أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
قصص قبل مجيء الملاك
عدد مرات المشاهدة :855 - May 27, 2008
حسن بلاسم
مازلت على إعتقادي بأن أفضل مقدمة يمكن لها أن تكون كمفاتيح لقصص عدنان المبارك هي كتاباته في مجالات الابداع العديدة ـ من يوميات وتأملات ومقالات وتراجم ودراسات ونصوص أخرى. فهناك يكمن الدليل الى عوالم المبارك الابداعية، حيث الابحار الدائم في جوهر الانسان ووجوده الملتبس. لم يركن عدنان المبارك كفنان الى أناه وحزنها اليومي بالطريقة الكوميدية التي نمارسها ، من دون خجل ، عند مواجهة تعاقب الليل والنهار. وأنا أتحدث هنا عن صداع الزمن المزيف. أقصد تلك الحروب الصغيرة الأنانية في مواصلة العيش وليس سبر أغوار الحياة. يخيل لي في كثير من الاحيان ان مايقوم به عدنان المبارك في إبداعه القصصي شبيه بما يعيشه العالم في مختبره ، من صراع دائم بين النظرية والتطبيق ، بين أن تكون الكلمة مجرد عكاز وحجة لمراوغة الزمن ، وبين أن تكون سهما ناريا في وجه الاوهام. هناك فرق كبير بين أن تبقى الكلمة في حدود الشعر وبين أن تحمل كنوز المعرفة. فالشعر هو ، في نهاية المطاف ، محض أغنية ، بينما تكون المعرفة نبؤات. لا أنفي عن الشعر طابع تقصي الحقيقة ، بل أشير الى الفارق الجميل بين متعة المعرفة ومتعة الأغنية. ولا أدري كيف يواصل الآخرون حياتهم مدركين لاوثوقية كل توقع للحظة من الزمن هي في عداد المجهول. اقول ذلك ، وبصري معلق على نبؤات المعرفة ، غذاء الروح الشهي هذا ، ذلك الزواج المثمر بين الخبرة والمخيلة والمحاولة الخلاقة في تفسير الكوابيس. وماهو الشئ الاكثر إيلاما ؟ نشرة الاخبار في المساء أم كوابيس هذا المأزق الوجودي برمته. وما هي مهام الانسان الملحة ؟ أكل المزيد من الحيوانات والبشر، أم اشعال شمعة في الظلام الكثيف لهذا الكون. صحيح أننا جياع وأن الشياطين كلها برفقتنا ، لكن ألا يمكن أن تكون المعرفة دربا للسلام ؟ ألسنا بحاجة الى الإنصات بترو يكون أكثر من الثرثرة العقيمة ؟ ألا يكون الفن القصصي فن إصغاء وقبل أن يكون حرب كلامية كنوع من جعجعة بلا طحن ؟ لكن قد لايكون كافيا حتى الاصغاء بذهن حاد. فالشك يتسرب من مسامات قصص المبارك كما العرق والرعب اللذين ينزان من هذا وذاك...
*
من قصة في انتظار الموتى : أما أنا فأقرأ وأسمع وأرى ، عادة ، بأعصاب باردة. لكن ماذا سيحدث لي بعد السماع والقراءة والنظر خاصة ؟ أبدأ بالتفكير ثم أصل الى إستنتاج يملأ كل خلاياي بالقنوط ، ماذا أقول ! ، بالرعب : لا أحد يقول الحقيقة ، لا أحد يعرف أين هي ، وعموما هل هناك من وجود لها ؟
*
حين طرح على أرنستو ساباتو أحد أكثر الأسئلة التقليدية تكرارا ، قال في البدء: ( أن السؤال : لمن نكتب و لماذا ، هو من أشد ألغازالابداع الأدبي غموضا ، ولهذا الموضوع كرست كتب بكاملها ). وبإعتقادي لابد من الإتفاق مع ساباتو في قوله هذا. وكان قد سعى لاحقا عند إصرار محاوره ، الى أن يجيب على السؤال المذكور ، بالقول إن الأدب ليس مجرد تجميع كلمات ، أي المحاولة التي يقوم بها من لديه ميول أدبية. وجاء إستشهاد على لسان ساباتو أنه لم تكن الكلمات هي التي صنعت الاوديسة ، وإنما الاوديسة هي التي صنعت الكلمات. لكني أستشهد هذه المرة بجواب إيتالو كالفينو على سؤال ( لمن نكتب ) و بالتحديد في هذا الجزء منه : إذا إفترضنا أن القارئ أقل ثقافة من الكاتب وإتخذنا نحوه وجهة تعليمية وتربوية وتطمينية ، فسيعني ذلك ، ببساطة ، التباين. إن أي محاولة لتلطيف الموقف بالمسكنات ، تكون شبيهة بالمناداة أن الادب للشعب مما يعني خطوة الى الوراء وليس الى الامام. فالأدب ليس مدرسة. وعليه أن يفترض جمهورا أكثر ثقافة وحتى من الكاتب نفسه. ليس هناك من خيار أمام الكاتب سوى مواصلة الرهان...
*
هذه ثلاث عشرة قصة معرفية بإمتياز. ثلاث عشرة قصة مباركية أخرى تزاوج الادب بالفلسفة لكن من دون خشونة وتشنجات. قصص تمكنت من أن تلتقط ببراعة كل ماهو مجهري من فضاء الشاسع واستدعاء الشاسع للانعكاس في المجهري. وحده عدنان المبارك يعرف كيف يقود أوركتسرا كاملة من الأفكار والرؤى في قصة واحدة. ووحده يعرف كيف يهدم التراجيدي أو قد يعيد بناءه بمطرقة السخرية ، وليس تلك الضحلة التي تجاور المظاهر الخارجية للانسان. فسخرية المبارك تنبش في المرئي واللامرئي. سخرية تنظر من عين الطائر والافعى. سخرية تشيد في كل زاوية كاميرا خفية لمراقبة تخبط الانسان وعجزه وضآلته أمام محيط الاسرار الذي ألقي فيه كقرد عار وأعزل ومحروم من أيّ طوق نجاة. سيلاحظ القارئ أن أغلب شخصيات قصص المبارك تدرك جيدا وبحس ساخر من أنها شيدت سكنها فوق بحيرات متجمدة. انهم غرقى مؤجلون. غرقى يبتسمون بسخرية للمصادفة وربما لخطة الكون الغامضة ومتاهاته. وحقائقنا الهشة في هذه القصص هي مجرد بالونات سرعان ماتفرغ هواءها الفاسد ولايتبقى عندها سوى الفراغ والذهول.
سيلاحظ القارئ أيضا بأن قصص هذه المجموعة) لاتمدنا بأيّ سند لما هو مألوف( حسب تعبير غادامير الذي يؤكد أيضا على أن أصل كل فن هابط وردئ هو الاستمتاع بالفن من أجل خاصية ٍ ما أو أخرى تكون مألوفة لدينا. فنحن نرى ماكنا قد عرفناه من قبل ولانريد أيّ شئ آخر ، ف( بمكنة الشخص المُهيّأ للغة الفن ، أن يدرك القصد من وراء الحدث. ونحن نلاحظ ان مثل هذا الفن يدبرا لنا أمرا ً. ففي كل فن هابط شئ من التكلف ، و غالبما يكون ذا نوايا طيبة ، لكنه يتجه الى تدمير الفن ).
سيلاحظ القارئ أيضا بأن قصص هذه المجموعة) لاتمدنا بأيّ سند لما هو مألوف( حسب تعبير غادامير الذي يؤكد أيضا على أن أصل كل فن هابط وردئ هو الاستمتاع بالفن من أجل خاصية ٍ ما أو أخرى تكون مألوفة لدينا. فنحن نرى ماكنا قد عرفناه من قبل ولانريد أيّ شئ آخر ، ف( بمكنة الشخص المُهيّأ للغة الفن ، أن يدرك القصد من وراء الحدث. ونحن نلاحظ ان مثل هذا الفن يدبرا لنا أمرا ً. ففي كل فن هابط شئ من التكلف ، و غالبما يكون ذا نوايا طيبة ، لكنه يتجه الى تدمير الفن ).
