+31-75-6401603 info@adabfan.com
أدب فن مجلة ثقافية ألكترونية تعنى بكل أشكال الكتابة الأبداعية

مسرحية الرصيف

المسرح مظلم تماماً، فترة صمت، ترتفع موسيقا حزينة تدريجياً تختلط بصوت أنين،

يضاء المسرح باضاءة خافتة.

يظهر في الوسط شخص يدير بظهره للجمهور ووجهه في الإتجاه المعاكس، لانتمكن من الوهلة الأولى الإحاطة بمعالم المنظر أو الشخصية بسبب الإضاءة التي تتقصد التشويش على الرؤية، كما تحاول الزج بنا في عالم غرائبي، يتضح الأنين الذي تكون مصدره الشخصية الوحيدة هي شاب يجلس واضعاً رأسه بين ركبتيه، نصفه العلوي شبه عاري فالشميز الأزرق البالي الذي يلبسه شبه ممزق، تتضح الرؤية أكثر وصوته يرتفع، نسمع أنفاسه وسعلاته وتنهيداته، نراه مقيد القدمين بحبال تمتد وتلتف حول برميل ويكون خلف البرميل كرسي أنيق ودوار يجلس عليه شخص ضخم نعجز أن نلم بملامحه.

تغمر المسرح إضاءة أكثر وضوحاً مصبوغة ببعض الحمرة، تتضح تفاصيل المنظر، نرى في اليمين جذع شجرة النخيل واقفاً تحيط به بعض الأحجار كأنه مغروس فيها، في الوسط الشخصية المقيدة وخلفها البرميل يبدو هناك مسافة محددة بين الشخصية والبرميل، في اليسار نرى أغصان مهملةوبعض النبتات الصغيرة مقلوعة ويابسة تتوزع في عدة جوانب وبعض الكتب والصحف الممزقة والمتناثرة في عدة جوانب، كما يظهر سلم خشبي.

يزداد أنين الشخصية، يرفع رأسه يستديرــــ ليكون وجهه في مواجهة الجمهور..ينظر إلى اليمين فتزداد الإضاءة وضوحاً لتنقل لنا وجهة نظر الشخصية، يستغرق بعض الوقت ثم يلتفت إلى اليسار ليتامل تفاصيل المنظر وتستمر الإضاءة بوظيفتها لنقل وجهة نظر الشخصية التي تبدو مرتبكة وتجهل مكانها وزمانها.

بعد هذه الرحلة في تفاصيل المنظر تتحول وجهة نظر الشخصية إليه، يتحسس جسده النحيل وثيابه الرثة، يمسك برفق عقداً من الفل معلق حول عنقه، يحاول النهوض، يبدو مرهقاً، ينهض بصعوبة، لايتحرك للحظات،

يبدو متجمداً، ثم يحاول التقدم، يبدو خائفا، يرتعد جسده، نحسّه يتألم وخائف، يتحاشئ النظر إلى البرميل والشخصية المجهوله خلفه، يطول إنتظارنا لسماع ماسيقوله الشاب يبدو أخيراً أنه قرر سرد حكايته.

الشاب : أنا هنا منذ زمن..لا أدري منذ متى أنا هنا؟

(يكرر العبارة، يرفع صوته كأنه يقولها محتجاً على وضعه الذي يبدو أصبح يدركة، تظل علامات الألم تسيطر على نبره صوته، هنا الإضاءة تهتم به وتركز على وجهه)

الشاب (وهو يتحسس جسدة) : أنا هنا منذ زمنٍ، نعم منذ زمنٍ طويل

آخ آه أشعر بالبرد، أشعر بالبرد

أجل أحياناً يكون الشتاء قاسياً

( يحاول التقدم لخطوات، يسقط، يدرك أن الحبل يؤلمه ويعيقه، يزحف إلى الامام، ثم يحبوء على يده، يقترب من بعض الأغصان اليابسة، يبتسم، يستوي جالساً على ركبتيه، يرفع رأسه)

الشاب : هذه الأغصان، أغصان الشوك

تصلح أن تكون حطباً

( تبدو عليه معالم الفرح للحظات، ثم تتغير الملامح كأنه يرفض الفكرة التي نطق بها مع كلمه حطب يمسك ببعض هذه الأغصان يتأملها ثم يشمها، يضمها إلى صدره..يواصل حديثه رافضاً للفكرة)

