أدب فن: الذبابة على الوردة في احتفالية كبيرة في مكتبة "حنين"في القاهرة الذبابة على الوردة في احتفالية كبيرة في مكتبة "حنين"في القاهرة ================================================================================ بلال رمضان on 26/ 8/ 2009 "خُضيّر ميري" يُعيدُ للأدبِ قضيتهُ الجنون مشروعا لكاتب من طراز مغاير والعالم الروائي يتمسك بالعرضي ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي المنعقد حاليًا بمكتبة حنين والذي تُقيمهُ تحت شعار"أيام عربية" عقدت أمسية للشاعر والروائي العراقي "خُضيّر ميري" لمناقشة روايته الجديدة "الذُبابةُ علي الوردة" الصادرة عن دار الحضارة للنشر، حضر المناقشة وحفل التوقيع الشاعرة السورية "لينا الطيبي" والكاتب والروائي "محمد صلاح العزب" الشاعرة الفلسطينية "فاتنة الغُرَّة"، الشاعر "سعدني السلاموني" الكاتبة الصحفية "إسراء خليفة"، الروائي والمخرج التليفزيوني "طلال سيف"، وعددٌ من الأدباء والمثقفين من البلاد العربية. أدار المناقشة الشاعر والناقد "عادل جلال" والذي تحدث قائلاً : هذا العمل يأبي أن يندرج تحت نوع محدد، ولو حُكم علي النص بأنه رواية ستُأخذ عليها مآخذَ كثيرة، فالنص يتحدث عن القمع والحرمان لسجينٍ سياسي عانى أقسى حالات التعذيب وصار الجنون وحدهُ أمامهُ مهربًا، وتعدُ الفلسفة هي أحد فتوحات هذا النص، وهذه كانت أحد آليات إنقاذ الذات الروائية من الإعدام. كما أشار إلي مقدمة الدكتور "باهر سامي بطي" وهو طبيب عراقي مُقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وأحد شخوص الرواية، وكان يشرفُ علي الذات الساردة في المصحة النفسية، والذي قال : لا تنتمي الرواية تحديداً إلى جنس السيرة الذاتية، أو القمع البشري، أو تاريخ السياسة بين سلطة ومعارضة في العراق، ولا إلى تاريخ معاناة المثقفين العراقيين مع السلطة الدكتاتورية فحسب. وإنما سنكتشف أنها تاريخ محاكمة اللامعقول الإنساني للمعقول السائد، المؤسساتي منه والكوني. وربما تكون هذه حبكة جديدة لإدماج السؤال الأونطولوجي في سؤال الجنون الذي هو من الطراز العقلي بجدارة ملحة. إنها حكاية "الفرد الذي يزرعه آخرون في طريق وجود لا ضمانات فيه ثم يموتون بعد ذلك ليتركوه وحيداً كأنه هو الذي أنجب الحياة ولم ينجبه أحد". كما أشار إلي التقارب الخفي بين الأرنب الأبيض الذي ينذر بالخطر عند "أوهاين موريتز"، وبين رغبة "خُضيّر ميري" بالتصريح بالجنون، كما أنهُ لا يستطيع أن يلتزم بقضية واحدة داخل النص. "الذبابة علي الوردة جنون الفلسفة وفلسفة الجنون" هذه هي القراءة التي أضافها الروائي والمخرج التليفزيوني "طلال سيف" موضحًا عبقرية اللا مألوف والذي يصنف بالجنون، فهذا العنوان التافه والجريء يكشفُ بعد بضع ورقيات أنه لا يقل أهمية عن قصة "النمرود" التي كان بطلها أيضًا هو ذُبابة أخبرنا بها "القرآن الكريم"، إن المؤلف يراهن علي أن أبسط المقدمات تؤدي إلي أخطر النتائج والعكس، فتتحول الذُبابة إلي عُنصر قهر للديكتاتورية الحاكمة تُنبئ بسقوط "الحمار الحاكم" كما وصفهُ الكاتب، لقد كان "خُضيّر" واضحًا في روايته حول البحث عن جوهر الحياة، منتميًا إلي فكر "محي الدين ابن عربي" حول النقطة أو الدائرة التي هي مركز الكون، على الرغم أن "خُضيّر" لم يمارس جرأة " ابن عربي" في الإفصاح عن ذلك الجوهر، إلي أن مفردات "خُضيّر" الافتتاحية تميل أحيانًا إلي الغموض إلي أن النص التالي للافتتاحيات يُحلل تلك المفردات الغامضة ويحيلها إلي فعل حدثي، يقول "خُضيّر" إن اكتشاف الكهرباء هو أكبر درس في التاريخ البشري، ولم يكن يخطر ببال مخترعها أن ستكون أسوأ الطرق في إصلاح العقل والعبث في خلاياه، كما أكد "طلال" أن الرواية لا تخلو من الحسرة والمرارة من ممارسات الحمير الحاكمة والتي حولت الاستنارة