيعها الى أجزاء محدده حسب حاجته أو ما يتطلبه شكل العمل الفني، ضمن تخطيط مُسبق يقوم بالإعداد له. مرةً تكون تلك الأجزاء على شكل شرائط مستطيلة، وأحياناً ذات أشكال هندسية، وأخرى غير منتظمة. بعض تلك الأجزاء يصل إلى قياسات صغيرة جداً، يستخدمها الفنان في بناء أجزاء مُحدده من أعماله بصبر وعناية تامة.

يقوم الفنان بعمل بعض المقاطع التي تتكون منها أعماله الفنية من تلك الأجزاء المُقطعة، من خلال تعريضها الى مصدر حراري يتحكم به حسب الحاجة، من أجل تطويعها في عملية البناء التي تتطلب دقة وعناية في التنفيذ. وفي بعض الأحيان يقوم بعمل بعض النتوءات أو البروزات من المادة ذاتها، من خلال تعريضها لمصدر حراري أيضاً، يجعلها وكأنها شكل منحوت من نفس المادة، وبدون إلصاقات مُضافة. بعد ذلك يقوم بتجميع تلك الأجزاء وربطها بواسطة لواصق شديدة القوة، أو مادة الكلور اللاصق. أي بمعنى أنه يقوم ببناء العمل الفني على شكل طبقات متتالية واحدةً فوق الأخرى، الى أن يصل بالشكل المُزمع بنائه الى مستوياته المطلوبة التي تتحد لاحقاً ربما. وفي بعض الأحيان يقوم ببناء طبقات في مناطق محددة من الشكل، من أجل عملية بناء عكسية، تعتمد الأزاحة والحذف لاحقاً، بطريقة مغايره لعملية بنائها الأولى وبدراية ومعرفة تامة بخصائص المادة.

ali-4 تكون منحواتاته أو أشكاله المُجسمة ذات لون أُحادي، هو لون المادة ذاتها. بدون أضافات لونية تُذكر أو عوامل أخرى تنتج بعض التأثيرات اللونية من جراء تعرض المادة للمصدر الحراري، وكما يحدث مع مواد أخرى مثل النحاس أو البرونز. وهو بذلك يعتمد كلياً على مُطيات لون المادة الخام والضلال والإنعكاسات التي تنتجها أجزاء العمل من خلال الإضاءة التي تُسلط عليه. وتلك المُعطيات الجمالية الخاصة تُضفي على أعماله فرادة جمالية في غاية الرهافة والحساسية.

أما مواضيعه التي يتعرض لها من خلال تلك المادة الغريبة على النحت، هي في أغلب الأحيان من صُلب مشاكله وهمومه الإنسانية التي يحملها معه أينما يذهب، كفنان لايزال يعيش المحنة والخسارة والأغتراب الداخلي، بعد أن تعرض وطنه الى الحرب وعواقبها المعروفة. وذلك من خلال تمثلات الأشكال التي ينتجها، التي يتكون  بعضها من أشكال جدران تتمزق وتتهاوى بشكل تدريجي وهو شاهد عليها. البعض منها لايزال فيه شيء يوحي بالتماسك أو الصمود. تخرج من خلال أطلالها أو تلتصق على بعض أجزائها أشكال واقعية ذات دلالات رمزية، مثل عربة بناء أو ماسورة ماء وأشكال أخرى. لربما قد ضّمنهاالفنان إلى تلك الأجزاء المُتهاوية ليُشير من خلال ذلك  بأن مازال هناك أمل في أعادة بناء أو ترميم لتلك الجدران، التي يحاول الفنان من خلالها الإشارة الى جسد الوطن أو أسواره وبُناه التحتية والإجتماعية، التي تعرض الكثير من الى الخراب بفعل عوامل عديدة.

ali-5حيث ذكر لي فيما بعد: إن أعماله الفنية التي توحي على أنها أجساد على شكل جدران، هي أجساد بشر أو جدران مُدن عريقة، تقاوم الزوال والفناء من جراء الحروب والكوارث التي تعرضت لها، ومدينة بغداد من ضمنها. تتمسك بالبقاء  بقوة من أجل وجودها والإرث العريق التي تحمله في كل جزءٍ من كيانها وتأريخها العريق. أن محنه الشعور بالخسارة والتلاشي قد تركت أثرها على الفنان كثيراً، لأنها ترتبط بمصيره الإنساني الذي تجذر وأرتبط بتلك المدينة وتفاصيلها الكثيرة. لذلك، هو متمسك بخيط من الأمل يحاول أن يجد له مكاناً وسط ذلك الخراب المُستمر المُنحدر نحو الهاوية من خلال أعماله الأخيرة.

الفنان على الربيعي دؤوب في العطاء ويسعى الى الاكتشاف دائماً، من خلال إنتقالاته  وتوظيفه لمواد جديدة  يستخدمها في نتاجه الفني، من أجل خلق أشكال جديدة والكشف عن مواطن جديدة للتعبير من خلال معطياتها. وبإعتقادي هو من النحاتين العراقيين القلائل الذين خرجوا من قوالب النحت المُتدوالة والمعروفة في المادة والشكل، وذلك من خلال تحقيقة لتوافقات تجمع بين النحت وعمل المُجسم الفني الذي لايعتمد كثيراً على مواد النحت التقليدية.

Comments are closed.