*
من قصة شمال شرقي عدن :
( لدي إحساس عميق بأني مخلوع من المكان. الكل هم مسامير دقت في جدار المكان. يبقون هناك رغم تنقلاتهم وبضمنها الإنتقال الأخير الى ما تحت سطح الأرض. لدى الكل عبادة ٌ للمكان. يكفي هنا ذكر الفصل الضخم من تأريخ حنين هذا اللبون الى مكانه الذي أسماه في أزمان متأخرة بالوطن. لا أحد بمستطاعه إقناعي بأن هذه النوستالجيا بعيدة عن منحدرنا الحيواني. فالكلاب والذئاب مثلا تبول هنا وهناك راسمة حدود أوطانها. الإنسان يعمل الحدود بطريقة أخرى أشد قسوة : حدود دولية محروسة جيدا بشتى أنواع السلاح. أسلاك شائكة ، جدران. أبراج حراسة ومراقبة ، أسوار ، أقمار صناعية إلخ. صحيح أن ( الوطن الأم ) وصف واقعي ولكان أكثر واقعية لو قالوا ( الوطن الرحم ). على كل حال هو أحسن من الوصف الذي سمعته في أماكن أخرى من هذه الأرض : الوطن الأب. ماعلاقة الأب بهذا المكان وذاك ؟ قذف هو حيمنه ومضى الى أشغال اخرى.
أكثر ما يغيظني في الناس ويدفعني الى النظر إليهم بكل ريبة أنهم يجدون كل شيء طبيعيا وأنه من المضحك أوالجنون أن يشيع هذا ( الطبيعي ) الخوف في النفس. شيء طبيعي أن تملك يدين وليس أربع أوخمس مثلا. شيء طبيعي أن هناك ظاهرة إسمها الجاذبية الأرضية. شيء طبيعي أن مخي في الرأس وليس بين الساقين. شيء طبيعي أن الله موجود وخلقنا والعالم. بالطبع لابد من حصول أخطاء هنا وهناك لكن عموما كل شيء على ما يرام وليعش سبحانه وتعالى... )
( لدي إحساس عميق بأني مخلوع من المكان. الكل هم مسامير دقت في جدار المكان. يبقون هناك رغم تنقلاتهم وبضمنها الإنتقال الأخير الى ما تحت سطح الأرض. لدى الكل عبادة ٌ للمكان. يكفي هنا ذكر الفصل الضخم من تأريخ حنين هذا اللبون الى مكانه الذي أسماه في أزمان متأخرة بالوطن. لا أحد بمستطاعه إقناعي بأن هذه النوستالجيا بعيدة عن منحدرنا الحيواني. فالكلاب والذئاب مثلا تبول هنا وهناك راسمة حدود أوطانها. الإنسان يعمل الحدود بطريقة أخرى أشد قسوة : حدود دولية محروسة جيدا بشتى أنواع السلاح. أسلاك شائكة ، جدران. أبراج حراسة ومراقبة ، أسوار ، أقمار صناعية إلخ. صحيح أن ( الوطن الأم ) وصف واقعي ولكان أكثر واقعية لو قالوا ( الوطن الرحم ). على كل حال هو أحسن من الوصف الذي سمعته في أماكن أخرى من هذه الأرض : الوطن الأب. ماعلاقة الأب بهذا المكان وذاك ؟ قذف هو حيمنه ومضى الى أشغال اخرى.
