المأساة والملهاة

abdulqader_alhelali

 

هكذا تبتدئ الملهاة

1- مأساة انسان قد تصبح احصائيا ملهاة بصيغة الجمع، فكرة اسْتَلْهِمُهَا من القولة التي ينسبونها الى ستالين، لا أحفظها حرفيا، تشير الى هذا المعنى (المعنى الذي أقصده أنا بالتحديد) لذلك انقلها بصيغة خاصة بي: موت انسان مأساة une tragédie، موت الملايين ملهاة، une comédie، ملهاة بصيغة احصائية. يعلمنا ستالين أن نتعامل مع حالة الموت، أكبر مأساة يجهلها الانسان قبل أن تقع، وحين تقع لا يمكن أن نعرف عنها شيئا، يذوب الفرد احصائيا. قانون العدد الكبير.loi du grand nombre.  

    التَقَابُلٌ: الحالة الفردية/الوضعية الاجمالية، والتقابلات المطابقة:الفوضى/النظام ،الصدفة/القانون، العبث/المعقول، الحرية/الجبرية، اللعب/الجد، الموت/الحياة،الملهاة/المأساة،…الخ، الشكل (كيف نتصوره؟) يقابل المادة (بأي شكل تكون (!

هكذا تكتمل المأساة

2- عندما نقترب من العنصر الدقيق لا يمكن أن نمسكه، تختلط حسابات السرعة بحسابات الحركة، التي تتحول الى سحاب من النقط nuage ، الدقة (التأكد) تترك مكانها للشك والتقريبincertitude  ، حد المعرفة ليس هو ما نعرف (بالدقة المطلوبة)، حد المعرفة هو مالا نعرف…وهاك دقة وهاك حسابات. الاحتمال هو حساب علمي،الشكل هو ما نعلم والمحتوى هو ما لا نعلم، الاحتمال وأدواته الاحصائية لا تعلمنا إلا ما نعلم. قوانين الحركة الحرارية وهي بالمناسبة ملهاة احصائية، تتحدث عن مفهوم  fonction d’étatمثل درجة الحرارة، قياس الضغط…الخ نفهمها هكذا: العلاقات التي يمكن قياسها. الفرد هو حالة استثنائية، نادرة (تقابل مع هو عادي، لكنها تبقى طبيعية. بهذا المعنى الحالة الفردية  تمثل فقط نموذجا أو مثالا، المأساة هي دائما حالة فردية. نظرية الملهاة. المأساة الفردية تتحول الى ملهاة جماعية، الفرد (البطل في الروايات) لا يمكن ان نفهم مأساته اذا لم نقترب منه. كأننا نتحدث عن نظرية المؤامرة أيضا، إنها نظرية ساذجة تقدم لك الوقائع،  وكأن ما يقع في العالم  إخراج مسرحي كتبه مخرج واحد، وزع الأدوار بين الممثلين. هنا على الأقل تكون السذاجة بإخراج،  حبكة، عقدة و بالتشويق أيضا. أَحْتَقِرُ نظرية المؤامرة ولكن عندما يحضر أو نستحضر أختها (الملهاة)، أقول لنفسي: اللَّهُمَّ لا نسألك رد المصائب ولكن نسأل أن تعفينا من أهولها، نظرية الملهاة اهول من نظرية المؤامرة تلك . أتذكر بالمناسبة درسا في كلية الطب ، عندما كان الأستاذ يشرح لنا ظاهرة مرضية في العصاب، المريض الذي لا يفاجأ من أي شيء، لأنه مبرمج على قانون واحد: ما أراه الآن هو ما رأيته من قبل  impression du déjà vu، اذا كانت نظرية  المؤامرة لا تكفي، أقترح بديلا لها  نظرية تبَزُهُّاَ في الانبساط (من البساطة) والانحطاط الفكري، ملخص هذه النظرية الملهاة هو الآتي:  الماضي هو أحسن ما يمكن في أحسن العوالم .عندما يقول لك العصابي: هذا ما رأيته من قبل فهو على الأقل لا يكذب. انكار الموت أو نفيها ملهاة تواصلية، قد نتعامل معها (الموت أو اللاموت) تعاملا  عمليا وتطبيقيا. من خلال الأرقام والإحصاء، نحس بالمأساة من غير علم ، نقول اذن: كل ما نعلمه هو أننا لا نعلم أي شيء. هكذا تكتمل المأساة: (ابحثوا هنا عن البطل) ما نعرفه هو الأخبار التي تتردد على معرفتنا، تتكرر، نحصيها،  نتلهى بها، نعلم كل شيء او لا شيء.