الكبرى إلي حماقاتٍ أكبر؛ فأضاعت الفكرة والعقل والجنون، وما تبقي غير الجريمة، جريمة اغتيال العقل المستنير باسم النظام والأمن والوطن. كما أكدت الشاعرة الفلسطينية "فاتنة الغُرَّة" في حديثها قائلةً : الرواية تؤرخُ للقبيحَ فينا وتفتضحُ ذاتنا الإنسانية التي غابت عنها الإنسانية، وبرغم ما أكده أحد شخوص الرواية وهو الدكتور "باهر سامي بطي"من أنها لا تنتمي إلي أدب السجون أو السير الذاتية، إلا أن الرواية تفرض هذين اللونين من الكتابة بكل تفاصليهما. قسم المؤلف روايته إلي قسمين مستهلاً العمل بمفتتح لا يحمل عنوانًا، لكنهُ يحمل توقيعًا "من مدونات مجنون سياسي" يقول فيها : كانت تلك حكاية لم يدونها مؤلف، لقد كنتُ قارئها الوحيد، يوم كُتبت علي قفاي، وخُطت سطورها علي جلدي، وتُركت بصماتها المُلتهبة في أحشائي". وأضافت هو هنا يقول حكاية الكتاب كلهِ بتفاصيل الاعتقال والتعذيب، ثم يدخل إلي القسم الأول الذي يضع عتبتهُ جملة تقول "الجنون هو الحقيقة الوحيدة التي ليست بحاجة إلي آخر"، وهو الحديث الذي يمهد فيه للحديث من خلال الصحفية الأجنبية التي يروي لها التفاصيل كلها، ثم يدخل منها إلي عالم الاعتقال والتعذيب، ثم ينتقل إلي القسم الثاني والذي ينقلنا فيه إلي "المصحة" والتي قضي فيها سنواتٍ من عمرهِ بما تحمل من توتر دائم في جلسات الكهرباء، والتي يكتبها بلغة تعبر التوتر الذي يرافق الوقوف على شعرة الجنون أو العقل. ثم يأخذنا الشاعر إلي "الشماعية" وهي التسمية الشائعة لمدينةٍ يقع فيها أكبر مستشفي للأمراض العقلية في حدود بلدية بغداد، كما أكدت أن "الذُبابةُ علي الوردة" عملٌ يقدم الطازج من الفلسفة، كما أن الشاعر لا يفارق الشعر في روايته، وهذا ما يعطى للنص رؤية جديدة. وحول ما أُثيرَ تحت أي نوع من الأنواع الأدبية يندرج النص الأدبي لـ "خُضيّر ميري"، اختلفت الآراء فهل هو أدب سيرة ذاتية؟ أم أدب سجون؟ أم أنه لا جدال مادام الكاتب قد حدد جنس النص فيؤخذ به؟ أم أن "خُضيّر ميري" يكتبُ نصًا جديدًا؟ وتحدث الروائي "خُضيّر ميري" في إيجازٍ شديد والذي قال: إن القراءة والكتابة وجه واحد لا يمكن الفصل بينهما، فأنا عندما أكتب أحاكي اللغة العربية من اجل التخلص من استعارتها واقنعتها ومكزيتها في التوصيل الزائف، فالخطاب العربي هو الذي يخاطب الثبات والجوهرية، يخاطب حقيقة المعني ومعني الحقيقة، إن قضية الأدب هي التشكيك، وأعتقد أن النص قد استطاع أن يُعيد للأدب قضيتهُ.كما أن المسالة الأساسية في تفكيري تتمثل في محاولة القبض على "العرضي" و"العابر" في علاقاتنا مع العالم والعرضية مفردة تحمل انشغالين معا فالعرض في الفلسفة هو نوع من ظاهرة الحضور في العالم وهو مشغل الفلسفة عموما والعرضي كذلك هو تعبير المرض عن نفسه أو الأشارة اليه بلغة العيادة الطبية وبذلك تكون العرضية قد أدت غرض العقل في الخطاب الفلسفي وغرض الجنون أو المرض العقلي في خطاب التحليل النفسي أو غرفة المرض، والأدب هو بمعنى ما التقرب الى العرضية واستخدام الجهد اللغوي في استظاهرها وهكذا فان مشغلي السردي الذي انهم فيه هو بصورة ما التأمل في العلاقة الاشكالية بين اللغة والعقل وهذا الاخير مع العالم ولقد سبق لنيتشه ان تورط بمعادلات من هذا النوع وكان عمانوئيل كانت هو بدوره قد تصدى للعقل ووضعه داخل مشغل نقدي استطاع نيتشه ان يطوره كثيرا ويثوره من الداخل وذلك على اعتبار ان الخطاب هو بطبعه انفلاتا وتخلصا من كل حتمية وبالعرضية ومن خلالها يمكن لنا التعرف على العالم اكثر فاكثر عبر صورة اللغة في الفلسفة وصورة المعنى في الفلسفة . هذا وقد كانت الاحتفالية قد حضيت بمساندة الحضور واستغرقت طويلا لم يكن مسبوقا في الامسيات القليلة السابقة وكانت المداخلات قد قلبت الرواية وجها وقفى وكان الاقبال عليها وقراءتها امرا ملحوضا.