تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  إصدارات المجلة»  إصدارات عامة»  كريستوفر ميريل بالعربية

كريستوفر ميريل بالعربية

عدد مرات المشاهدة :2850 - March 18, 2008

خضير ميري

كريستوفر ميريل بالعربية

     
   
  
شاعر مشغول بالتلف والتحفّز ومسكون بالخوف والفلسفة
 
السحري يبلغ الشاعر مسار شعريته ورؤاه. الشاعر يدل على العالم المقطع المهلهل الملصوق سهواً بين فراغات الكلام، منتشياً بالصورة المخربة، لكن الطازجة المسروقة من جيوب شعرية عتيقة. تلك هي شعرية الأشياء. لعل ذلك هو انطباع النص الأولي الذي يقذفه لنا كريستوفر ميريل من "كراسة"، و"حمّى ومد"، و"حظ"؛ المجاميع المنتخبة في أول ترجمة عربية لها بالاتفاق مع الشاعر، ترجمها الشاعر الفلسطيني محمد حلمي الريشة، وكانت معزّزة بمقدمة تأمليّة بقلم ديفيد سانت جون، لعلها تضيء لنا عتبات وتخوم النصوص المكثّفة التي يخاطب فيها القارئ في مفتتح المقدمة: "إِلَى أُولئِكَ الَّذِينَ أَحَبُّوا مِنَّا شِعْرَ كرِيسْتُوفر مِيرِيل لِسَنَوَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُذْهِلِ، فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ، أَنْ نَذْكُرَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَنْدَرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَى مَظَاهِرِ الطَّبِيعَةِ فِي الشِّعْرِ الْمُعَاصِرِ، أَنَّهُ كَاتِبٌ "كَامِلٌ".
ولعل السياحة مع ميريل تبدو غالباً مثيرة للرغبة في القراءة أكثر، فهو شاعر انتقائي متحسس جداً إزاء الكلمات، وغير ميّال للفائض اللغوي، ما إن يرسم مشهد الدلالة الشعرية حتى ينقلب عليها، ويجزّ زوائدها، لتخرج القصيدة من نار هادئة تأكل جراثيم النص المؤلفة من الثرثرة والتّخمة الزائدة عن الحدّ، فميريل شاعر مقتصد، يعمل نصّه بالرسم الإشاري، والترسيم الصوري الطفليّ بعض الشيء. نقرأ في "حكاية خرافية":
"كيفَ ابتَسَمتْ شَواهدُ القُبور!
والغُيومُ، مِثلَ أَزهَارٍ،
استَقرَّتْ فَوقَ الأَشجَارِ
بِتَرتيَباتٍ رَماديَّةٍ،
عِندَما اختَبأْتُ فَوقَ التَّلَّةِ
كَي أُشاهدَ جَنازَتي.
أُمِّي، بِلباسٍ من وَبَرِ الإِبلِ
الرَّماديِّ وعَلى انتِبَاهةِ
(أَوامرِ الوَزيرِ)، تَبكي
إِلى أَن رَفعَ وَالدِي
تَابُوتي عَاليًا نَحْوَ فَتحةٍ
في الغُيومِ، حَيثُ طَفَا هُناك."
وستكون منقلبات الصورة على نفسها، وتكثيف خطّ الإصغاء البصري إليها متوافراً بكثرة في جميع نصوص هذه المختارات، فميريل الموله بالسّريالية، أو ما تبقّى منها، ما زال حريصاً على الانتشاء بالقليل من كل شيء، فلا تخلو هذه الموتيفات الماهرة من عودات ذاكرات خاصة بالشاعر؛ بعضها استعادات حقيقية والأخرى من وهم الشعر والخيال، كما في المقطع الذي يرسم فيه ميريل صورة لأهرامات مصر في قصيدة "تدنيس المقدسات":
"هذهِ أَوراقُ اعتمَادي: سَافَرتُ
إِلى مِصرَ عِندَما كُنتُ شَابًّا
وحَفرتُ نَفَقًا باتِّجاهِ هَرَم.
بِحَبلٍ رُبطَ إِلى صَخرَةٍ
بِمُحاذاةِ المَدخَلِ، التَقَطتُ طَرِيقي
من خِلالِ الغُبارِ والأَقفَاصِ من أَجلِ الأَفضَل
مَضَى جُزءٌ من الأُسبُوعِ حتَّى وَجدتُ -
في زَاويةِ القَبرِ المُزيَّفِ، تَحتَ
كَومةٍ من الأَحجَارِ- المَمرَّ المُؤدِّيَ إِلى غُرفَةِ الدَّفن."
لكن الدّور الأكبر يبقى للحلم والمصادفة حين ما زال العالم قابلاً للخرافة الطفلية، والسؤال البسيط المقلق الذي يتهّجاه الشاعر دائماً ويحنّ إليه؛ سؤال شعري هو ميتافيزيقي بطبعه أو مسعاه، وهو الهامش الدلالي الذي يؤثره ديفيد سانت جون في مقدمته: "هذِهِ الْقَصَائِدُ احْتِفَالِيَّةٌ وَخُرَافِيَّةٌ لِلنَّشْأَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَيَكْشِفُ كُلُّ هذَا عَنِ الظِّلاَلِ الرِّثَائِيَّةِ الَّتِي تُلاَمِسُ كُلَّ مُرُورٍ خِلاَلَ الْحَيَاةِ."