مأساة أم ملهاة؟

3- المأساة المضحكة والملهاة… عندما تقودنا الى ما يفجع،  هكذا تبتدئ الملهاة من حيث تنتهي المأساة. المأساة قد تكون مضحكة مثل مأساة مفجعة. مأساة الانسان قد تُصَرَّفُ احصائيا بصيغة الجمع فتُحَوِّلُ صيغة الجمع المأساوية الى ملهاة. عندما نحصي موت الملايين تكون الموت التي هي قمة المأساة الفردية ملهاة، هل الاحصاء هو الذي يلهينا عن الواحد الذي يؤلف المليونية ام أن المليونية تذوب فيها مأساة الواحد. يذوب الفرد احصائيا. عندما تتنازل الصدفة عن صفة الفرادة (ما هو حدث عابر) لتصبح حدثا مستمرا. قانون العدد الكبير loi du grand nombre . لا يهم اذا كان الاستمرار بأمر، نسميه قانونا اذا كان أمرا من الداخل، ونسميه خضوعا اذا كان الآمر يتحكم فينا من خارج ذواتنا، لا نفكر في الخضوع اذا لم نفكر في المقاومة، أما الخضوع من غير مقاومة فهو خضوع نظري فقط: المقاومة صفر.

نظرية الملهاة

4- الفرد هو حالة استثنائية، نادرة (تقابل ما هو عادي) لكنها تبقى طبيعية (تقابل ماهو خارق).

تنبيه: عندما نقول هذا  نادر اذن هذا خارق، نكون قد سقطنا في فخ تكافأ غير جائز،  بهذا المعنى الحالة الفردية  تمثل فقط نموذجا أو مثالا، أو مأساة. المأساة هي دائما حالة فردية. الكائن العلوي(الله) يستعمل أدوات علوية لا علاقة لها بالأرقام والإحصاء. لا يوجد حساب مقدس لأن المقدس نظام من غير حساب.

فيزياء وجودية:

5- قبل أن نستخدم أدوات المقارنة يجب أن نعاين هذه الأدوات والوسائط لنحافظ على طبيعة الأشياء، يجب أن نتأكد أن الوسائط لا تتدخل في كيمياء المادة (الكيمياء  الطبوغرافية) 

إذا اختزلنا الوجود الإنسان طوبوغرافيا إلى دائرة:  ذات الكائن نمثلها ب “مركز الدائرة “.  إذا تجاوزنا” محيط الدائرة “، خرجنا من منطقة الذات إلى ما تتفاعل معه هذه الذات. تبذل الذات مقاومة ضد القوة الداخلية التي تجذبها إلى منطقة الجاذبية النووية (نسبة إلى النواة ).

 باستحضار النواة، نستحضر أيضا الصورة المستوحاة من فيزياء الذرة: الفضاء الذري يتكون من دقائق: الإلكترونات، تتحرك الالكترونات في مدار محسوب حول نواة الذرة أو بتعبير آخر: مدار متميز(مفضل على غيره). التفضيل هنا نحسبه بحساب الاحتمالات التي ترسم لنا مدارا “مريحا” يكون فيه الإلكترون في وضعية لا تتطلب منه أن يبذل جهدا زائدا/طاقة   للبقاء في هذه الوضعية.

6- الكائن الفريد جدا: العنصر المتفرد، من الإلكترون إلى الكائنات المعقدة: تماوج من الوحدات الكونية التي تتماها مع بعضها لتشكل الطيف  الكونيunivers spectral  أو لوحة العالم، وعندما نصل إلى الطيف الإنساني  نستعمل كلمات متطرفة في الإشارة إلى هذه المعاني بما يناسب فرادة الإنسان ككائن  طريف له القدرة أن يميز بين الذات والعالم الخارجي/الآخر، و الجهد الذي يبذله الكائن الواعي بذاته للابتعاد عن هذه الذات هو الإرادة كذلك الإنسان يتحرك في مدار مرسوم يجعله قريبا من ذاته وهو لا يبتعد عن هذه الوضعية المريحة إلا بتنبيه من  خارج الذات وببذل مجهود إضافي.

7- عندما ينتفي المؤثر الخارجي الذي يدفع الإلكترون بعيدا عن مركز النواة، تكون الحركة الطبيعية والتلقائية هي العودة إلى المدار الطبيعي وفي عودته يتخلص العنصر المتفرد (الإلكترون) من كمية الطاقة التي اختزنها أثناء الابتعاد… على شكل إشعاع متميز… بدقة عجيبة لا تخطئ وكأننا نقرأ هنا البصمات التي تجعلنا نتعرف على  المصدر الذي يصدر عنه الإشعاع : الكائن.

8- الانسان العادي انسان أناني بطبعه، يطل على العالم من وراء أناه الخاصة، لا يهتم إلا بما يفيد هذه الأنا، وكأن العالم لم يُخْلَقْ إلا من أجله. عكس ذلك يوجد أفراد متميزون عن الآخرين، تجد الواحد منهم يتصرف وكأن الأنا عنده قد تجمدت درجة صفر، هؤلاء الأفراد الاستثنائيين قليلون، حكمة الطبيعة التي تعرف (وتطبق) تدبير الموارد، من غير أن تستعين بأخصائيين في الموارد البشرية،  تطبق أحسن ما يطبقه الأخصائيون(لا يهم ماذا يعرفون)، الانسانية يمكن أن تسير بطريقة عادية، تعتمد اساسا من حيث الكم على الفرد العادي (الأغلبية)، يشتغل هؤلاء بطريقة دائمة كل واحد لحسابه الخاص (الأغلبية)، ويتدخل  بين الفينة والأخرى أفراد يُحْسَبُونَ على رؤوس الأصابع، يقومون بعمل استثنائي، يسمى الخدمة العامة. الجماعة عندما تحتاج الى أن تتغير(حدث نادر) تستنجد بهؤلاء الأفراد النادرين، هؤلاء يقدمون الخدمة المطلوبة منهم ويرجعون الى الوراء. تأكدوا أننا أمام عينات أصيلة ونادرة   (pénurie de l’original ) أو صناعة تقليد  (l’imitation à gogo)

الإرادة يقابلها قانون “الأشياء” الذي  يُشَيِّيءُ الموضوع أي  يجعله  أشياء/أجزاء. قانون الأشياء. هذا هو القانون الطبيعي/الموضوعي الذي لا يفرق بين الأجزاء فبالأحرى لا يفسح مجالا لأي معنى  يرتبط ب… أشياء ذاتية: الحرية الإرادة.

استثناء بالتقليد فقط

9- المجتمع مثل أي مؤسسة للإصدار قد تصدر أفرادا استثنائيين، بكمية وافرة تفوق الحاجة، حالة تشبه ظاهرة التضخم الماليinflation، أما اذا كانت مؤسسة الاصدار مؤسسة غير صادقة أو من غير مصداقية، يسمى انتاجها عملة مزيفة،  عملة من غير رصيد…الانسان من غير رصيد، لا يخسر قيمته الأصلية، لأنه لم يكتسب قيمة يمكن ان تضيع، ما يشبه تعويم العملة هو الذي يحدث، نفتقد أية قيمة من أي انسان لأننا نعتبر أي انسان قيمة مزيفة، حتى من غير نتأكد من رصيد هذا الانسان. ننسى أن الانسان الاستثنائي له قيمة عامة: الاختلاف. (لا يمكن أن أكون انسانا ممتازا اذا كنت لا أختلف عن الآخرين)،  وسط ألف رجل مزيف لا يعدم ان نجد انسانا حقيقيا، له رصيد . نادر لا تعني غير موجود. الانسان الاستثنائي لا يمكن إلا أن يكون قيمة أصلية. التقليد هو التكرار الذي هو عكس الاستثناء.

ابحث عن القيمة المضافة

10- دون إرادة يتقلص الامتداد الذي يملأ فضاء الكائن وينصهر في نقطة الامتداد الدنيا . و لا يهم أن يكون هذا الفضاء ممتلئا بأجزاء تتعدد و تتكرر كما تتكرر كلمات نمطية في نص طويل من غير أن تضيف  أية كلمة مضافة معنى جديدا أو قيمة مضافة إلى النص الأصلي.

فرادة الإنسان تحيلنا إلى الفردية كتعبير خارجي عن الذات ولكن الفرد يعيش من الداخل  تجربة فريدة “…مع أفراد يشبهونه ” تجعله يتجاوز الفردية الضيقة إلى ما هو أشمل وأغنى: الشخصية

11- النظام بصيغة الجمع هو “أنظمة” و…فَوضى.