أكثر ما يغيظني في الناس ويدفعني الى النظر إليهم بكل ريبة أنهم يجدون كل شيء طبيعيا وأنه من المضحك أوالجنون أن يشيع هذا ( الطبيعي ) الخوف في النفس. شيء طبيعي أن تملك يدين وليس أربع أوخمس مثلا. شيء طبيعي أن هناك ظاهرة إسمها الجاذبية الأرضية. شيء طبيعي أن مخي في الرأس وليس بين الساقين. شيء طبيعي أن الله موجود وخلقنا والعالم. بالطبع لابد من حصول أخطاء هنا وهناك لكن عموما كل شيء على ما يرام وليعش سبحانه وتعالى... )
*
هذه ثلاث عشرة قصة مباركية تصون فن القصة من الانخراط في معارك الديكة الواقعية. أليس من المخجل أن يكون الفن القصصي بموازاة ذاك الغناء الشعبي الذي يندب ويلحن لإثارة العواطف بل الغرائز. أحقا أن القصة القصيرة فن للحكي لا غير، أم أنها قادرة على أن تكون أكثر من ذلك بكثير ، أو لم يول زمن القصة الباردة ؟ لكن لا يعني كل هذا أن قصص المبارك هي بمنأى عن محيط هذا الواقع الهائج. فكل مافي الامر أن هذه القصص ترفض أن يكون الواقع تلك اللوحة الميتة من الحركة والنوم التي تلتقطها الحواس الخاملة حسب. فالواقع هو أيضا ذلك الذي يئن اللحظة الزمنية في المجرّات البعيدة. الواقع أيضا هو تلك الصور التي تنثال الان في ذهن طفل أو مجنون. الواقع هو مايخلفه الزمن من كوابيس تتفحم تحت الجلد ثم تطفح وشما سحريا غريبا. الواقع هو الماضي الذي مازال يفيق في الذاكرة مثل مرايا الساحرات. الواقع هو البذرة والجذر والتنفس والثمرة والغراب الذي سرق الثمرة والفزاعة التي لم تفلح في طرد الغراب. الواقع هو ( أنا ) المقسومة الى عشرة أجزاء محيّرة. الواقع هو سطح البحر الذي ُيغرق السفينة والاخطبوط الذي يحلم في الأعماق تحت السفينة بوجبة طعام. وبين الغرق والجوع ، في المسافة التي يخيل الينا بأنها بريئة ، هناك ملايين الرغبات والاحلام والرموز والأسرار التي تقذف نداءاتها مثل حمم البراكين في سماء بكماء.
*
من قصة المسخ مرة اخرى :
( ثمة إحتمال ليس بالضعيف أبدا وهو أن الكاتب خطط لكتابة قصة مفتوحة أي طرح إقتراح مستقبلي مفاده : إسمعوا يا كتاب المستقبل سواء القريب أو البعيد ! لا أظن بأن قصتي هذه ينقصها الكثير عدا الحبكة التي أجدها معتمدة تماما على ما سيحدث بعد رحيلي من وادي الدموع هذا ، فأملي معدوم تماما بأنه سيتم دحر الموت حين أكون على قيد الحياة ، أو طرده لمسافة آمنة. إذن لديكم مضمون جاهز ولايعوزه شيء غير الخاتمة. بالنسبة لي الأمر سيان إذا كنتم ستجدون هذه الخاتمة سعيدة أو شقية ولأن الأمر كله عائد الى التعريف الذي ستمنحونه للسعادة والشقاء. كلمتي الأخيرة : أنا من المؤمنين بالإنبعاث ، وأمنيتي أن أتقمص جسد واحد منكم غيرغاطس في واقع فعلي وأيّ ستكون جودته ونفعه. لكن لمن ؟ للبشر ؟ أنا لا أملك مثل هذا القدر من السذاجة كي أؤمن بأن كامل هذه اللعبة تمارسها جهة كونية ما ، على مستو واحد لاغير ، فهذا الذي لم نعرف بدايته سوف لن نعرف نهايته أيضا : نيزك مارق يحوّل هذه الأرض الى مسحوق قد يكون شبيها بمسحوق آريل للغسيل : مفعول قوي ورائحة عطرة ، أم ينفخ أحد شياطينكم على الشمس كي تخبو ويحل فعل الإظلام على الفصل الأخير من اللعبة. بالطبع هناك إحتمال ليس بالضعيف وهو أن هذه القصة " المبتورة " سوف لن تجد من يقوم بنشرها ، حينها سيصدق قولنا المأثور : ليس بالإمكان أحسن مما كان ... لا أعرف أيّ قول هو الأصلح : الى اللقاء أم وداعا ! لكن قبلها هناك السؤال : ما هي الحكمة أو العظة من تجربة بالغة القسوة كهذه ؟ ) .
