+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

دفاتري الفنية بين الوثيقة والشهادة على العصر..

منذُ بداية إنشغالاتي الأولى بالفن كنتُ شغوفاً بالورق وأنواعه، حينَ يكونُ نظيفاً ناصعاً، حينَ أرسم عليه، وحتى حينَ يتعرض للظرر في بعض الأحيان. وقد إزداد ذلك الشغف حينَ كنت أعمل في إحدى مطابع  بغداد العريقة ( الراية )، في قسم التصميم والمونتاج في مطلع الثمانينيات. وذلك بعد الإنتهاء من الوقت المخصص للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد.

بالإضافة الى المهارات التي كنت أتعلمها في أكاديمية الفنون، في مجال الرسم والحفر على المعادن، كنتُ أيضاً أكتسب مهارات أخرى في مجال الطباعة والتعاطي مع الورق. هناك تعلمت التعامل معه والإحساس به أكثر كمادة أولية تمتلك خصائصها. كذلك، تعلمتُ تجميع الورق وخياطته ومن ثم تجليده على أحسن وجه. وكانت تلك الخبرات المُكتسبه عامل مهم جداً، مهدَ لبادية موفقة في الإشتغال على الدفاتر وتصميمها ومن ثم تصنيعها وفق متطلبات لها علاقة وثيقة بمواضيعها التي كنت أختارها.

كانت دفاتر الفنان شاكر حسن الصغيرة، المصنوعة من قصاصات الورق المطبوع ، وإلصاقات أخرى من الورق الأبيض العادي. المشغول عليها ببساطة وحس جمالي عالي، باعث مهم قد حفزني  أيضاً للإشتغال على الدفتر الفني. في حينها كنا نلتقي بين فترة وأخرى من الزمن للحديث عن الفن والثقافة. وقد ساهمت تلك الأحاديث المُثمرة  فيما بعد في إغنائي ثقافياً. وكانت أيضاً عامل مساعد  مهد للخوض في مجالات عديدة منها: الإهتمامم بفن الدفاتر وصناعتها، والبحث عن جذورها الفنية الأولى. خاصةً في الفن الصيني القديم وفن المخطوطات الإسلامية، والشاهنامات التي تُزينها بعض الرسومات الدقيقة المرافقة للنصوص.

karim3كانت إشتغالاتي الأولى في مجال الدفتر الفني بسيطة جداً. تعرضت إلى مواضيع ذات سمة جمالية  وتصميمية، تُعالج تكوينات وإنشاءات مختلفة في مجال الكولاج والتخطيط والتصميم، ومن ثم إنعطفت في مسار آخر، يُعنى بالإهتمام في مواضيع لها علاقة بالنصوص الأدبية والسيرة. على سبيل المثال : سيرة الحلاج. حيث كان أول دفتر صغير أنتجته في هذا المجال هو ( أسطورة المربع الأبيض في الفراغ الأسود). وهو رؤية  فنية بصرية لمأساة صلب الحلاج. قياس الدفتر ١٠سم x ١٠سم. يتكون من أشكال إشارية ورمزية مُبسطة، تجمع بين الكولاج والتخطيط من اللون الأسود على الورق الأبيض.

في مطلع التسعينيات، حين كان العراق تحت الحصار الأقتصادي، الذي تركت أثاره وطأتها على الحياة والثقافة والفن، كانت تتولد في داخلي حاجات مُلحة للتعبير عن تلك المُعاناة  الإنسانية التي لايمكن وصفها بأي شكل من الأشكال . كنتُ أشعر في ذلك الحين إن اللوحة الفنية التقليدية لم تعد  تفي بالغرض اللازم، للتعبير عن تلك الحاجات المُلحة، مها كان حجمها أو وسيلة التعبير التي تتبناها إسلوبياً، لانها ستكون منتهية عند حدودها المعروفة سواء كانت مربعة أو مستطيلة أو غير ذلك.

 تلك الدوافع والحاجات قد أسست بشكل ملموس فيما بعد لنهج تبنيتهُ في الإشتغال على الدفاتر الفنية. حيث أخذ مساراً شبه مُستقل عن سياق الإشتغال في اللوحة وعوالمها المعروفة. وقد ساهمت العديد من التصاميم التي كنت أعمل عليها في تهيأت نوع من الحُرية  في الإنتقال بين صفحات تلك الدفاتر أو طياتها المُتعددة، بدون قيود أو حسابات للمساحة والشكل . وقد نتج عن ذلك تحقيق إنشاءات فنية تقترب من شكل النص البصري أو السيناريو المُتتابع، لإعطاء تصورات أكثر عن موضوع الدفتر حين تصفحهِ.