ماذا حطباً؟

لا لا لا

كيف أحرق ذاكرة الحياة؟

(يستوي واقفاً يتقدم عدة خطوات، تسقط بعض الأغصان من يده، يعيد جمعها، نجد لديه المقدرة على التحرك، يكون أكثر نشاطاً وديناميكيه، يتجول هنا وهناك يلتقط بعض الأغصان وأوراق الشجر اليابسة هنا تتعامل الشخصية مع هذه الأشياء، يمسك بها، نسمع صوت هذه خششة الأغصان والنبتات المخلوعة، يتعامل معها الشخصية ككائنات لها قداسة ويكون المؤثر الصوتي يُخلق من خلال هذا الحرص لإعطائها حضوراً حياً وليس مجرد مهملات.وهو يحس بالسعادة، لكن هذا الفعل ينغصه الرجل خلف البرميل الذي يبدو هو من يتحكم بالحبل، حيث يشد الحبل، يهتز جسد الشاب المقيد، يتماسك، يحاول التقدم، الآخر يشد بقوه ليسقط البطل، لكنه يسرع بالنهوض، يتقدم بحذرٍ)

الشاب : شوك.. أغصان..أوراق يابسة تعني حياة

( يصرخ محدثاً ضجيجاً ويكرر العبارة محاولاً التقدم) نعم حياة

(يبدو أن الشخص الآخر منزعجاً، يقف، لكن الإضاءة تتعمد عدم توضيح ملامحه، هنا يشد الحبل بقوه، يترنح الشاب، يسقط، يسحبه الآخر بواسطة الحبل دون أن يقترب منه أو يلمسه، يقاوم الشاب مع ذلك يجد نفسه قد وصل بقرب البرميل، يرفع رأسه.)

الشاب : زاد الألم.. أنا أسف أيها السادة

(معتذراً)

لا أستطيع التقدم أكثر..فأنا مقيد بهذا الحبل يشدني إلى الوراء.

(يحاول الإمساك بالحبل، يتمكن من ذلك، يمسكه، يتصارع معه، ثم يرتخي الحبل، ينهض الشاب مستغلاً المساحة المتاحة له، يتقدم خطوات)

الشاب : يقيدني ذلك الرجل

( يشير إلى جهات متعددة كمن يحسُّ بسيطرة الرجل على المكان ويتحاشئ الإشارة إلى مكان جلوس الآخر حيث الظلمة تحجب تفاصيل كثيرة نظل نجهلها في العمق)

الشاب : إنه رجل قاسي..هو الآخر معي هنا

معي على هذا الرصيف البارد…ربما ذهب الآن إلى زاوية أخرى

هذا الرجل أظنه عابس الوجه، لا أعرف تفاصيل ملامحه جيداً.

ما أعرفه، أنه يقيدني بهذا الحبل..يحاصرني..يسجنني هنا.

( هنا يشد الرجل الحبل بقوه، يهتز، يسقط جسد الشاب، ينسحب الشاب إلى الوراء ليلتصق بالبرميل رغم أن الحبل مرتخي، ولم يكن للرجل الآخر أي حركة، يرتخي رأس الشاب إلى أسفل، يضم جسده بذراعيه، تظهر عليه ملامح الإرهاق والتعب، يسيطر الصمت للحظات، ثم يرفع الشاب رأسه، يقف، يخطو خطوات منحني الظهر، يضع يده اليمنى على صدره واليسرى على بطنه ثم رأسه.)

الشاب : آه آه آه ظهري..بطني

( يتقدم ليشكوى لنا حاله، يستغل حاله إرتخاء الحبل الذي أصبح يحدد مسافة تقدمه منا)

عدت أحس بالبرد مرة أخرى

أنا بحاجة إلى كأس من النبيذ.

أنا بحاجة إلى أصدقائي

رحلوا جميعاً…لم يخبروني برحيلهم

أين أنتم أيها الأصدقاء؟

( يصرخ محدثاً الضجيج، يكرر عبارته الأخيرة، يتجه لعدة جوانب، ثم يركض منفعلاً في المساحة، يبدو

أن ضجيجه أزعج الآخر، يشتد الحبل، يسقط الشاب، يسرع بالنهوض، يشتد الحبل، يتراجع يظل واقفاً ومتماسكا، يتوقف عن الصراخ، يصمت للحظات، يواصل سرد ذكرياته، يتحدث بصوت خافت.)