( ثمة إحتمال ليس بالضعيف أبدا وهو أن الكاتب خطط لكتابة قصة مفتوحة أي طرح إقتراح مستقبلي مفاده : إسمعوا يا كتاب المستقبل سواء القريب أو البعيد ! لا أظن بأن قصتي هذه ينقصها الكثير عدا الحبكة التي أجدها معتمدة تماما على ما سيحدث بعد رحيلي من وادي الدموع هذا ، فأملي معدوم تماما بأنه سيتم دحر الموت حين أكون على قيد الحياة ، أو طرده لمسافة آمنة. إذن لديكم مضمون جاهز ولايعوزه شيء غير الخاتمة. بالنسبة لي الأمر سيان إذا كنتم ستجدون هذه الخاتمة سعيدة أو شقية ولأن الأمر كله عائد الى التعريف الذي ستمنحونه للسعادة والشقاء. كلمتي الأخيرة : أنا من المؤمنين بالإنبعاث ، وأمنيتي أن أتقمص جسد واحد منكم غيرغاطس في واقع فعلي وأيّ ستكون جودته ونفعه. لكن لمن ؟ للبشر ؟ أنا لا أملك مثل هذا القدر من السذاجة كي أؤمن بأن كامل هذه اللعبة تمارسها جهة كونية ما ، على مستو واحد لاغير ، فهذا الذي لم نعرف بدايته سوف لن نعرف نهايته أيضا : نيزك مارق يحوّل هذه الأرض الى مسحوق قد يكون شبيها بمسحوق آريل للغسيل : مفعول قوي ورائحة عطرة ، أم ينفخ أحد شياطينكم على الشمس كي تخبو ويحل فعل الإظلام على الفصل الأخير من اللعبة. بالطبع هناك إحتمال ليس بالضعيف وهو أن هذه القصة " المبتورة " سوف لن تجد من يقوم بنشرها ، حينها سيصدق قولنا المأثور : ليس بالإمكان أحسن مما كان ... لا أعرف أيّ قول هو الأصلح : الى اللقاء أم وداعا ! لكن قبلها هناك السؤال : ما هي الحكمة أو العظة من تجربة بالغة القسوة كهذه ؟ ) .
*
لن آتي بجديد إذا قلت إن الفن القصصي قد فتح أبوابه ، وليس منذ اليوم ، على أشكال كتابية ومعرفية أخرى: المقال العلمي وفن الكولاج وآليات الفيلم التجريبي والفنون الاخرى. لم تعد القصة تلك الحكاية التي تروى بذاك الخمول. لكن الكاتب العربي لم يستثمر ، بالعمق المطلوب ، هذه النعمة. فحين أراد إستثمار النص القصصي المفتوح ، سقط في فخ الثرثرة العقيمة. ومعلوم أن الغموض لايعني العبارة والفكرة الملتوية أو الهذر اللغوي والجليدي ، بل هو يعني ، كما نعرف ، تلك الفكرة أو الصورة أو الرائحة التي تحتمل أكثر من تفسير. لذا تكون مفهومة اليوم دعاوى العودة الى الكتابة الواقعية بمفهومها الاستسلامي التي يطلقها بعضهم في سماء القصة العراقية بالتحديد. فالذين إدعوا ممارسة كتابة النص الحديث قادوه ، بكل طيش ،الى الهاوية ، بإسم الغموض والتجريب. ولذا أجد أن قصص عدنان المبارك هذه ، قد لاتكون مقفلة إلا أمام القارئ الذي يبحث عمن يدغدغ مشاعره بطريقة أمومية. لكنها ليست كذلك أمام قارئ إيتالو كالفينو مثلا... إنها قصص موجهة الى قارئ غير مطمئن أبدا مما يدور حوله في هذا العالم الذي يشكل غموضه المجزرة الاساسية. ، قارئ لم يسممه الكسل الديني الذي يوزعه بعض كتاب الادب الذين يستمتعون ، وكما يبدو ، كثيرا في الوضع المريح الذي تخلقه الإلفة الشكلية مع قرائهم. إنهم كتاب يستمتعون بحقوق ومزايا ثانوية من نوع إرتياد المهرجانات أو إصطياد جوائز شيوخ النفط، وتهليل نقاد الاخوانيات المنتشرين من المحيط الى الخليج. لقد ألقى المبارك نفسه في نعيم المغامرة