من أهم الأعمال التي أنتجتها في ذلك الحين: دفتر متكون من خمسة وأربعين صفحة، عنوانه ( درب الآلآم ). وهو رؤيا فنية بصرية لسنين الحصار. إعتمدتُ في تنفيذ ذلك العمل على تضاد اللونين الأبيض والأسود بواسطة الكولاج والتخطيط المُبسط من مادة الحبر الصيني. و قدمت نص مرافق لذلك العمل شارحاً وموضحاً رؤيتي الفنية لموضوع الحصار وكيفية تنفيد العمل على تلك الشاكلة، ليكون مدخلاً للدفتر. ُعرض لأول مرة في معهد العالم العربي في باريس، في معرض لمجموعة من الفنانين العراقيين من جيل الحرب والحصار.

karim4مع تقدم الخبرة في مجال تصنيع الدفتر في فترة التسعينيات، إستهوتني فكرة تصنيع الورق الخاص، وبعض الكارتون السميك من بقايا الورق والكارتون التالف. حيث قادني ذلك البحث الى الخوض في مجاهيل لم أكن أعرف عنها شيء في السابق، و كانت دكاكين الوراقين وصُنّاعهِ في المنطقة المحيطة بشارع المتنبي خير عون في ذلك. حين كنتُ أتردد عليها بين الحين والآخر، وأُقيم بعض الحوارات النافعة مع بعض العاملين في ذلك المجال الشيق بالنسبة لي. وقد تطورت تقنية التحضير التي كنت أُمارسها بشكل ملموس جداً، من خلال ما أنتجته من ورق متكون من طبقات عديدة  ذات ألوان مختلفة كنت أعمل على تحضيرها،  تشبه الى حد كبير بعض السطوح الكثيفة التي كنت أعملها علي سطوح لوحاتي في مجال الرسم على البورد الخشبي.

 مكنتي تلك الإكتشافات من إنتاج دفاتر مهمة ذات حس جمالي  ووجداني عالي، في التعامل مع الورق وتوظيفه بشكل  يحقق الغرض أو الوظيفة في كل دفتر وبخصوصية تامة. وكانت بعض الدفاتر التي أنتجتها في هذا المجال بالتحديد، تلك التي كنت أتعقب فيها الآثر الإنساني والمتروكات واللقى الآثارية لحضارة وادي الرافدين، وبعض الفترات من الحضارة الإسلامية، ونتاجها من المخطوطات والمُنمنمات. حيث كانت تلك المنطقة المحددة بالذات، هي مجال بحثي الفني والجمالي في مجال الرسم في فترة التسعينات.

 من أهم الدفاتر التي أنتجتها في تلك الفترة : كتاب العالم السفلي، كتاب اللمقرؤات، مقامات الحريري،  تنقيب الزقورة، كتاب الألواح النذرية ، كتاب الطروس،  دفتر الحظرة،  دفتر النجوم، دفتر تحية الى شاكر حسن ال سعيد ودفاتر أخرى عديدة.

بعد عام ٢٠٠٣، حيث أصبح الإحتلال الأمريكي حقيقة واقعة، وترافقت مع وجوده كنتيجة، الكثير من الأحداث التي زادت من وتيرة العنف والتفكك في المجتمع العراقي، حيث تركت آثارها على الحياة والثقافة والفن بشكل واضح. ونتيجة لذلك، كانت أعمالي الفنية في مجال الرسم والتخطيط وعمل الدفاتر تنحى منحىً آخر عن ما كانت عليه، مُتأثرة بكل مايحدث على أرض الواقع، من خلال تصعيد للكثير من الأشكال والرموز التي كنت أستخدمها، والألوان التي أصبحت أكثر حرارة وسعه في حيز الأعمال الفنية. مما أضفى مظهر آخر على أشكالها، يختلف عن ماكانت عليه في السابق.

كان أول دفتر فني أنتجته في تلك المرحلة هو ( حرائق بغداد). يتكون من عشرة صفحات مطوية سائبه، يجمعها غلاف على شكل صندون متكون من مادة الكارتون. كان ذلك الدفتر بمثابة وثيقة فنية بصرية وشهادة على العصر الذي كنت أعيشه، حين تعرضت المؤسسات التأريخية والفنية والثقافية والمدنية، للنهب والحرق تحت أنظار القوات الغازية التي جاءت داعية للحرية والخلاص من قبضة الدكتاتور.