الشاب : أين رحل أصدقائي؟

ربما الشرير أجبرهم على الرحيل.

( يتجه يقلب بين الكتب والصحف المهملة، نراه يتوقف مع بعض الكتب، يتصفح بعضها ثم يضعها بهدوء على جانب، وقد يمسك كتاباً يتصفحه ولا يعجبه يرمي به حيث وجده، ينتبه أنه أضاع بعض الوقت، يلتفت الينا، يخاطبنا مباشرة، ينظر الينا وهو مدرك أنه يخاطب الجمهور.)

الشاب : لعل الشرير طرد أصدقائي

كثيرا مايفعلها، ينفي ويقتل ويسجن ويجلد من يخالفه أو يكون له رأياً آخر

(يلتفت إلى الوراء، يترجع، يلتقط كتاباً عليه أثر الحرق، يبتسم، كأنه يعرفه أو يعرف صاحبه، يشمه بفرح، يضمه إلى صدره.)

إنهم أصدقاء طيبون

كنا نشرب القهوة

نقلب الفناجين، نقلب أوراق الصحف، نثرثر في كل شيء

أجل نثرثر

(يضحك بصوت عالي..ثم يعود يهمس لنا)

إنها الثرثرة..إياكم ثم إياكم أن تكونوا ثرثارين

نحن في عصر السرعة

هكذا قالوا لنا.

هكذا حذرونا

( يتراجع، يضع الكتاب بجانب كومه من الأغصان كان قد تعامل معها، يمسك الحبل، يتقدم وهو يمسك به ثم يشده قليلاً…يواصل كلامه وهو يلهو بالحبل.)

الشاب : علينا ألا نتحدث كثيرا، فكثرة الكلام يقصر في العمر

كنا نكتب عن كل شيء

نجمع الأوراق التي يتركها الناس بعد أن يأكلوا سندوتشات الشوارمة والفلافل

نكتب عليها.

(يبدو أن الشاب أعجبته لعبه اللهو بالحبل، يشده ويرخيه ثم يلفه على جسده، يتوقف جامداً، من بعيد يقوم الآخر بشد الحبل فيهتز جسد الشاب)

كان التلفاز يبث برامج صحية تقدمها فتيات مغريات يطلبن منا ممارسة الرياضة لتقوية عضلات الظهر والفخذ وللحصول على مؤخرة جذابة وتنصح الطبيبات بعدم كثرة الكتابة والكلام فهذه أشياء تسبب العجز الجنسي، كذلك يقول المفتي المعمم الملتحف بعبائة سوداء يقول الكلام والكتابة من الوسواس الخناس فقط أن تتحدث لزوجاتك وتكثر من شُرب الزنجبيل والقرفة والعسل وتدهن قضيبك بزيت حبة السوداء وعسل النحل كي تمتلك قوة البائة وتنال رضاء مولاك.

عدت أحس بالبرد

(يرتجف جسده، للحظات ينظر إلى أعلى، ثم حوله)

أنا بحاجة إلى سيجارة، أريد سيجارة

قليلاً من النار بين أصابعي

محتاج لمداعبة خفيفة، القليل من النيكوتين.

( يتحرك بعدة إتجاهات يبحث بين الأشياء المهملة، يلتقط بعض أعقاب السجائر، ينتقي بعضها فرحا، يضعها بحرص في كافة، يكون مبتهجاً يتوجه للجمهور كأنه يبشرهم بعثوره على مبتغاه..يتابع حديثه)

وجدت بعض السجائر، لكني أحتاج إلى عود ثقاب، إلى القليلِ من النارِ، كي أهزم البرد.

( يعود للبحث عن عود ثقاب،يتوقف للحظات يكون في يسار المسرح، ينظر إلى جذع النخلة في اليمين، يأتي ضوء جانبي من اليسار بحيث يرسم ظل الشخصية الذي يمتد ليصل ويلامس منطقة الجذع، كما أن الضوء يرسم أيضا ظل الجذع الذي يستلقي، وتستمر الإضاء تحافظ على خلق الظل وتفعيله ليرسم للظل دوراً حياً يعطي دلالات تعبيرية مختلفة.

