+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

علاقتي مع السينما

بدأ تعلقي  الوثيق بأول اكتشاف للصورة المتحركة وأنا في الخامسة من عمري في عام 1975 في مدينة نائية صغيرة على تخوم الحدود السورية التركية . في ذلك العام كانت الصورة في أوجهها وكمالها في العالم . حيث كانت السينما تستنبض (تثير) مشاعر الملايين من المشاهدين , وتساهم في تكوين ثقافتهم ووعيهم ,والى جانب ذلك كانت تساهم أيضا في خلق الإبداع لدى المهتمين , حيث كانت السينما في تطور مستمر وهذا ما جعل المنظرين والمفكرين , كتاب الروائية, والشعراء ورجال الدين من أمثال < دي دبليو جريفيث- كارل ماير- بازوليني > للمساهمة في تطوير هذا الفن العريق , وكشف إسراره وجماليته كنا أطفالاُ صغارا نلهو ونتعلم بحجم صغرنا وبحجم بيوتنا الطينية الصغيرة . نذهب إلى تخوم الحدود التركية ,نجرب رصاص التركي ونحن نشاكسهم ببراءتنا البيضاء . يبدؤون بإطلاق الرصاصات علينا , نركض بلهاث ممتع كمن يجرب ويختبر الموت في سن مبكرة . نختبئ بين التلال والوديان . نرجع إلى بيوتنا بنشوة انتصاراتنا كنا نحاول دوما أن نكتشف ما هو  أبعد منا مسافة , فحتى سلسلة جبال طوروس البعيدة عنا كنا نحاول اختراقها كنا أشقياء جدا وكنا نميل لاكتشاف كل ما حولنا  جربنا الموت بكل إشكاله . لكن الحياة كانت واسعة لنا أكثر من حدود مدينتنا الضيقة ؟ لم نعرف بتاتاً ما هي الصورة المتحركة ولم نشاهد التلفاز ولا السينما لكن كنا على دارية أن الصورة بإمكانها أن تتحرك وتتوقف متى ما نشاء , كما كنا نحرك العسكر التركي وهو يرمي علينا الرصاص !

في أول التقاط للصورة المتحركة أتذكرها تماما, وأنا مازلت في الخامسة من عمري الصورة المتحركة في ” التنك” لا تستغربوا مني فهي الحقيقة وسأشرحها لكم با لتفصيل كنت أجلب تنكه وما أكثرها في مدننا. أطوي ورقة بيضاء داخل التنك واثقب ثقباً صغيراً في منتصف التنك واجلس في زاوية الظل أضع راسي داخل التنك فتظهر على بياض الورق حركات البشر وفوضى بيوتنا المبعثرة . كان تمثيل للحظة والحقيقة كنا نتجاهلها كان هذا أول جهاز للعرض السينمائي الذي اكتشفته في مدينتي النائية لم اكتفي يبذلك بل كنت أدعو الصغار في حارتي للمشاركة وهم مسرورون بهذا الاختراع. يشاركون معي في تقليد الكبار والحيوانات وحركات” صوفي كنودورو” _ شخصية شعبية في مدينة عامودا_ وأيضا كنا نمثل لعبة العسكر التركي فيظهرون على الشاشة البيضاء في التنك كما يظهر الممثلون في شاشة السينما .

تنكتي لم تتوقف. كنت أحملها معي أينما كنت , وتنام معي , حتى أصبحت مجنوناً بالتنك . في قريتي ” الدوادية” كان الصغار يلتفون حولي با استغراب من هذا الصغير القادم من المدينة. كنت أبشرهم بقدوم الصورة المتحركة فيتفاعلون معي ومع التنك كما لو إني مسرح خيال الظل وكركوزوعيواظ في أن واحد .

مضت الأيام …….. دخلت إلى المدرسة وتعلمت الألف.. باء.. . كنت مجتهداً في صفي لكن بقيت ذلك المجنون بالتنك الذي  يحلم كيف يحرك الرموز والإشارات في صالة عرضه !” التنك”. اصطدمت بتلميذ كان يغيظني دائما لإنه يمتلك تلفاز اًفي البيت أفضل من تنكتي مرت الأيام وأنا أفكر في هذا الجهاز الملعون. طلب مني إحدى المرات أن أعلمه الألف.. باء مقابل أن أذهب معه لمشاهدة التلفاز, لكنه ضحك علي, لأنه دلني على الصارية بدلاً من  التلفاز!. سررت كثيراً لأن تنكتي أجمل وأفضل من صاريته الحديدية الصامتة .

لكن ما لبثت واكتشفت أن تلفازه كان يعمل أكثر من تنكتي . فكنت دائما أتردد عليه في البيت لنتفرج على أفلام الكرتون التي أدهشتني إلى أن امتلكنا في المنزل جهاز َتلفازٍ صغير, كانت فرحتي لا تقاس باختراق طوروس ولا با ابتكار تنكتي المتواضعة التي لازمتني سنوات .

استمر تدفق الصور والأفلام المتحركة ينعش ذاكرة  طفولتي حتى أصبحت مهووساً بحركاتهم وإشاراتهم . نسيت تنكتي التي أصبحت مرمية في حديقة الدار. ومرت السنوات وشيطان الصورة يكبر معي . وكبرت وكبرّ معي حلم ” التنك” تعلمت الكثير وقرأت ألف .. باء السينما من جديد .

في مدينة عامودا كانت هناك صالة واحدة لعرض الأفلام , وكنت ارتادها باستمرار  تعلمت من هذه الأفلام وتعرفت أخيراً ماذا تعني السينما وذلك من خلال زيارتي المستمرة إلى العاصمة دمشق وحضور المهرجانات السينمائية بكل تأكيد كان  لهذه المحطات تأثيراً  كبيراً على ثقافتي وتعلقي بهذا الفن المدهش وهذا ما دفعني  للتقدم إلى المعهد العالي للفنون المسرحية  الوحيد في دمشق لكني صدمتُ كصدمتي مع ذلك الصغير الذي كان يغيظني بجهاز تلفازه .

ورغم أن الفيلم قد تطور كصناعة معقدة وفن , إلا أنه بقيت له طبيعة محافظة إلى حد بعيد فخلال الفترة الزمنية نفسها , شهدت الفنون الأخرى ثورات هائلة وانقلابات حادة حتى أنه قد يكون من الصعب على المؤلفين الموسيقيين في منتصف القرن الحالي أن يتعرفوا على الموسيقى

في شكلها الحديث. ورغم أن الاختلاف بين فيلمين مثل ” العالم المفقود” 1926 و” تا تينك2005  قد يبدو كبيرا , فانه يظل اختلافا تقنيا وليس تقدما فنيا.

لقد بدأت السينما كتسجيل مباشر للحظات الحياة اليومية ثم سرعان ما تطورت ليصبح لها وجودها الخاص وإحساسها الخاص , ذلك الإحساس الذي دعاه بازوليني ب”حضور الكاميرا ” وهو تعبير عميق عن طبيعة السينما ذاتها . فالفيلم شكل حائر , حيث انه دائما يتضمن تعويضاً يتجاوز الفن والتسلية . حتى أن الأفلام السيئة تظل قادرة على اطلاع المشاهدين على الكثير من تفاصيل الحياة في لحظة محددة في مكان محدد .

Comments are closed.