أعقب ذلك بفترة قصيرة إنتاجي لدفتر كبير الحجم تحت عنوان ( شعارات الجدران بعد الإحتلال الأمريكي ) ، وهو نتاج وخلاصة لما قمت به من تصوير على مايقارب ثلاثمائة صوره رقمية، للشعارات السياسية  على الجدران في منطقة بغداد، التي تعود للأحزاب السياسية والدينية، كذلك الشعارات التي كان يكتبها الناس العاديين، التي تعبر عن وجهات نظرهم إزاء مواضيع كثيرة. منها زوال الدكتاتور أو رفضهم للإحتلال . حيث كانت تلك الظاهرة تُسجل لأول مرة في تأريخ العراق بعد سقوط النظام وبهذا الكم المُلفت للأنظار من الكتابات والشعارات.

بعد ذلك انتجت العديد من الدفاتر الفنية التي إرتبطت بأحدات تأريخية وسياسية مهمة خلال تلك الفترة العصيبة من حياة الشعب العراقي. منها :دفتر هنا كان بيتي، دفتر جدران بغداد الإسمنتية، دفتر الخارطة،  دفتر السرطان، دفتر بغداد مدينة مُحتلة، دفتر بغداد مدينة مجزأة، دفتر مابين النهرين، دفتر تفجير شارع المتنبي، كتاب الطائفية، ودفاتر عديدة أخرى ، كان آخرها حول تفجير في منطقة الكرادة في العاصمة بعد عام ٢٠١٦، حيث ذهب ضحيته أكثر من ثلاثمة شخص.

2-1على مدى تلك السنين من تجربتي الفنية في مجال الإشتغال على الدفتر، حققت منجزات أستيطع القول بأنها ذات أهمية كبيرة  ونوعية بالنسبة لي  شخصياً، وللفن العراقي على العموم  في هذا  المجال من الفن الحديث. إستطعت من خلالها أن أوثق العديد من الأحداث التي عاصرتها وكنتُ شاهداً عليها في كثير من الأحيان ، برؤيا فنية وتقنية تكاد تكون مختلفة عن عمل الكثير من الفنانين العراقيين، لأنها  ذات خصائص جمالية مختلفة تماماً عن جماليات اللوحة التقليدية في عرضها أو تلقيها من قبل الجمهور. وتأكيداً على خصوصيتها بالنسبة لي، هو إعتبارها بمثابة مؤلفات فنية بصرية من نسخة واحدة، لها عناوينها الخاصة ومتونها الداخلية، التي يختلف تصميم بعضها عن الآخر إختلافاً تاماً.

 كذلك، إن ما يؤكد على خصوصية هذا النوع من الأعمال الفنية، هو  وجود معارض عالمية نوعية تنظمها بعض المتاحف والجامعات العالمية المُتخصصة. كما توجد العديد من المراكز الفنية المُتخصصة التي تقوم بتنظيم ورش فنية لتعليم هذا النوع من الفن والترويج له، بإشراف بعض الفنانين المختصين في هذا المجال.

 وقد كانت لي نشاطات عديدة مع نخبة الفنانين العراقيين من الذين  يمارسون هذا النوع من الفن الحديث،  في إقامة العديد من المعارض العالمية، حيث عُرضت الكثير من أعمالنا الفنية في متاحف عالمية وقاعات عرض فنية خاصة، وحكومية تابعة لبعض الجامعات العالمية. منها: معرض الكلمة في الفن في المتحف البريطاني، معرض الدفتر في مركز الكتاب الفني في نيويورك، معرض لمجموعة فنانين عراقيين في متحف المحطة في هيوستن، معرض الدفتر الفني في فير فرانكفورت للكتب، وقاعات فنية أخرى.

من الفنانين الذين أسهموا في هذا الإتجاه وتكريسه بشكل فعلي وملموس، وقد ترك كلاً منهم بصمته الخاصة في مجال عمله هم: الفنانين، شاكر حسن، رافع الناصري، ضياء العزاوي، إسماعيل فتاح، هناء مال الله ، عمار سلمان ، غسان غائب ، نزار يحيى، محمود العبيدي، نديم محسن، سامر أسامه و محمد الشمري .

Comments are closed.