يشعر بالفرح، يتبدد الخوف،يسير بخطوات بطيئة إلى أن يصل إلى جذع النخله، يتسمر في مكانه للحظات صامتاً، تعكس لنا الإضاءة وجهة نظر الشخصية وتركز على الجذع الذي تغمره إضاءة ناعمة بينما تسود العتمة بقية المسرح، يظهر كأننا في حلم.)

الشاب : أنا بحاجة للنار

هل أحرق هذا الجذع؟

البرد شديد، يزداد قسوة

الصقيع يكاد يلتهمني

النار هي المنقذ

لكنه جذع، جذع النخلة

( يصرخ بكلمة” لا ” ينتفض كمن أفاق، تتحول الإضاء على وجهه، تغمر بقعة لون زرقاء جذع النخلة،

يهتم الضوء بالشخصية وكأننا نشاهد وجهة نظر الجذع، يرتعد الشاب لا يفارق بصره الجذع، يقترب منه فرحاً، يُلقي بأعقاب السجائر بعيداً، يدور حول الجذع مستغلاً إرتخاء الحبل الذي يبدو لأول مرة مرتخي لهذا الحد معطياً الشخصية نسبة كبيرة من التحرر.)

الشاب : لن أحرق جذع النخلة

أحب أشجار النخيل..هي الأخرى تحب أشجار النخيل

حبيبتي كانت تكره دخان سجائري

(يقترب من الجذع يتلمسه، تغمرهما بقعة الضوء الأزرق التي تتسع بينما تظل الظلمة تسيطر على بقية المكان، هنا تعمل الإضاءة على رسم لوحة تشكيلية معبرة الجذع والشاب في هذا الموقف العاطفي المؤثر، يأخذ الشاب قليلاً من الوقت بحيث يتيح للجمهور الإستمتاع بهذه اللوحة الفنية – يواصل سرد التفاصيل، تارة يلتصق بالجذع وتارة يقبله، ويراقصه)

الشاب : نحب أشجار النخيل

كنا نلتقي عند نخلة طويلة جذعها في الأرض ورأسها في السماء

فتأتي أحبت هذه النخلة

تقول لي أحب النخيل لشموخه وكبريائه

أحبه كله، حتى شوكه فهو سلاحه يصون به شرفه.

(يبدأ الشاب بسرد قصته مع الحبيبة، يرويها بحركات تمثلية كأنها معه، هنا يلعب الضوء لعبته ليخلق ظل النخلة والشخصيه، يعطيهما أهمية ويحرص أن يكون الظل واقعياً وغير مبالغ في حجمه)

الشاب : كنتُ أحلم بها قبل أن أراها

التقيت بها، أحببتها، عشقتها حد التقديس

أحببت فيها كل شيء

وجهها الجميل، صوتها الملائكي

كانت ترفض الحديث معي إلا عند هذه النخلة

هذه النخلة…شهدت كل ما دار بيننا من حوار

حاولت مرة تقبيلها

قالت: استحي فالعيون ترانا

إستغربت سألتها أي عيون هذه؟

ابتسمت وقالت : أشجار النخيل.

ثم ركضتَ، ركضتُ ورائها…أمسكت بها

رميت برأسي على صدرها

عدتُ مرة أخرى..حاولت أن أنال قُبلة، لم تستجب لطلبي

خافت

ليتني فزت ولو بقبلة واحدة منها

آهِ ..يافتاتي الجميلة، أين أنتِ الآن؟

أنا محتاج إلى صدرك الدافئ.

في أحد الأيام تواعدنا أن نلتقي عند هذه النخلة.

( تتغير نبرة الشاب، يصبغها لون محزن، يتلعثم أحياناً بالعبارة وخصوصاً كلمة ” تحترق”)

الشاب : وجدت الأشجار تحترق…تحترق..تحترق

(يركض في المساحة المتاحة له، يؤدي حركات لمحاولته إطفاء الحريق، إنقاذ الحبيبة، يتخيل ذلك الموقف المرعب، يفشل في إنقاذ حبيبته، يصاحب الموقف سماع صوت تفجيرات يأتي من بعيد، تارة من اليمين ثم اليسار والوسط، نسمع صوتاً بعيداً لتحليق طائرات حربية، يصبغ الضوء الجذع ببقعة حمراء وكذا عدة بقع حمراء للأغصان والنبتات اليابسة، يكون الشاب في حالة ذهول ولم يعد ملتصقاً بالجذع، كلما يحاول الإقتراب يشعر أن النار ستحرقه.)

الشاب : تباً لهم، يحرقون أشجار النخيل

حبيبتي كانت تنتظرني هنالك مع أشجار النخيل.

كنا نحلم باليوم الذي..

أحلم بها

بفستانها الأبيض

نرقص معا دون خوف

( الشاب : تباً لهم، يحرقون أشجار النخيل

حبيبتي كانت تنتظرني هنالك مع أشجار النخيل.

كنا نحلم باليوم الذي..

أحلم بها

بفستانها الأبيض

نرقص معا دون خوف

( هنا تذهب البقع الضوئية الحمراء، تهطل أضواء حالمة تصبغ الجذع، نعيش أجواء صباح ضبابي حالم ماعدا المنطقة التي فيها البرميل والشخص الجالس خلفه تكون معتمة تماماً، يرقص الشاب هائماً ومستحضراً الحبيبة تراقصه..يتوقف، يحسُّ بيده فارغة، يدرك حجم الفاجعة، يتجمد للحظات، يعجز عن البكاء، عن الصراخ، يتلعثم وهو ينطق كلمة ” ماتت” يعجز عن نطقها في البداية، يحاول لمرات وهو يرتجف، ثم نسمع صوتاً خارجياً يلقي جزء من قصيدة بلقيس للشاعر نزار قباني، يظل الشاب منصتاً للصوت الخارجي، يقف على مقربة من الجذع، ينظر إليه وهو يبتسم )

الصوت الخارجي :

شكراً لكم .. 

شكراً لكم . . 

فحبيبتي قتلت .. وصار بوسعكم 

أن تشربوا كأساً على قبر الشهيده 

وقصيدتي اغتيلت .. 

وهل من أمـةٍ في الأرض .. 

– إلا نحن – تغتال القصيدة ؟ 

بلقيس … 

كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل 

بلقيس .. 

كانت أطول النخلات في أرض العراق 

كانت إذا تمشي .. 

ترافقها طواويسٌ .. 

وتتبعها أيائل .. 

بلقيس .. يا وجعي .. 

ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل 

هل يا ترى .. 

من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟ 

يا نينوى الخضراء .. 

يا غجريتي الشقراء .. 

يا أمواج دجلة . . 

تلبس في الربيع بساقها 

أحلى الخلاخل .. 

قتلوك يا بلقيس .. 

أية أمةٍ عربيةٍ .. 

تلك التي 

تغتال أصوات البلابل؟

(يبدو أن الشاب أدرك موت الحبيبة، يتمكن من البكاء)

الشاب : ماتت، هذا مابقي منها، هذا العقد.

(ينزع العقد، ينظر إليه، يشمه، يقبله، يقترب من الجذع وهو يحمل العقد، يضعه بالقرب من الجذع، يغطيه ببعض الأحجار، ينهض ليصلي من أجل حبيبته، هنا يشده الحبل، يتقهقر إلى الوراء، يصل بقرب البرميل، تسود العتمة مكان الجذع، يزول الجو الضبابي، يهبط الشاب مستسلماً للحبل، يجلس ظهره ملتصق بالبرميل، للحظات يسيطر الصمت المطبق.)

الشاب ( يرتجف) : يا إلهي..كلما شدني ذلك السجان الشرير إلى هذا البرميل يزداد ألمي..أحسُّ بالبرد أكثر.

(هنا ينبعث ضوء جانبي من اليسار ليخلق ظلاً ضخماً للبرميل، تصاحبه إضاءة هادئة تشمل عموم المكان ماعدى حيث يجلس السجان يظل معتماً، ينهض الشاب وجهة نظره لظل البرميل، يخاطبه.. )

الشاب : أيها البرميل..أنا لا أحب البراميل

رائحة غريبة تنبعث منك..آه

لعلها رائحة النفط

رائحة الدماء المسفوكة في الحروب الفاشلة

رائحة عرق البوساء

رائحة دموع الأمهات الثكالى

من أجلك أيها النفط يبيعوننا في سوق النخاسة

أكرهك لأنك تساعد وتسبب الحرائق

قتلوا حبيبتي

أصدقائي

كان لي صديق حميم

كان رجلاً عظيماً لكنه رحل هو الآخر.

( يلتفت الشاب بعدة إتجاهات، يقف ليتذكر صديقه، نراه يبتسم..يتقدم عدة خطوات..يكمل حديثه مخاطباً الجمهور)

الشاب : لماذا تركني صديقي هنا؟

أعتقد أجبروه على الرحيل، إنه رجل يحب الجميع

يكره الأشرار والقيود…يكره المال والبراميل

أين ذهب؟ سأبحث عنه

إنه معلمي، كان يكتب عنا جميعاً

يكتبُ عن الحبِّ والحلمِ والحياة

هل هذه تهمة تستحق الجلد والقتل؟

( يتحرك باحثاً عن صديقه بين الأشياء، يغمر مكان تحركه لمسة الضوء الأزرق، يعثر على كتاب، يمسكه، يزيل الغبار من عليه، يتقدم لعرضه أمام الجمهور يجلس جلسة المصلي، يقلب صفحات الكتاب بعضها محروق وممزق، يحتضنه، يبتسم، يتنهد، تختلط مشاعره، ينهض ليضع الكتاب جوار جذع النخله، ثم يتحرك إلى اليسار حيث سيتركز معظم فعله بهذه الجهة، حيث السُلم الخشبي الطويل سيتعامل معه لاحقاً.)

الشاب (صارخاً تارة وهامساً تارة أخرى) : هيه أيها الصديق، أيها المعلم أين أنت؟

أرجوك أجبني..أنا محتاج إليك

علمتني الكتابة والهذيان

علمتني كلمة لا

علمتني أن أصرخ وأذهب في مظاهرات

أن أغني للحب والحياة

أن أكتب عن عشيقتي

أعلم أنك متعب لاتملك سوى قلمك وعصاكتتوكأ عليها فقط ولم

يكن لك فيها …..مآرب أخرى

أرجوك أجبني أنا محتاج إليك

أنقذني من هذا البرد القاسي.

لعل السجان حبسهم في قبو تحت هذا الرصيف

ليت لي مخالب كي أحفر هذا الرصيف

(يجلس على ركبتيه ثم يحاول الحفر بأظافره، يجره الحبل، يحاول التماسك، يرتعد من البرد،يغمره الضوء الأزرق، يتجمد…نسمع صوتاً خارجياً هو صوته يأتي من الخارج.)

الصوت : أيها الجسد تمالك نفسك

أنهض..أرجوك أن تنهض

أنهض أيها الجسد..أنت الأمل.

(يبكي بصوتٍ ضعيف، هنا يشده الحبل إلى الوراء، يتراجع قليلاً إلى الخلف، يتماسك متفادياً السقوط..يكمل حديثه بتحدي )

الشاب : لن أبكي معلمي..سأبحث عنه، وأنتم أيضاً أبحثوا معي

يجب أن أتخلص من هذا القيد اللعين

( يحاول التخلص من الحبل، يشده الحبل يسقط، يعيد المحاولة، ينهض، يخطو خطوات وهو يعرج بسبب الحبل الذي يصبح يحس به أكثر من أي وقت سابق، ثم ينظر إلى السلم الخشبي الذي تغمره إضاءة خضراء تأتي من الأعلى، يتجه نحوه، يصعد عدة سلالم، يتوقف للحظات..)

الشاب : أحسُّ بضيق في التنفس، أنا مرهق..لا أستطيع الصعود.

أيها السادة أنا لا أرتعد من الخوف

لكني أرتعد من البرد.

( يحاول الصعود وهو يلهث، يصعد عدة درجات، هنا نسمع دوي جرس إنذار الحريق مع الضجيج الصوتي، يكون هناك ضجيج الضوء حيث يُقصف المكان كله عدا مكان السجان يظل معتماً، تتساقط البقع الضوئية خضراء وصفراء وحمراء وزرقاء، تكون في أشكال مختلفة، تأتي من عدة زوايا وتختلط مع بعضها بغير نظام أو ترتيب ثم تفقد قوتها ، تتغير الإضاءة، يظلم المسرح تماماً، مع إستمرار دوي الجرس، ثم يسود الجو صمتاً مطبقاً وظلاماً دامساً)

Comments are closed.