وليس هذا كشفاً لمكونات قصائد ونصوص كريستوفر ميريل بقدر ما هي المشي بمحاذاتها، والانتباه لها وهي تعلن التّماس مع الظلال المتبقية لعالم يزول كما في قصيدة "في الربيع" المهداة "إلى طفل":
"الأَشجَارُ تُدَنْدِنُ في الرِّيح.
وعِندَما تَموتُ الرِّيحُ، سَتملأُ
الطُّيورُ الأَشجَارَ بِالغِنَاء.
في الحَديقَةِ، حِصَصُ بَازِلاَّء
وبَصَلٌ مُدَلَّىً، دَوِّختْ
بِالبَرَدِ والمَطرِ الشَّدِيد،
وتَميلُ إِلى الجِهَةِ نَفسِهَا -
لكنْ انظُرْ: لقد أَوْرَقَ الخَردَل!"
يتوالى منهج ميريل في غير مرة من انفجارات قصائده وفوراتها السريعة اللذيذة الغادرة التي تمعن في التقطيع والمقطعية، وتتعمّد بعض التجريد اللّوني للمقولات الذاتية المركبة والمكثّفة، كما في قصيدة "التقاطات" مهتدياً بمقولة جوري غراهام التي تقول:
"طريقةُ عملِ الأشياء
هي في النّهاية
التقاطُ بعض الأشياء".
فما الذي التقطه ميريل في "التقاطات":
"إِنَّها خُطوةٌ مُقفلَةٌ ومُحاولَةٌ ثَانيةٌ. العَلَمُ الأَبيضُ
ارتفعَ وصُوِّبَ نَحوَ الجِدارِ. إنَّها حَربُ زُكامِ البَدَن.
هذهِ الرُّكَبُ المُعرقِلةُ، والاستنزافاتُ السَّيِّئةُ
وهذهِ الإسفنجاتُ الشَّرِهةُ لِتدميرِ الرُّوح،
تَوافُقٌ، تَوافُقٌ... إِذا الأَلمُ خَطٌ مُحزَّزٌ من هُنا
إِلى هُنا، فإِنَّهُ فَيضانٌ بِسُهولَةٍ، ووابلٌ من اللَّحظاتِ
تَنفجرُ تَحتَ القَدَم، كذلكَ هو مُقدِّمةٌ
لِلشَّعيرَةِ".
وهذا انزياح آخر في لغة ميريل المعهودة، في "كرّاسة" وقصائد "حمّى ومدّ"، الشعرية تتخلّى عن بساطتها الموحية، وتدخل مناطق رؤية لغوية عالية تجرف الصورة بعيداً عن نفسها الطفليّ الحسّي، كما لو كانت تمتح عن تناصّات مع السّريالية الأولى، لاسيما بريتون في بعض رحلاته في الصوفية الشيئية، والتي كانت تريد التهديم والبناء في الآن نفسه، هو مثقل كما كافكا في تدجين العالم بالخيال المجنّح، وترميم ما تبقّى من ملحمة الرغبة والمعرفة الخارقة فهل كان ميريل سعيداً؟
هل يمكن السيطرة، ولو حلميّاً، على الجنون الذي يفجّره العالم كلّما صمتنا وتأملنا بلا عكازات منطقية؟ هل يكفي الوثوق بالشعر لخلق معادلٍ مع كمية الفراغ المبذول في العقل؟ لعل ذلك يساوي لدى ميريل مجرد ضربة حظ؛ حظ ليس إلاّ، وبقايا لعب مؤقت داخل عاصفة غير مرئية. هو يعرف الطريق الخالد نحو التبدد والتلاشي والهجران المحكوم بالكائن كما تطالعنا قصيدة "نَفَس":
"هل يُمكِنُ تَصوُّرهُ أنَّهُ عالَمٌ 
نَحوَ ذاتِه- اصْطِيدتْ السَّمكةُ المنتفِخةُ
ووُضِعتْ خَارجَ القَناةِ العَفنَةِ،
تُجفَّفُ السَّمكةُ المنتفِخةُ مثلَ وَرقةِ
عَشرةِ جُنيهاتِ الصَّبيِّ؟ يَجبُ
فَحصُها، إنهُ يؤمنُ هكذَا.
وبِحزمٍ، وهو يَتفلُ في السَّماءِ،
ويَقذفُ صَيدَهُ، مثلَ حبلِ كُرةٍ.
 
وهكذا يتعالى موج الشعرية في مفاصل نصوص كريستوفر ميريل بتصاعدٍ أحياناً، وبامتداد أفقي مشوب بالعرقلة الصحية، وكثير من اللّف والدوران باتجاه الإمساك بفوضى التقاطعات والمصادفات المناسبة للواقع المتكرر بتعدد المرعب، ذلك أن الشاعر هو تحصيل ما يراه وما يقع عليه ويرفضه ويعدّله ويمزّقه بسرور أو يغضب، وليس هو انعكاس لقوالب القول والفكر، وعلى خطى الشعراء الكبار الذين ذهبوا إلى الشعر من بوابات واسعة مليئة بالثقوب الصغيرة المتخفية، والتي لا يمكن أن يبصرها إلا شاعر مشغول بالتلف والتحفّز، ومسكون بالخوف والفلسفة.. هكذا كتب كريستوفر ميريل قصائده وعاش فيها ولم يزل.



أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن