+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

على فوزي وتاريخ المسرح العراقي.. امسية المقهى الثقافي في لندن

حرص المقهى الثقافي في لندن ان يقدم كل ما هو مميز من الابداع الفني العراقي. منها امسيته بالاحتفاء بقامة عالية في المسرح والسينما العراقية الفنان علي فوزي.

يحز بالنفس اننا نعرف عن الفنانين المصريين والامريكان وبعض الانكليز اكثر مما نعرف عن عطاء وحياة الفنان العراقي بالرغم من تميز انتاجهم وحرصهم على تطوير الذائقة العراقية، متحدين كل الظروف والتعتيم الاعلامي ، وتجاهل المؤسسات الحكومية المعنية بالثقافة والادب وما يخص السينما والمسرح.

فالحرمان لم يقتصر على الجيل الحديث الذي يجهل تماما تاريخ حافل بالعطاء والتضحيات لفنانين لا يعرفهم سوى الوسط الثقافي المحدود. بل حتى الجيل السابق.وتأملنا خيرا بالانشطار الاميبي للفضائيات العراقية والعربية لتبتدع برامج تعرف المشاهد بالمنجز الفني والسينمائي العراقي وتسلط الضوء على تلك النخبة من الفنانين. لكن للأسف لم تكن سوى نسخ مكررة لبعضها، تكرر مثل الببغاء ما تتناقله وسائل الاعلام الغربية عن الكوارث والارهاب.

فبات المقهى الثقافي في لندن المنبر الاول، لنقل صورة مضيئة عن الثقافة العراقي لابناء الجالية بالرغم من الامكانات المحدودة وتغافل المؤسسات العراقية المعنية لموضوع دعمها لتلك المنابر التي تغذي الروح الثقافية وتنقل صورة مضيئة عن الثقافة العراقية التي تكاد تختفي خلف حواجز التجاهل والتعتيم، وتخلف وسائل الاعلام العربي والعراقي الذي يحرص فقط على نقل مظاهر التخلف وسط تقصير الحكومة لمسؤولياتها في حماية المواطن وتوفير سبل العيش الكريم له!

فكانت امسية الفنان علي فوزي هي امسية لتاريخ المسرح والسينما بنفس الوقت. فعلي فوزي لم يكن ممثلا فقط بل تعددت قدراته ومواهبه في الاخراج والصحافة وادارة المسرح فنيا واداريا وماليا.

وكان حبه للمسرح جعله يحرص على الحضور قبل الجميع ولتواضعه لم يتوان من القيام بكل ما يوفر لزملائه من راحة ليواصلوا عملهم بالرغم من الضغوطات وتجاهل المسؤولين لتوفير ما يتطلبه المسرح من ايدي عاملة. واكد كل من كتب عنه امانته وخبرته في الحسابات لعمله في البنك لعدة سنوات جعلته يقوم بمهام الحسابات لكل مسرح يشتغل فيه.

قدم الضيف الفنان المخرج علي رفيق احد اعمدة المقهى ومؤسسيه:

ali fawzi“ان الحديث عن ومع علي فوزي يعني الحديث عن اكثر من نصف قرن من عمر المسرح العراقي ..عرفت فيه الصفات النبيلة المتفردة كانسان وكفنان وكمناضل .المخلص للصداقة والمفعم بحب الناس وتوقه الدائم على العطاء دون مقابل.. الأمين (أمين صندوق اينما يحل).

“وكفنان فعنده الفن قضية يبحث من خلاله عن فعل تغييري من اجل الأفضل .. رجل المبادرات،من اوائل الساعين الى تأسيس العديد من الفرق في البصرة وبغداد والمنفى .. تقديسه للعمل الفني يتجلى في اختياره النص الدرامي ،الذي يشترط فيه، الفكرة والمضمون الانساني …. والمشاركة في كل مراحل العمل الفني من تحضير الثلج، الى مسك سجلاته وصرفياته – هذا ما يفسر وجوده منتخبا في الهيئات الادارية لكل الفرق الذي عمل فيها.

” حرصه على تجسيد الشخصيات بالمثابرة في التمرين والحوار مع المخرج.. وتمثيل أي من شخصيات المسرحية التي تنتجها فرقته لا يهم ان كان  طويلا ،رئيسيا ام قصير، كومبارس.. اضافة الى تبرعه باعمال تقنية في المساعدة في الاخراج والادارة المسرحية حتى لصق اعلانات الدعاية و استقبال..الخ. فيعمل بروح الفريق ولا يهمه ظهور الذات..

وكمناضل: انصهر في العمل الطلابي ضد الحكم الملكي وبعد 14 تموز1958 انخرط بالعمل السياسي وساهم بكل الفعاليات الداعمة للثورة .. وبعد انتكاستها وفي انقلاب شباط كان من اوائل المعتقلين ..

 وبعد الهجمة الفاشية الدكتاتورية هرب من بطشها الى المنفى عام1979. وتعددت منافيه فكانت لبنان – اليمن – اليونان – سوريا – بريطانيا ومن هناك واصل نضاله لحد الان.

وككاتب له العديد من المتابعات النقدية عن المسرحيات في الصحافة البغدادية .. من اوائل الذين كتبوا في النقد السينمائي وهو الوحيد الذي كان يغطي جميع المهرجانات السينمائية منذ النصف الثاني لستينيات القرن الماضي: موسكو، طاشقند، لايبزيك الوثائقي وقرطاج .. ويحرص على التعريف بالأفلام المعروضة فيها.. وفي المنفى كتب المقالات الفنية المتخصصة في المسرح والسينما في الصحافة اللبنانية والسورية والعراقية المعارضة في المنفى”.

كان اخراج الامسية ممتعا بعيدا عن الرتابة. فتخللها العديد من الشهادات في حق الفنان علي فوزي بعضها ارسل من الخارج  من قبل ممثلين ومخرجين وكتاب عاصروا مسيرته الفنية والانسانية. عرضت مسجلة على فيديو او قرأت من قبل ضيوف المقهى.

منها رسالة من الفنانة هناء عبد القادر. وجاسم مطير وفارس الماشطة “الذي جاء فيها ” الفنان علي فوزي ممثل مثقف وباحث يمتلئ بتفاصيل الشخصية.. ليقدمها على خشبة المسرح بكل اقتدار صوتي ومرونة جسمانية عالية.. وله قدرات كوميدية شعبية راقية. بجانب ابداعه في الادوار الدراما ..فكيف ننسى دور الطبيب في مسرحية السؤال، والذي قدم فيها علي فوزي ولساعتين دون توقف شخصية قلقة ..”.

ومداخلة من قبل الممثل والمخرج جمال امين حكى فيها عن تجربته مع الفنان علي فوزي في اول فيلم له (بيوت في ذلك الزقاق) ” تعرفت على الفنان الكبير علي فوزي الفنان المثابر والمتنوع المواهب، تعلمت منه الاصغاء والانتباه لكل التفاصيل والتعواضع والالتزام بالمواعيد. وعلي فوزي من المبدعين الذين كانوا حريصين على مساعدة الشباب من الممثلين..ولرهافة مشاعره ورقته رفض ضرب الممثلة التي كانت تلعب دور اخته في مشهد يتطلب ضربها وبشكل مبرح. رفض ذلك مكتفيا بضربها بشكل خفيف لا يؤذيها فاضطر المخرج الى التدخل والتحايل على المشهد بطريقة ما” .

كذلك تخلل الامسية عروض لمشاهد من مسرحيات وافلام عمل فيها الفنان علي فوزي منها الفيلم العربي عائد الى حيفا.. وفيلم الحارس والسؤال وبيوت في ذلك الزقاق اضافة الى العديد من المسرحيات.

كتب عنه بعض الكتاب عن مسيرته الفنية ودوره في تأسيس العديد من الفرق المسرحية. منهم قاسم حسن:

 ” البصرة كما هو معروف منبع المبدعين في الموسيقى والمسرح في السينما والشعر، أسماها الشاعر الراحل مهدي محمد علي ( جنة البستان).هذه المدينة قدمت للعراق والعرب (بعيدا عن النفط ونقمته عليها) خيرة المبدعين في شتى حقول الثقافة والفنون. إنطلق منها الفنان علي فوزي، في المسرح اولا ، ومن ثم في السينما، وكان من روادها. نشأ وترعرع فيها ودرس وتعلم .. ومنها كانت البداية.

ولد الفنان علي فوزي ناجي في مدينة البصرة وبالتحديد في ( محلة السيمر) عام 1938 ودرس فيها. بدأ العمل الفني فيها عام 1952 وهو لازال طالبا في المتوسطة خاصة في المسرح مشاركا مجموعة من الطموحين والمبدعين،بعدها تطورت هذه المجموعات الى فرق تقدم اعمالها من خلال النوادي الاجتماعية والرياضية وغيرها من الجمعيات الخيرية والاجتماعية … وكانت مصدر جذب للشباب لدقة اختيار المواضيع التي تتناسب وحجم المعاناة والظروف … واختياراتهم تعدت العراقية الى العربية كتقديمهم مسرحية (أهل الكهف)        للكاتب المصري توفيق الحكيم .. والعالمية كمسرحية البؤساء.

تأسست في البصرة عام 1956 فرقة ( النور المسرحية) مع نخبة من المبدعين.. شارك علي فوزي مع هذه الفرقة بأعمال كثيرة.. كان له دور البطولة في مسرحية( فلوس الدوا) لمؤلفها الفنان يوسف العاني واخراج الفنان قاسم حول ومسرحية ( المنتفخون في البيت) للكاتب توفيق البصري واخراج قاسم حول ايضا، وكذلك مسرحية ( تباريح بائس) عام 1959، اضافة الى كتابته لمسرحية (انتصار السلام) مع الفنان قاسم حول وقدمت لنفس الفرقة في البصرة .

شارك وهو طالبا في معهد الفنون في تأسيس فرقة المسرح العراقي في بغداد عام 1960 وساهم في اعمالها اضافة الى انتخابه في هيئتها الأدارية وامينها المالي لأمانته وخبرته من وظيفته في البنك المركزي العراقي حتى عام 1963 … حيث انشغل في اتمام اطروحته في التخرج من معهد الفنون الجميلة التي اختارها من المسرح العالمي لكاتبها ( تشيخوف) مسرحية اغنية التم….

في عام 1965 شارك في اعادة تاسيس أعرق الفرق المسرحية في بغداد (فرقة المسرح الفني الحديث) التي أنتخب أمينا عاما لها لأمانته الكبيرة والمشهودة له في الوسط المسرحي والفني اضافة الى مشاركته في اغلب اعمالها المسرحية ممثلا.. ابرزها كانت مسرحية ( فوانيس)لكاتبها طه سالم ومخرجها إبراهبم جلال.

لم تنحصر أعماله الفنية في المسرح فقط ، فساهم في تمثيل الكثير من الاعمال التلفزيونية والاذاعية والسينمائية بالتزامن والتناوب مع نشاطه في المسرح والكتابة والنقد الفني منذ ان كان في البصرة وكذلك متابعاته الكتابية في الصحف والمجلات الفنية العراقية والعربية .

“كان له دورا مهما في كافة الأعمال التي شارك فيها لذلك يختاره المخرجون لجديته وانضباطه في العمل… شارك في فيلم ( سنوات العمر) من اخراج الفنان الراحل( جعفر علي) بين بغداد وميونخ عام 1976 وكان اداريا مهما بالاضافة الى مساهمته في التمثيل..

تتالت اعماله للتفزيون العراقي  بغداد حتى عام 1977 حينها اصبح الدخول لمبنى التلفزيون محرما عليه نظرا لمواقفه التقدمية والمناهضة للتسلط..

إستمر عمله في السينما حتى بعد خروجه من العراق عام 1979 ومع نفس المجموعة والذين كان مصيرهم المنفى أمثال الفنان والمخرج السينمائي( قاسم حول) الذي شارك معه في الفيلم العربي ( عائد الى حيفا) ممثلا ومساعدا للمخرج ومديرا للانتاج … هذا الفيلم الذي كان له صدى واسعا في مهرجانات السينما في دمشق وموسكو وعرض في دور السينما العربية في بيروت ودمشق وليبيا وفلسطين واليمن وغيرها من الدول العربية والعالمية .. وكذلك فيلم ( البحث عن ليلى العامرية ) الذي انتج بين اليونان ولبنان وليبيا والجزائر عام 1989.

شارك ومثل العراق سينمائيا في العديد من المهرجانات والمؤتمرات السينمائية بالرغم من المطاردات التي تلاحقه مع زملاءه من العراقيين ( دمشق-طاشقند-بيروت- ليبيا- الجزائر- أثينا اليونان –لايبزج المانيا وغيرها.

كان موظفا في البنك المركزي العراقي منذ عام 1961 وكذلك عمل في مصرف الرافدين / بغداد لأكثر من عشرين عاما وفُصِل منه لأسباب سياسية معروفة عام 1979…

بعد سقوط النظام القائم في بغداد والتغيير في العراق عاد الى بغداد على امل ان يساهم في النظام الجديد عارضا خبرته الكبيرة التي امتدت لأكثر من خمسين عاما في الفن والادارة ،عرض خدماته على وزارة الثقافة الجديدة وكان يأمل أن يكون بالمؤهلات والخبرة الكبيرة، ضمن من يساهم في البناء والتعمير خاصة في ادارة شؤون المسارح والسينما. خاب امله وعاد من حيث آتى يتأمل خيرا لوطنه ولشعبه بعد عمر زاخر في الأنجازات والتجارب”.

للأسف ان مهمة وزارة الثقافة اليوم تقشيف الثقافة واغلاق المؤسسات الثقافية المنفذ الحكومي الوحيد لإعطاء صورة معقولة عن الحياة الثقافية العراقية!.

يبقى الامل ان يصحى ضمير الوزارات العراقية والاعلام العراقي للعمل من اجل تطوير المؤسسات العراقية ومراعاة المبدعين ودعمهم وتقدير ما بذلوه من جهد في تطوير الحالة الثقافية. فما اضيق العيش لولا فسحة الامل.

Comments are closed.