ولا أقول ، في هذا الموقع ، جحيمها ، فقصصه هي التي تشي بذلك ، إذ ليس سهلا على كثير من الكتاب خلق جوار سهل بين أمور معيّنة : شراسة الصورة الأدبية المتخيلة وفحص المفاهيم الفلسفية بعدسة مجهر ، بين أن تكتب عن غرفة في مدينة البصرة ثم تقفز في اللحظة نفسها وبكل جرأة الى غرفة في الكون البعيد أوغرفة أخرى قد محى الزمن هوية تواجدها، لكنها بالطبع مازالت حاضرة مثل طنين في الرأس. وليس من اليسير على الكاتب أن يواصل صراعه من دون أن يتلقى الثمن ، سواء من النقاد أو حتى ذاك المقابل المادي مثل أغلب كتاب العالم. إن هذا وضع صعب، ودفع بالكثيرين من الكتاب في العالم العربي الى الاستسلام والعقم ، أو الإنخراط في لعبة العلاقات الاجتماعية على حساب الابداع الحقيقي. لكن عزلة المبارك هي عزلة ذهبية مثمرة. أظنها أتاحت له التفرغ للقضايا الأساسية والجوهرية التي يهتم بها كل أدب انساني صادق وأصيل.
*
من قصة أنا ومأمون الأعمى :
( لا أظن أن نهاية ( مغامرة ) مأمون مع العمى بل الوجود ، بالمهمة في روايتي هذه. لكن إذا أصر بعضهم فليعرف أن بطلنا بقي أعمى الى النهاية المفجعة التي كانت عبثية شأن نظرية التطورالتي آمن بها في الأخير : دخل شارعا خلفيا كانت تجري فيه معركة بين إثنتين من المافيات وأصابته طلقة طائشة لكنها كانت مميتة. أكيد أنه لم يكن يعرف ، رغم تدربه الطويل على التحكم بعماه ، كيف الخروج من دائرة القتل تلك.
أعترف بأن شاغلي الرئيسي في هذه القصة بعض ما كان يحدث في عالم مأمون الداخلي. بالطبع لا وثوق هنا بل مجرد تخمينات وإستنتاجات أساسها سيرته ومدارات تفكيره ، أو ليس الفن كله هكذا ؟ إذن لربما كان مأمون قد فكر بهذه الصورة :
العمى نعمة خاصة حين لايسمح لك مثلا بمشاهدة ما يحدث على الأرض والذي أعتبره من فضائح الله. بالطبع لم أر كيف هرب الأطباء في أوغندا من مرضاهم المصابين بنوع جديد من فيروس الإيبولا. لم أر كيف تشنق النساء في البصرة أو كيف يعاقبوهن في السعودية أو كيف يتاجرون بأعضاء أطفال أحياء البؤس في ريو دي جانيرو. معدتي قوية لكن لاضمانة هناك في أني لن أفرغ ما فيها عند رؤية هذه البشاعات. في هذه الحالة لا أعرف لمن أدين بالفضل في عماي: لرب الجميع ، لرب آخر ولأسمه رب المصادفات ؟ مضيت مرة في تلك الحديقة العامة التي ما زلت أرتادها أكثر من مرة في الأسبوع. تذكرني بالأخرى على كورنيش مدينتي القديمة. خيل إلي أن إمرأة تناديني : كابالييرو! كابالييرو ! حين إلتفتُّ الى الوراء وجدت إمرأة ذات جمال أخاذ تهرع صوبي وهي تحمل في يدها كتابي الذي نسيته على مصطبتي المفضلة. كانت أسبانية . قالت ضاحكة : الفارس التائه... )
( لا أظن أن نهاية ( مغامرة ) مأمون مع العمى بل الوجود ، بالمهمة في روايتي هذه. لكن إذا أصر بعضهم فليعرف أن بطلنا بقي أعمى الى النهاية المفجعة التي كانت عبثية شأن نظرية التطورالتي آمن بها في الأخير : دخل شارعا خلفيا كانت تجري فيه معركة بين إثنتين من المافيات وأصابته طلقة طائشة لكنها كانت مميتة. أكيد أنه لم يكن يعرف ، رغم تدربه الطويل على التحكم بعماه ، كيف الخروج من دائرة القتل تلك.
أعترف بأن شاغلي الرئيسي في هذه القصة بعض ما كان يحدث في عالم مأمون الداخلي. بالطبع لا وثوق هنا بل مجرد تخمينات وإستنتاجات أساسها سيرته ومدارات تفكيره ، أو ليس الفن كله هكذا ؟ إذن لربما كان مأمون قد فكر بهذه الصورة :
العمى نعمة خاصة حين لايسمح لك مثلا بمشاهدة ما يحدث على الأرض والذي أعتبره من فضائح الله. بالطبع لم أر كيف هرب الأطباء في أوغندا من مرضاهم المصابين بنوع جديد من فيروس الإيبولا. لم أر كيف تشنق النساء في البصرة أو كيف يعاقبوهن في السعودية أو كيف يتاجرون بأعضاء أطفال أحياء البؤس في ريو دي جانيرو. معدتي قوية لكن لاضمانة هناك في أني لن أفرغ ما فيها عند رؤية هذه البشاعات. في هذه الحالة لا أعرف لمن أدين بالفضل في عماي: لرب الجميع ، لرب آخر ولأسمه رب المصادفات ؟ مضيت مرة في تلك الحديقة العامة التي ما زلت أرتادها أكثر من مرة في الأسبوع. تذكرني بالأخرى على كورنيش مدينتي القديمة. خيل إلي أن إمرأة تناديني : كابالييرو! كابالييرو ! حين إلتفتُّ الى الوراء وجدت إمرأة ذات جمال أخاذ تهرع صوبي وهي تحمل في يدها كتابي الذي نسيته على مصطبتي المفضلة. كانت أسبانية . قالت ضاحكة : الفارس التائه... )
*
أنا لا أملك أدوات الناقد المتمرس لتقديم هذه المجموعة القصصية الجميلة ، بطريقة أكاديمية أو ببلاغة هذا الناقد. لكن العزاء في أني أملك قدرا بسيطا من حاسة القارئ المحموم. القارئ الظمآن لما هو معرفي وجوهري في هذا الصراع المرّ والمدهش مع الوجود. من هنا تكمن سعادتي في قراءة هذه المجموعة من القصص ومن ثم رغبتي في كتابة هذه الانطباعات المتواضعة عن نتاج مبدع يستحق أن يقف عنده النقد الجاد والخلاق طويلا. أنا واثق من أن قراء عديدين سيشاركوني الرأي حول هذه الرحلة الممتعة من المعرفة والخيال. فهذه قصص يحتاجها كل قارئ يحاصره كالضباب الكثيف الأرق والحيرة ...
...................
* يمكن قراءة مجموعة قصص (قبل مجيء الملاك ) في موقع القصة العراقية
قيم هذا المقال
الفن يُلامس الجنون أحياناً ليخرجنا من واقع مرير الى عالم يتناغم فيه
الجمال والإبداع ... في قصيدة الشاعر "صالح الطائي" :
انتقالية الكلمات ومزجها في قالب متماسك ...
أرجو أن يكون باستطاعتي نقل وإعادة ما كتبه الشاعراللبناني الكبير :
"أنسي الحاج" عند صدور كتاب :'إنجيل شخصي" للشاعر اللبناني اللامع:
"عقل العويط" قائلاً :"الشعر هو ما ...
روعه اكثر من ما في الخيال
روعه لاغير
ليت ان يكون لسانك لدي حتى يكون سلاحي الناعم فاكون محبوبا في قلب ما احب
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
هل الغازُ هو آخرُ غزواتِ غزّة!


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك